Blog

  • بناء نواة تفسير الاحلام

    مشروع الأحلام إذا بدأته كموقع أولًا، فغالبًا ستضطر لاحقًا إلى:

    • إعادة هيكلة البيانات
    • دمج صفحات متكررة
    • إصلاح العلاقات بين الرموز
    • وإعادة كتابة جزء كبير من المحتوى

    أما لو بدأت بـ النواة أولًا، فأنت تبني الأصل، والموقع يأتي لاحقًا كواجهة عرض فقط.

    أفكاري للنواة:

    1) لا تبدأ بمقالات، ابدأ بكيانات

    النواة يجب أن تكون قاعدة معرفة لا “أرشيف نصوص”.

    يعني الوحدة الأساسية ليست:

    • مقال: تفسير حلم الثعبان

    بل:

    • كيان: ثعبان
    • كيان: مطاردة
    • كيان: خوف
    • كيان: عزباء
    • كيان: النابلسي
    • كيان: لدغة

    ثم العلاقات:

    • الثعبان يرتبط بـ العداوة
    • الثعبان في سياق المطاردة
    • لدغة الثعبان تختلف عن رؤية الثعبان فقط
    • معنى الثعبان يختلف بحسب حال الرائي
    • النابلسي ذكر معنى معينًا
    • ابن سيرين المنسوب ذكر معنى آخر

    هذه هي النواة الحقيقية.


    2) ابنِ المشروع على طبقات

    أنا أنصح بـ 7 طبقات:

    الطبقة 1: الكيانات الأساسية

    مثل:

    • الرموز: ثعبان، ماء، نار، بيت، مال، ميت
    • الأفعال: مطاردة، قتل، هروب، سقوط، شرب
    • الحالات: عزباء، متزوجة، مريض، تاجر
    • المشاعر: خوف، فرح، حزن، قلق
    • الصفات: كبير، صغير، أسود، أبيض، كثير، مكسور

    الطبقة 2: المرادفات والصيغ

    مثل:

    • ثعبان = حية = أفعى
    • نقود = مال = دراهم = فلوس
    • بيت = دار = منزل

    هذه مهمة جدًا، لأنها تمنع التكرار وتفيد لاحقًا في البحث.

    الطبقة 3: التصنيفات

    مثل:

    • الثعبان ← حيوان
    • البحر ← ماء/مكان طبيعي
    • الأسنان ← عضو جسدي
    • الزواج ← علاقة/حدث
    • المطر ← ظاهرة طبيعية

    الطبقة 4: العلاقات

    مثل:

    • رمز مرتبط برمز
    • رمز داخل فئة
    • رمز له مرادف
    • رمز يظهر مع سياق
    • تفسير منسوب إلى مصدر
    • معنى مشروط بحالة

    الطبقة 5: المعاني

    المعنى نفسه لا يكون نصًا واحدًا فقط، بل سجلًا منظمًا:

    • الدلالة
    • نوعها: إيجابي/سلبي/مختلط
    • الشرط
    • السياق
    • المصدر
    • درجة العمومية

    الطبقة 6: النصوص المصدرية

    هنا تحفظ:

    • نص النابلسي
    • نص ابن سيرين المنسوب
    • أي مصدر آخر
    • مع الموضع: باب/صفحة/سطر أو مقطع

    الطبقة 7: طبقة الاشتقاق

    هذه لا تدخلها يدويًا أولًا، بل تأتي لاحقًا:

    • ملخصات جاهزة
    • مقارنة بين المصادر
    • استخراج الصفحات الجاهزة للموقع
    • اقتراح روابط بين الرموز

    3) افصل بين “المصدر” و“الفهم”

    هذه نقطة حاسمة جدًا.

    لا تخلط:

    • ما قاله المصدر
    • بما فهمناه نحن من المصدر

    مثال:

    المصدر

    • النابلسي: رؤية الماء الصافي قد تدل على خير ومعيشة…

    الفهم البنيوي

    • الرمز: ماء
    • الصفة: صافٍ
    • النوع: إيجابي غالبًا
    • الفئة: ماء/سائل
    • ملاحظات: يتبدل بحسب السياق

    هذا الفصل يحمي المشروع من الفوضى.


    4) لا تبنِ النواة كنصوص طويلة

    ابنها كسجلات صغيرة مترابطة.

    يعني بدل ملف طويل بعنوان “الثعبان” فيه كل شيء، اجعل عندك:

    • entity: ثعبان
    • alias: حية
    • alias: أفعى
    • category: حيوان
    • relation: ثعبان → عداوة
    • relation: ثعبان → خوف
    • interpretation:
      • entity = ثعبان
      • condition = عام
      • meaning = عدو
      • source = النابلسي
    • interpretation:
      • entity = ثعبان
      • condition = في البيت
      • meaning = عدو من أهل البيت
      • source = …
    • interpretation:
      • entity = ثعبان
      • condition = قتله
      • meaning = ظفر بعدو
      • source = …

    هذا يجعل التوسع لاحقًا سهلًا جدًا.


    5) ابدأ بمصدرين فقط

    لا تفتح عشرات الكتب من البداية.

    ابدأ بـ:

    • النابلسي
    • ابن سيرين المنسوب

    وهذان يكفيان جدًا كنواة أولى.

    لماذا؟

    • لأنهما الأشهر
    • ولأنك بدأت فعليًا العمل عليهما
    • ولأنهما يكفيان لاختبار الهيكل
    • وبعد ذلك تضيف ابن شاهين أو غيره

    6) الوحدة العملية الأولى ليست “كتابًا كاملًا”

    بل حزمة رمزية
    أنا أنصح أن تبدأ هكذا:

    المرحلة الأولى

    اختر 50 رمزًا فقط، لكنها قوية جدًا، مثل:

    • ثعبان
    • عقرب
    • كلب
    • قط
    • أسد
    • سمك
    • طير
    • ماء
    • بحر
    • مطر
    • نار
    • بيت
    • باب
    • مفتاح
    • مال
    • ذهب
    • ميت
    • قبر
    • زواج
    • حمل
    • ولادة
    • سقوط
    • طيران
    • مطاردة
    • بكاء
    • ضحك
    • دم
    • شعر
    • أسنان
    • عين
    • يد
    • قدم
    • طريق
    • مدرسة
    • امتحان
    • مسجد
    • ملك
    • شرطي
    • لص
    • سيارة
    • لباس
    • حذاء
    • سرير
    • طفل
    • أم
    • أب
    • أخ
    • مرض
    • مستشفى
    • قبر

    ثم ابنِ عليها كل العلاقات الممكنة.

    هذا أفضل من استخراج 500 رمز دفعة واحدة بلا ضبط.


    7) أنشئ “معيار إدخال” صارم

    قبل التوسع، ضع قواعد ثابتة، مثل:

    عند إدخال أي تفسير يجب تحديد:

    • الرمز الأساسي
    • هل هو رمز أم فعل أم حالة أم شعور
    • النص المصدر
    • المصدر
    • الموضع
    • نوع الدلالة
    • هل المعنى عام أم مشروط
    • ما الشرط
    • هل يوجد رمز مرتبط
    • هل يوجد مرادف

    بدون هذا، النواة ستتحول لاحقًا إلى سوق خضار معلوماتي.


    8) ابنِ معجمًا داخليًا قبل المحتوى النهائي

    هذا مهم جدًا.

    قبل التفكير بالموقع، اصنع:

    • قائمة الكيانات
    • قائمة المرادفات
    • قائمة التصنيفات
    • قائمة الحالات
    • قائمة الأفعال
    • قائمة المشاعر
    • قائمة الألوان
    • قائمة الصفات

    هذه القوائم هي القواعد التي ستحكم كل الإدخال بعد ذلك.


    9) ميّز بين 3 أنواع من المعاني

    هذا سيفيدك جدًا لاحقًا:

    معنى مباشر

    مثل:

    • قتل الثعبان = الظفر بعدو

    معنى وصفي/حالي

    مثل:

    • الماء الصافي = خير أو صفاء

    معنى سياقي

    مثل:

    • الثعبان في البيت ≠ الثعبان في الطريق
    • الميت الصامت ≠ الميت المتكلم

    هذا يمنعك من اختزال كل شيء إلى “رمز = معنى”.


    10) اجعل هدف النواة هو التوليد لاحقًا

    النواة الجيدة يجب أن تستطيع لاحقًا توليد:

    • صفحة رمز
    • صفحة سياق
    • صفحة حالة
    • مقارنة بين مصدرين
    • صفحات “للعزباء”
    • صفحات “أهم رموز الحيوانات”
    • فهرس أبجدي
    • بحث داخلي ذكي

    إذا بنيت البيانات بحيث لا تولّد هذه الأشياء بسهولة، فالنواة ناقصة.


    11) ما الذي أفعله أنا لو كنت مكانك؟

    أفعل هذا الترتيب:

    المرحلة A

    • تحديد schema نهائي للنواة
    • تحديد أنواع الكيانات
    • تحديد أنواع العلاقات
    • تحديد حقول المعاني والنصوص

    المرحلة B

    • إدخال أول 50 رمزًا من النابلسي
    • مع المرادفات والتصنيفات والعلاقات

    المرحلة C

    • إدخال نفس الـ50 من ابن سيرين المنسوب
    • وربط أوجه الاتفاق والاختلاف

    المرحلة D

    • اختبار الاسترجاع:
      • أعطني كل ما يتعلق بالثعبان
      • أعطني كل الحيوان السلبي
      • أعطني كل ما يتعلق بالماء للعزباء
      • قارن بين النابلسي وابن سيرين في الزواج

    المرحلة E

    • بعد نجاح الاختبار، نوسع إلى 200 ثم 500 رمز

    12) ما الذي لا أنصح به الآن؟

    لا أنصح الآن بـ:

    • تصميم موقع
    • كتابة مقالات SEO
    • تحسينات واجهة
    • ترجمة إنجليزية
    • إدخال مصادر كثيرة جدًا
    • اعتماد نصوص مفككة بلا schema

    الآن وقت البنية لا وقت الزينة.


    13) أفضل نتيجة ممكنة

    لو أنجزت النواة جيدًا، فلاحقًا يصبح الموقع مجرد:

    • قالب عرض
    • بحث
    • تصفح
    • صفحات مولدة

    أما إذا بدأت بموقع قبل النواة، فستقضي وقتك في الترقيع.


    اقتراحي العملي جدًا

    ابدأ بمشروع داخلي اسمه مثلًا:

    dream_knowledge_core

    وفيه 8 جداول أو ملفات رئيسية فقط:

    • entities
    • aliases
    • categories
    • relations
    • interpretations
    • sources
    • source_passages
    • conditions

    ثم نملأه تدريجيًا.

    هذا هو الطريق الصحيح في رأيي.

  • المعلومات او الحقول المطلوبة التي تجعل مشروعنا قابلا لان يتحول الى Knowledge Graph

    لكي يكون مشروعكم قابلًا للتحول فعليًا إلى Knowledge Graph، يجب ألا تجمعوا “معلومات كثيرة” فقط، بل تجمعوا معلومات قابلة للتمثيل ككيانات وعلاقات وادعاءات موثقة.

    المفتاح هنا هو هذا:

    لا تخزنوا النص فقط، بل خزنوا: من هو الشيء؟ ما نوعه؟ ما علاقته بغيره؟ من أين جاءت المعلومة؟ وما درجة ثقتها؟

    سأعطيك الهيكل الكامل بشكل عملي ومنظم، مع الحقول التي أنصح بها.
    وسأقسمه إلى طبقات، لأن المشروع عندكم ليس مجرد أشخاص، بل:

    • أشخاص
    • جماعات
    • علاقات
    • أحداث
    • مصادر
    • أسماء بديلة
    • دعاوى/ادعاءات
    • زمن
    • مكان
    • ثقة
    • ملاحظات تحريرية

    1) الفكرة الأساسية قبل الحقول

    لكي يتحول المشروع إلى Knowledge Graph، يجب أن تبنوه على هذه الوحدات الأساسية:

    الكيانات الرئيسية

    • Person
    • Group / Clan / Tribe
    • Marriage / Union
    • Parent-Child Relation
    • Source
    • Citation / Passage
    • Place
    • Event
    • Name Variant
    • Claim / Assertion

    العلاقات الرئيسية

    • father_of
    • mother_of
    • spouse_of
    • child_of
    • member_of
    • branch_of
    • mentioned_in
    • occurred_in
    • lived_in
    • died_in
    • narrated_from
    • same_as
    • disputed_with
    • asserted_by

    يعني من البداية لا تفكروا فقط في “صفحة شخص”، بل في طبقات بيانات.


    2) أهم شيء: فصل “الشخص” عن “المعلومة عنه”

    هذا مهم جدًا.

    لا تجعلوا السجل يقول فقط:

    • فلان أمه فلانة

    بل الأفضل أن يكون عندكم:

    • شخص: فلان
    • شخص: فلانة
    • ادعاء/علاقة: فلانة هي أم فلان
    • المصدر: كتاب كذا
    • الموضع: ج1 ص45
    • درجة الثقة: عالية
    • ملاحظة: مختلف فيها أو ناقصة

    هذا الفصل هو ما يجعل المشروع قابلًا لأن يكون graph علميًا، لا مجرد قاعدة أسماء.


    3) الحقول المطلوبة للكيان: Person

    هذا هو أهم كيان في المشروع.

    الحقول الأساسية

    • person_id
    • canonical_name_ar
    • canonical_name_en
      إن كنتم ستدعمون الإنجليزية
    • gender
    • person_type
      مثل: رجل / امرأة / مجهول / مولى / أم ولد / شخصية محتملة
    • is_historical_person
      نعم / لا / غير مؤكد
    • short_label
    • display_name

    الحقول الاسمية

    • ism
      الاسم
    • nasab_full_ar
      النسب الكامل كما يعتمد في العرض
    • kunya
    • laqab
    • nisba
    • tribal_affiliation_text
    • name_normalized
    • name_sort_key

    الحقول التعريفية

    • father_known
    • mother_known
    • lineage_status
      مثل: له عقب / لا عقب / انقرض / انقرض إلا من البنات / غير معروف
    • social_status
      حر / أمة / أم ولد / مولى / حليف / غير محدد
    • religious_period
      مثل: جاهلي / مخضرم / صحابي / تابعي / أموي مبكر… حسب مشروعكم
    • notes_summary

    الحقول الزمنية

    • birth_year_hijri_est
    • birth_year_ce_est
    • death_year_hijri_est
    • death_year_ce_est
    • generation_index
    • chronology_note
    • period_start_est
    • period_end_est

    الحقول الجغرافية

    • birth_place_id
    • death_place_id
    • main_region_id
    • mobility_note

    الحقول العلمية/السياقية

    هذه ليست ضرورية من أول يوم، لكنها مفيدة جدًا:

    • is_narrator
    • narrator_rank
    • appears_in_biographical_sources
    • appears_in_hadith_sources
    • historical_importance_score
    • data_completeness_score

    الحقول الإدارية

    • record_status
      مسودة / مراجعة / معتمد
    • created_at
    • updated_at
    • editor_note
    • public_visibility

    4) كيان الأسماء البديلة: NameVariant

    هذا كيان مهم جدًا، لأنه بدون الأسماء البديلة سيتحول المشروع إلى حفلة تنكرية.

    الحقول

    • name_variant_id
    • person_id
    • name_text_ar
    • name_text_en
    • variant_type
      اسم / كنية / لقب / نسبة / اختصار / تصحيف / صيغة أخرى
    • is_preferred
    • normalization_form
    • source_id
    • citation_id
    • confidence
    • note

    هذا يسمح لكم بتخزين:

    • الاسم الكامل
    • الاختصار
    • الكنية
    • شكل آخر في مصدر آخر
    • شكل محرف أو مشكوك

    5) كيان الجماعات: Group / Clan / Tribe

    لأن المشروع ليس أشخاصًا فقط.

    الحقول

    • group_id
    • group_name_ar
    • group_name_en
    • group_type
      قبيلة / بطن / فخذ / بيت / فرع / حلف
    • parent_group_id
    • root_group_id
    • lineage_chain_text
    • description
    • period_note
    • main_region_id
    • notes
    • record_status

    لماذا مهم؟

    لكي تستطيعوا تمثيل:

    • قريش
    • بني هاشم
    • بني أمية
    • بني مخزوم
    • بيت فلان داخل بطن فلان

    6) علاقة الانتماء: Membership

    بدل أن تضعوا في الشخص مجرد نص “من بني أمية”، الأفضل جعلها علاقة مستقلة.

    الحقول

    • membership_id
    • person_id
    • group_id
    • membership_type
      نسب / ولاء / حلف / انتساب من جهة الأم / انتساب مختلف فيه
    • start_period_est
    • end_period_est
    • source_id
    • citation_id
    • confidence
    • note

    هذا مهم جدًا لأن الانتماء قد لا يكون دائمًا بسيطًا أو أحاديًا.


    7) علاقة الأبوة/الأمومة: ParentChildRelation

    هذه من أهم الجداول أو الكيانات في المشروع.

    الحقول

    • relation_id
    • parent_id
    • child_id
    • relation_type
      أب / أم / أب محتمل / أم محتملة / رضاع إن احتجتم لاحقًا
    • biological_status
    • certainty_level
    • source_id
    • citation_id
    • supporting_text_excerpt
    • note
    • is_primary_assertion

    حقول إضافية ذكية

    • mother_status_context
      زوجة حرة / أم ولد / أمة / مجهولة
    • lineage_legitimacy_note
    • ordering_among_siblings

    8) علاقة الزواج/الاتحاد: Marriage / Union

    لا تجعلوا الزواج مجرد حقل نصي داخل الشخص.

    الحقول

    • union_id
    • partner1_id
    • partner2_id
    • union_type
      زواج / أم ولد / سرية / علاقة محتملة / خطبة إن احتجتم نادرًا
    • start_period_est
    • end_period_est
    • marriage_order
      إن أمكن
    • children_count_known
    • union_status
    • source_id
    • citation_id
    • confidence
    • note

    حقول مهمة جدًا

    • partner2_status_at_union
      حرة / أمة / أم ولد / مجهولة
    • is_endogamous_within_quraysh
    • is_politically_significant
    • union_summary

    هذا لاحقًا كنز في التحليل الشبكي.


    9) علاقة الإخوة

    يمكن اشتقاقها من الأب والأم، لكن أحيانًا يفيد تخزينها مباشرة إذا وردت نصًا.

    الحقول

    • sibling_relation_id
    • person1_id
    • person2_id
    • sibling_type
      شقيق / لأب / لأم / غير محدد
    • source_id
    • citation_id
    • confidence
    • note

    10) كيان الأماكن: Place

    مشروعكم سيقوى كثيرًا إذا لم تتركوا المكان مجرد نص.

    الحقول

    • place_id
    • place_name_ar
    • place_name_en
    • place_type
      مدينة / إقليم / وادٍ / موضع / قبيلة-منطقة
    • parent_place_id
    • latitude
    • longitude
    • historical_note
    • modern_equivalent
    • period_note

    علاقات ممكنة مع الأشخاص

    • ولد في
    • مات في
    • سكن في
    • ارتبط بـ
    • انتقل إلى

    11) كيان الأحداث: Event

    هذا ليس ضروريًا في النسخة الأولى، لكنه مهم إذا أردتم مشروعًا قويًا بحق.

    الحقول

    • event_id
    • event_name_ar
    • event_name_en
    • event_type
      ولادة / وفاة / زواج / معركة / هجرة / ولاية / خلافة / انتقال
    • start_date_est
    • end_date_est
    • place_id
    • description
    • historical_significance
    • source_id
    • citation_id

    ثم جدول ربط الأشخاص بالأحداث

    • event_participation_id
    • event_id
    • person_id
    • role_in_event
    • source_id
    • citation_id
    • confidence
    • note

    12) كيان المصادر: Source

    هذا حاسم جدًا.

    الحقول

    • source_id
    • title_ar
    • title_en
    • author_ar
    • author_en
    • author_death_hijri
    • author_death_ce
    • source_type
      نسب / رجال / تاريخ / طبقات / حديث / دراسة حديثة
    • edition_info
    • editor
    • publisher
    • publication_year
    • volume_info
    • digital_url
    • bibliographic_note
    • priority_level
    • is_core_source

    لماذا؟

    لكي يكون المشروع قابلًا للمراجعة والوزن العلمي.


    13) كيان الموضع النصي: Citation / Passage

    هذا أهم من المصدر نفسه.

    الحقول

    • citation_id
    • source_id
    • volume
    • page_start
    • page_end
    • section_title
    • entry_title
    • line_ref
    • quoted_text_ar
    • quoted_text_normalized
    • translation_en
    • excerpt_type
      نسب / زواج / أمومة / وفاة / وصف / رواية / مكان
    • note

    هذا يسمح بربط كل معلومة بموضعها الحقيقي.


    14) كيان الادعاء: Claim / Assertion

    هذا هو القلب العلمي الحقيقي للمشروع إذا أردتم Graph ناضجًا.

    بدل أن تكون كل معلومة “حقيقة مطلقة”، تكون ادعاءً مصدره نص.

    الحقول

    • claim_id
    • subject_entity_type
    • subject_entity_id
    • predicate
    • object_entity_type
    • object_entity_id
    • object_literal_text
    • claim_type
      نسب / زواج / أمومة / انتماء / لقب / وفاة / مكان / تقدير زمني
    • source_id
    • citation_id
    • confidence_score
    • certainty_label
      مؤكد / راجح / محتمل / ضعيف / مختلف فيه
    • is_disputed
    • editorial_decision
    • preferred_for_display
    • note

    لماذا هذا مهم جدًا؟

    لأن الـ Knowledge Graph الحقيقي لا يقول فقط:

    • X هو أب Y

    بل يمكنه أن يقول:

    • المصدر 1 يدعي أن X أب Y
    • المصدر 2 يسكت
    • المصدر 3 يخالف
    • المحرر اعتمد هذا الادعاء بدرجة عالية

    وهنا يدخل المشروع منطقة الكبار.


    15) كيان الخلاف: Dispute / Alternative Assertion

    يمكن تمثيله داخل Claim، لكن أحيانًا يفيد فصله.

    الحقول

    • dispute_id
    • topic_type
    • entity_id
    • claim_id_1
    • claim_id_2
    • dispute_reason
    • editorial_summary
    • preferred_resolution
    • note

    16) الحقول الخاصة بالنساء والأمهات

    هذا باب يجب أن يكون قويًا عندكم لأن كثيرًا من المشاريع تظلم هذا القسم.

    حقول إضافية مهمة في Person أو Claims

    • mother_named_explicitly
    • mother_free_or_slave_status
    • is_umm_walad
    • maternal_line_known
    • maternal_group_id
    • female_visibility_level
    • daughter_named_or_unnamed
    • women_count_note

    لماذا؟

    لأن النصوص كثيرًا ما تقول:

    • “وأمه أم ولد”
    • “وله نسوة”
    • “انقرض إلا من البنات”
    • “بنت فلان”
      وهذه تحتاج تمثيلًا خاصًا، لا مجرد فراغات.

    17) الحقول الخاصة بحالة النسل

    هذا باب مهم جدًا في الأنساب.

    الحقول

    • offspring_status
      • له عقب
      • لا عقب
      • انقرض
      • انقرض إلا من البنات
      • غير معروف
    • male_line_continuity
    • female_line_continuity
    • descendance_note
    • descendance_source_id
    • descendance_citation_id

    18) الحقول الزمنية التقديرية

    لأنكم غالبًا لن تملكون تاريخًا دقيقًا دائمًا.

    الحقول

    • date_precision
      • exact
      • approximate
      • generation-based
      • relative
    • relative_to_person_id
    • relative_to_event_id
    • before_after_label
    • chronological_band
    • generation_distance_from_qusay
    • estimated_active_period

    هذه الحقول ممتازة جدًا لمشروعكم.


    19) الحقول الخاصة بالربط مع كتب الرجال والإسناد

    حتى لو لم تستخدموها الآن، ضعوا مكانًا لها.

    الحقول في Person

    • rijal_presence
    • rijal_primary_entry_name
    • hadith_activity_level
    • narration_role
    • teachers_count_est
    • students_count_est
    • hadith_corpus_note

    جدول مستقل إن أحببتم

    PersonHadithProfile

    • profile_id
    • person_id
    • is_narrator
    • appears_in_bukhari
    • appears_in_muslim
    • appears_in_rijal_sources
    • narration_notes
    • source_id
    • citation_id

    20) الحقول الخاصة بالجودة والمراجعة

    هذه لا تبدو مثيرة، لكنها ما يجعل المشروع قابلًا للنمو بدل الانفجار.

    الحقول

    • quality_score
    • verification_status
    • reviewed_by
    • review_date
    • needs_manual_check
    • duplication_risk
    • ambiguity_flag
    • merge_candidate_ids
    • data_origin
    • editorial_comments

    21) ما أقل مجموعة حقول يجب أن تبدأوا بها؟

    لو أردتم بداية ذكية، لا تبدأوا بكل شيء مرة واحدة.
    ابدؤوا بالحد الأدنى الذي يسمح لاحقًا بالتحول إلى Graph.

    الحد الأدنى الضروري جدًا

    للأشخاص

    • person_id
    • canonical_name_ar
    • gender
    • short_label
    • lineage_status
    • notes_summary

    للأسماء البديلة

    • person_id
    • name_text_ar
    • variant_type
    • is_preferred

    للعلاقات

    • relation_id
    • subject_id
    • predicate
    • object_id
    • source_id
    • citation_id
    • confidence

    للمصادر

    • source_id
    • title_ar
    • author_ar
    • source_type

    للمواضع

    • citation_id
    • source_id
    • volume
    • page_start
    • quoted_text_ar

    للجماعات

    • group_id
    • group_name_ar
    • group_type
    • parent_group_id

    هذا يكفي كبداية قوية.


    22) ما البنية المثالية على مستوى الجداول؟

    لو أردت شكلًا شبه نهائي:

    جداول أساسية

    • persons
    • person_name_variants
    • groups
    • person_group_memberships
    • parent_child_relations
    • unions
    • places
    • events
    • event_participants
    • sources
    • citations
    • claims
    • disputes
    • person_hadith_profiles
    • editorial_logs

    23) كيف يتحول هذا فعليًا إلى Knowledge Graph؟

    عندما يكون عندكم:

    عقد Nodes

    • Person
    • Group
    • Place
    • Event
    • Source

    روابط Edges

    • father_of
    • mother_of
    • spouse_of
    • member_of
    • lived_in
    • died_in
    • mentioned_in
    • asserted_by
    • same_as

    خصائص Properties

    • confidence
    • date_estimate
    • source_ref
    • certainty
    • status

    فيمكن تصديره بسهولة إلى:

    • Neo4j
    • RDF
    • JSON-LD
    • APIs graph-ready

    24) الحقول التي كثير من الناس ينسونها وهي حاسمة

    هذه بالذات لا أنصح بإهمالها:

    أ) confidence / certainty

    بدونها ستضطرون لاحقًا لتقديم كل شيء كأنه يقين.

    ب) citation granularity

    لا يكفي “المصدر: نسب قريش”.
    لازم موضع أدق.

    ج) name variants

    بدونها ستضيع نصف حياتكم في من هو هذا.

    د) editorial notes

    لأن بعض القرارات ستكون بشرية وتأويلية.

    هـ) claim layer

    هذه أهم نقطة تجعل المشروع بالغًا علميًا.


    25) الترتيب المنهجي الذي أنصح به لكم

    ابدؤوا بهذا التسلسل:

    المرحلة الأولى

    • Persons
    • Groups
    • Parent-child
    • Unions
    • Sources
    • Citations

    المرحلة الثانية

    • Name variants
    • Confidence
    • Lineage status
    • Maternal details
    • Places

    المرحلة الثالثة

    • Claims
    • Disputes
    • Events
    • Hadith/rijal linkage
    • Analytical scores

    هذا أفضل من محاولة حمل الفيل من أذنه في أول يوم.


    26) الخلاصة المكثفة

    لكي يكون مشروعكم قابلًا للتحول إلى Knowledge Graph، لا بد أن يحتوي على الحقول التي تسمح لكم بتخزين:

    من هو الشخص؟
    بأي أسماء يُعرف؟
    إلى أي جماعة ينتمي؟
    من أبوه وأمه وزوجه وأولاده؟
    ما طبيعة كل علاقة؟
    من أين جاءت المعلومة؟
    أين وردت بالنص؟
    ما درجة الثقة فيها؟
    هل هي محل خلاف؟
    ما زمنها التقريبي؟
    ما مكانها؟
    وما القرار التحريري المعتمد بشأنها؟

    إذا وفّرتم هذه الطبقات، فأنتم لا تبنون قاعدة بيانات فقط، بل تبنون بنية معرفية قابلة للتحليل، والعرض، والربط، والتوسع، والبيع، والترخيص، والبحث الأكاديمي.

    الخطوة المنطقية التالية الآن هي أن أحوّل هذا كله إلى Schema عملي نهائي لمشروعكم على شكل:

    • الجداول
    • الحقول
    • أنواع القيم
    • والعلاقات الأساسية بين الجداول.
  • كتاب ماجيد روبنسون دراسة في الزواج والتسرّي في قبيلة محمد، 500–750م

    مقاربات بروسوبوغرافية لتقليد النَّسَب:

    دراسة في الزواج والتسرّي في قبيلة محمد، 500–750م

    ماجيد روبنسون
    أطروحة مقدَّمة لنيل درجة الدكتوراه
    جامعة إدنبرة
    2013


    الملخّص

    ستبيّن هذه الأطروحة كيف يمكن استخدام المناهج البروسوبوغرافية لتقديم سردية عن التغيّر الاجتماعي في قبيلة قريش في أواخر العصور القديمة. ومن خلال تطبيق هذه المناهج على السجلات المتعلقة بسلوكهم الزوجي، سيُظهَر أن قريش قبل الإسلام كانت تعيش وجودًا أكثر هامشية بكثير مما يُظن على نطاق واسع، وأنهم في الفترة التالية لظهور الإسلام كانوا على قدر مدهش من المرونة فيما يتصل بممارسات الزواج لديهم، وكذلك في أفكارهم المتعلقة بالانتماء إلى الجماعة.

    تركّز الفصول الثلاثة الأولى على التأريخ والمنهجية. يقدّم الفصل الأول التمهيدات المنهجية التي تقع في صميم هذا البحث؛ وتتعلق هذه التمهيدات بطبيعة البيانات، والطريقة التي تُستخرج بها، والكيفية التي ستُنظَّم بها داخل قواعد البيانات. كما يناقش هذا القسم أيضًا القضايا المتعلقة بجودة وموثوقية سجلات الزواج كما حُفظت في تقليد النسب الأدبي. ويقدّم الفصل الثاني تأريخًا لتقليد النسب، مع إيلاء اهتمام خاص بطبيعة نشأته والآثار المحتملة للسياقات الاجتماعية والثقافية في جودة بيانات الزواج. وهذا يهيئ الأرضية للفصل الثالث الذي يركّز على نحو أضيق على العمل الذي استُخرجت منه معظم بياناتنا، وهو نسب قريش للزبيري (ت 851م).

    أما الفصول الخمسة الباقية فتوضح كيف يمكن تحليل البيانات الموجودة في تقليد النسب ودمجها في الدراسات الثانوية القائمة. ويثبت الفصلان الرابع والخامس أن البيانات تُظهر ارتفاعًا سريعًا في ظاهرة التسرّي في الوقت نفسه الذي شهد الفتوحات العسكرية العربية في القرن السابع. ولهذا دلالات على التصورات السائدة حاليًا بشأن طبيعة الزواج والهوية في القرنين السابع والثامن. ويتقصّى الفصلان السادس إلى الثامن الزيجات التي عقدها القرشيون مع نساء عربيات في القرون السادس إلى الثامن، وسيُظهِران كيف تكيفت الممارسة مع السياق.

    وفي الختام، سيُجادَل بأن هذا البحث لا يثبت فقط الجودة العالية لبيانات الزواج كما حُفظت في تقليد النسب، بل يثبت أيضًا الإمكانات الهائلة للمناهج البروسوبوغرافية حين تُطبَّق على دراسة التاريخ الإسلامي المبكر.


    المحتويات

    الملخّص
    المحتويات
    قائمة الخرائط والجداول
    شكر وتقدير
    ملاحظات حول الإحالات والنقل الحرفي
    المقدمة

    القسم الأول: البيانات والمناهج والتأريخ

    • الفصل الأول: المنهجية
    • الفصل الثاني: تأريخ تقليد النسب
    • الفصل الثالث: نسب قريش في سياقه

    القسم الثاني: تحليل البيانات وتطبيقها

    • الفصل الرابع: التحليل الإحصائي للتسرّي
    • الفصل الخامس: أصول التسرّي الإسلامي
    • الفصل السادس: مجموعات بيانات الزواج
    • الفصل السابع: الزواج في الجاهلية المتأخرة وبدايات الإسلام
    • الفصل الثامن: الزواج الأموي الخلافي
    • الخاتمة

    الملحقات

    • الملحق الأول: زواج الهجين
    • الملحق الثاني: زيجات إخوة معاوية ومروان الأول
    • البيبليوغرافيا / قائمة المراجع

    قائمة الجداول والرسوم البيانية والخرائط

    الجداول

    • الجدول 1.1: استخراج البيانات في المرحلة الأولى
    • الجدول 1.2: استخراج البيانات المتقدم
    • الجدول 1.3: مقارنة درجات التباعد
    • الجدول 1.4: ظهور أحفاد خلف بن وهب في الأدبيات التاريخية
    • الجدول 1.5: المواضع التي يظهر فيها أحفاد خلف بن وهب في مصادر تاريخية مختارة
    • الجدول 1.6: ظهور أحفاد خلف بن وهب خارج نسب قريش
    • الجدول 1.7: نسب أحفاد خلف بن وهب في أعمال مختارة
    • الجدول 1.8: مقارنة الزوجات والأبناء لفئة من العصر الإسلامي المبكر كما سُجلوا في نسب قريش وفي كتاب Asad Ahmed الموسوم The Religious Elite
    • الجدول 2.1: مؤلفو الأعمال النسبية كما سُجلوا في الفهرست
    • الجدول 2.2: عدد وفيات النسّابين في كل ربع قرن بحسب الفهرست والأعمال الباقية
    • الجدول 3.1: عدد مرات ظهور الزبيريين كما سُجلوا في نسب قريش في الأعمال التاريخية الخارجية
    • الجدول 3.2: عدد مرات ظهور الزبيريين في الأعمال الخارجية ممن لا يظهرون في نسب قريش
    • الجدول 3.3: رواة الزبيريين في تاريخ الطبري
    • الجدول 4.1: الوضع الأمومي للأبناء بحسب الجيل
    • الجدول 4.2: نسبة السراري وأبناء السراري بحسب الجيل
    • الجدول 6.1: زيجات أحفاد الجيل الرابع من نسل قصي بن كلاب (الفئة الأولى)
    • الجدول 6.2: تفصيل الزيجات بحسب التجمعات الكبرى للفئة السابقة للإسلام
    • الجدول 6.3: زيجات محمد وأوائل الداخلين في الإسلام (الفئة الثانية)
    • الجدول 6.4: تفصيل الزيجات بحسب التجمعات الكبرى للفئة الإسلامية المبكرة
    • الجدول 6.5: زيجات الخلفاء الأمويين وأبنائهم (الفئة الثالثة)
    • الجدول 6.6: تفصيل الزيجات بحسب التجمعات الكبرى للخلفاء الأمويين وأبنائهم
    • الجدول 7.1: مقارنة أنماط الزواج (غير التسرّي) بين الفئات الثلاث
    • الجدول 7.2: مقارنة أنماط الزواج بين فئتي ما قبل الإسلام والإسلام المبكر
    • الجدول 7.3: درجة التباعد بين الشريكين في الزواج مقاسة عبر الزمن
    • الجدول 7.4: عدد الزيجات الخارجية لدى فئتي ما قبل الإسلام والإسلام المبكر بحسب القبيلة
    • الجدول 8.1: تغيّر الأوضاع الأمومية لأبناء الخلفاء الأمويين وأبنائهم مقارنة بمتوسط قريش الجيلي
    • الجدول 8.2: مقارنة الأوضاع الأمومية لأبناء الخلفاء الأمويين وأبنائهم مقارنة بمتوسط قرشي مرجّح جيليًا
    • الجدول 8.3: الوضع الأمومي لأبناء الخلفاء الأمويين وأبنائهم بحسب الجيل
    • الجدول 8.4: أصول الزوجات العربيات اللاتي أنجبن للخلفاء الأمويين وأبنائهم
    • الجدول 10.1: الزيجات من نساء عربيات لدى أبناء الجيل السابع من أبناء السراري
    • الجدول 10.2: زيجات رجال الجيل السابع بحسب الوضع الأمومي
    • الجدول 10.3: أنماط الزواج لدى رجال الجيل السابع بحسب الوضع الأمومي
    • الجدول 10.4: أعداد البنات بحسب الوضع الأمومي
    • الجدول 11.1: زيجات إخوة معاوية ومروان الأول

    الرسوم البيانية

    • الرسم 2.1: عدد وفيات المؤلفين في كل ربع قرن بحسب الفهرست والأعمال الباقية
    • الرسم 3.1: عدد الآباء والأبناء في نسب قريش عبر الزمن
    • الرسم 4.1: أعداد الارتباطات بحسب الجيل
    • الرسم 4.2: أعداد الأبناء بحسب الجيل
    • الرسم 4.3: نسبة السراري والأبناء عبر الأجيال
    • الرسم 4.4: نسبة علاقات التسرّي إلى العلاقات مع النساء الحرائر

    الخرائط

    • الخريطة الأولى: خريطة الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي
    • الخريطة الثانية: التوزيع الجغرافي للأصول القبلية للنساء غير القرشيات اللاتي تزوجن داخل الفئة السابقة للإسلام
    • الخريطة الثالثة: التوزيع الجغرافي للأصول القبلية للنساء غير القرشيات اللاتي تزوجن داخل الفئة الإسلامية المبكرة

    اللوحات

    • اللوحة الأولى: حظيرة في جبل اللوذ

    شكر وتقدير

    يجب أن أوجّه شكري أولًا وقبل كل شيء إلى مشرفي الدكتور أندرو مارشام. فلم يكن دعمه وحماسه خلال السنوات الأربع الماضية عنصرًا حاسمًا في إنجاز هذه الأطروحة فحسب، بل كان أيضًا هو من اقترح زاوية البحث من الأصل عندما قال ملاحظته:
    “نحن لا نعرف حتى هل كان الأمويون يتزوجون من بنات عمومتهم أم لا.”

    كما ينبغي توجيه الشكر إلى عدد من العاملين في جامعة إدنبرة على ملاحظاتهم ومساعدتهم، ومنهم: Rhona Hajcman وSophie Lowry والدكتور Andrew Newman والدكتور Andreas Görke. كما تستحق زميلتي في CASAW سارة ووكر التقدير لاقتراحها مقالة Kuper عن زواج أبناء العمومة، وهي مقالة كان من الصعب جدًا أن أبدأ هذا البحث بجدية من دونها. وخارج الجامعة، أتوجه بالشكر إلى Kathryn Hain لتنظيمها جلسة السراري في مؤتمر MESA عام 2012، الأمر الذي أتاح لي أن أقدّم بحثي أمام جمهور دولي للمرة الأولى، وأن أحصل على أول فرصة محتملة للنشر، وأن أفوز بجائزة أكاديمية عن الورقة التي قدمتها.

    وخارج حدود الوسط الأكاديمي، قدّم عدد من أفراد عائلتي دعمًا كنت في أمسّ الحاجة إليه. فإلى والديّ Maryam وTony أدين بحبي للاستقصاء الفكري والمهارات اللغوية؛ وإلى أصهاري David وValerie أقدّم الشكر على كرمهم ولطفهم الذي لا ينقطع. وإلى Steph أشكرك على ملاحظاتك الصريحة وحماسك لكل ما يتصل بالدراسات الدينية؛ وإلى Dariush شكرًا على تطوير البرنامج الذي سيجعل إدارة قاعدة البيانات هذه يومًا ما -آمل ذلك- أسهل بكثير.

    وأخيرًا، أتوجّه بأصدق امتناني إلى Kirstie. وليس ذلك فقط من أجل حبك ودعمك على مدى سنوات طويلة، بل أيضًا لأنك وافقتِ على الزواج من رجل يقضي وقتًا أكثر مما ينبغي بصحبة السراري.

    ولمن لا يملك وقتًا لقراءة هذه الأطروحة كاملة، فالإجابة هي: “على نحو متزايد.”


    ملاحظات حول الإحالات والنقل الحرفي

    يعتمد نقل العربية في هذه الأطروحة صيغة معدلة من النظام الذي تدعو إليه المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط. أما الأسماء العربية الشائعة في الإنجليزية فلا تُنقل نقلًا حرفيًا، مثل: caliph وharem وMecca وMedina، إلخ. وعناوين الكتب العربية المنقولة تُكتب بحيث يكون الحرف الأول من الكلمة الأولى فقط كبيرًا، إلا إذا كانت الكلمة الأولى هي kitāb، ففي هذه الحالة تكون الكلمة التالية هي الوحيدة التي يبدأ حرفها الأول بحرف كبير.

    وطبيعة هذا البحث تعني وجود اعتماد كبير على البرمجيات الحاسوبية، ومعظمها لم يُصمَّم للتعامل مع الأعراف النحوية العربية. وقد أدى هذا إلى تعديل طفيف في نظام النقل الحرفي المعياري، وهو تجنب السابقة al- في بداية الكلمة عمومًا. والغرض من ذلك تسهيل فرز الأسماء أبجديًا بواسطة البرامج الحاسوبية. وأحيانًا يؤدي هذا إلى بعض عدم الاتساق الطفيف عند التعامل مع الشخصيات المألوفة؛ فمثلًا Ibn al-Zubayr (الصيغة الأكثر شيوعًا لاسمه) هو ابن Zubayr b. ʿAwwām. وكذلك فإن أسماء معظم المؤلفين والخلفاء الذين تبدأ أسماؤهم بـ al- ستبقى على هذه الصورة، لأنهم لا يُدخلون في قاعدة البيانات (مثل: al-Ṭabarī وal-Balādhurī)، وذلك لأنهم أشهر بهذه الصيغة، ولأنهم لا يخضعون عادة للتحليل القاعدي.

    الأعداد من واحد إلى عشرة ستُكتب بالحروف، أما ما فوق ذلك فسيُعبر عنه بالأرقام. ويُستثنى من ذلك الأعداد الواردة في القوائم، وكذلك الأعداد المستخدمة للإشارة إلى الأجيال، وذلك لمراعاة الأعداد السالبة التي تظهر أحيانًا. وستُعطى الكسور العشرية إلى منزلتين. وجميع التواريخ هي ميلادية ما لم يُذكر خلاف ذلك، وإن كانت عبارة CE ستُكتب بعد التاريخ في المواضع التي تقتضي الوضوح.

    أما الإحالات فستُذكر كاملة في الحاشية عند أول موضع، ثم بعد ذلك يكتفى باسم عائلة المؤلف يتبعه عنوان مختصر ورقم الصفحة. وتأتي مقالات الموسوعات على الصيغة التالية: اسم الموسوعة [أو اسمها المختصر]، مادة: “عنوان المقالة” (اسم المؤلف). مثال: EQ, s.v. ‘Tribes and Clans’ (Ella Landau-Tasseron).

    وقد بُذلت أقصى الجهود الممكنة لجعل هذا العمل ميسّرًا للقارئ غير العارف بالعربية. ولهذا السبب أُحيل إلى الترجمات حيثما كانت متاحة، كما جرى تجنب صيغ الجموع العربية متى أمكن ذلك عمليًا.


    المقدمة

    ستبيّن هذه الأطروحة كيف يمكن استخدام المقاربات البروسوبوغرافية لتحويل التقليد الأدبي العربي الخاص بالأنساب إلى تاريخ اجتماعي لقبيلة محمد في الفترة ما بين 500 و750م. وستقوم هذه المقاربات أساسًا على تتبع أصول أمهات القرشيين وأوضاعهن الاجتماعية عبر الزمن. ومن خلال ذلك ستؤكد دراستنا بعض عناصر السردية التاريخية القائمة لهذه الفترة، في حين ستطعن في عناصر أخرى. كما ستخبرنا هذه الدراسة الكثير عن تأريخ تقليد النسب عمومًا، وعن نسب قريش للزبيري خصوصًا.

    ومن جهة التوافق، ستُظهر التحليلات الإحصائية لقاعدة بياناتنا أن المسلمين الأوائل تزوجوا نساءً قرشيات أقل من أولئك غير المسلمين من جيل آبائهم، وأنهم اتجهوا بدلًا من ذلك إلى زوجات أُخذن من مجال جغرافي أوسع بكثير. وهذا يتوافق مع عناصر من السردية التقليدية، مثل إقصاء المسلمين الأوائل، وأيديولوجيتهم المناهضة للقبلية، وفتحهم لشبه الجزيرة العربية. وفي العصر الأموي نرى توافقًا آخر بين نتائج تحليلنا وبين السرديات التقليدية، ويتمثل ذلك في ازدياد أعداد الأبناء المولودين من إماء أجنبيات. ويتطابق توقيت هذا التغير تمامًا مع فترة الفتوحات العسكرية التي جلبت معها تدفقًا من النساء الأسيرات.

    وهذه التوافقات مهمة لأنها تميل إلى دعم النتيجة -التي تم التوصل إليها بصورة مستقلة، بالاستناد إلى الأدلة الداخلية والمقارنات الأنثروبولوجية- ومفادها أن منهجيتنا تمثل وسيلة سليمة لاستخراج البيانات وتنظيمها وتفسيرها. وهذا يعني أنه حيث نجد تباينات بين البروسوبوغرافيا وبين السرديات التقليدية، فيجب أن نفسرها تفسيرًا مقنعًا.

    ومن أبرز هذه التباينات ما يتعلق بقريش قبل الإسلام، إذ إن سلوكهم الزوجي كما تكشفه التحليلات الكمية لا يتوافق مع صورة قريش كما ترد في كثير من مصادرنا الأولية والثانوية الأشهر. وسيُظهر البحث أن الزيجات التي عقدتها قريش في هذه الفترة لا تمثل سلوك قبيلة تقع في قلب إمبراطورية تجارية ممتدة الأطراف، بل ولا حتى قبيلة كانت تتمتع بمكانة مرموقة في الحجاز؛ بل إن تحليلنا يسلط الضوء على محلية قريش وضيق أفقها كما كانت عليه قبل الإسلام وأثناء حياة محمد.

    كما تكشف البيانات أيضًا أن التسرّي قد اعتُمد بحماسة في جميع أوساط قريش فور توافر الإماء؛ فلم يكن هذا تغيرًا تدريجيًا في السلوك لم يَشِع إلا في العصر العباسي كما يقال في المصادر الأولية والدراسات الثانوية. وتبيّن البيانات أيضًا إلى حدٍّ ما أن هناك القليل من الأدلة على أن أبناء علاقات التسرّي كانوا يُعاملون بوصفهم أقل منزلة من إخوتهم المولودين من حرائر. وعلاوة على ذلك، سيُظهر البحث أن الخلفاء الأمويين أظهروا قدرًا ملحوظًا من الديناميكية والابتكار حين تعلق الأمر بتغيير ممارساتهم الزوجية. وبوجه عام، سيتكرر البرهان على أن المقاربة البروسوبوغرافية قادرة على اقتراح مسالك بحثية جديدة لم تكن لتتاح لنا لو اعتمدنا فقط على المناهج التقليدية.

    يُشكَّل بناء هذا البحث بالكامل بحسب طبيعة المصادر. فقد اختيرت قريش في القرنين السادس إلى منتصف الثامن لأن البيانات النسبية المتاحة عن هذه الجماعة في هذه المدة الزمنية تتمتع بدرجة فريدة من التفصيل؛ بل سيُجادل هنا بأن هذه البيانات، من حيث الحجم والطبيعة، لا مثيل لها في جميع الكتابة التاريخية البشرية السابقة للعصر الحديث. فالمصادر العربية التاريخية تسجل أسماء ما يقرب من 3000 قرشي من هذه الفترة، نعرف أسماء آبائهم وعلى الأقل وضع أمهاتهم؛ ولا يعرف هذا الباحث مجتمعًا آخر حفظ هذا المستوى من المعلومات النسبية بهذه الصورة.

    كما أن اختيار الزواج -وبالتحديد الزيجات التي أنجبت أطفالًا- بوصفه الفئة الأساسية لبياناتنا، يرتبط كذلك بطبيعة المصادر. فالذاكرة النسبية قد تكون دقيقة ومتسقة جدًا من بعض الوجوه، لكنها قد تكون شديدة التباين والتناقض من وجوه أخرى. ومن خلال الاستفادة من الدراسات الأنثروبولوجية للمجتمعات المنظمة قبليًا، سنُظهر أن هناك أسبابًا قوية للاعتقاد بأن بيانات الزواج التي أنجبت أطفالًا في هذه الفترة تقع ضمن الفئة الدقيقة والمتسقة من الذاكرة النسبية. وسيُدعَّم هذا أيضًا بدراسة للاتساق الداخلي والخارجي لبيانات النسب نفسها.

    وأخيرًا، فإن طبيعة البيانات قادتنا إلى استخدام البروسوبوغرافيا بوصفها المدرسة المنهجية الأساسية. فمع أن بيانات الزواج النسبية واسعة النطاق، وربما دقيقة جدًا في مجملها، فإن هذا لا يعني أننا نستطيع أن نجزم بصحة كل سجل فردي. غير أن المقاربات الكمية المألوفة لدى البروسوبوغرافيين تستطيع تجاوز هذه المشكلة، لأنها تخفف من أثر الأعداد الصغيرة من الروايات الخاطئة. كما أن البروسوبوغرافيا مفيدة لأنها تحول النسب إلى مجموعة من الاختيارات الفردية (مثل قرار الإنجاب من سرية بدلًا من زوجة)، والتي يمكن بعد ذلك دراستها من حيث الفئات الفرعية المختلفة، وكيف تتغير هذه الاختيارات بمرور الوقت. ومن خلال ذلك يمكننا أن نفهم كيف عدّل القرشيون سلوكهم الزوجي استجابةً لأحداث قرنين ونصف من أكثر فترات تاريخهم درامية.

    البروسوبوغرافيا والتاريخ الإسلامي المبكر

    يُقصد بالبروسوبوغرافيا هنا الدراسة الجماعية لمجموعة من الفاعلين التاريخيين. والمقاربات المنهجية التي تعنينا أكثر في هذه الأطروحة هي تلك التي تستخدم التحليل الكمي للكشف عن التغيرات في البنية الاجتماعية لجماعة ذات مكانة معينة.

    وفكرة أن مثل هذه التقنيات البروسوبوغرافية قد تكون مفيدة لدارسي الإسلام السابق للعصر الحديث لها تاريخ يمتد لأكثر من أربعة عقود. ومن أوائل الرواد الذين أثمر عملهم منشوراتٍ ريتشارد بولييت، الذي نشر سنة 1970 مقالته “A Quantitative Approach to Medieval Muslim Biographical Dictionaries”، ثم أتبعها سنة 1972 بكتاب The Patricians of Nishapur، ثم Conversion to Islam in the Medieval Period المنشور سنة 1979. وفي جميع هذه الأعمال طبّق تقنيات كمية على معاجم التراجم الخاصة بعلماء الإسلام في العصور الوسطى. وكانت بعض النتائج التي استخلصها من هذا التحليل جريئة، وربما أكثر مما ينبغي، لكن أثر هذه الأعمال لا يمكن إنكاره.

    وكان توقيت صدور هذه الدراسات مرتبطًا جزئيًا بظهور الحواسيب بوصفها أدوات بحث، لكن عمل بولييت كان أيضًا جزءًا من نقاش أوسع حول كيفية استخدام المصادر التاريخية الإسلامية في إعادة بناء التاريخ الاجتماعي الإسلامي. وكانت نقطة انطلاقه أن محتوى تراجم الطبقة العلمية المسلمة ليس في ذاته دليلًا جيدًا جدًا على الممارسة الاجتماعية المعاصرة، لكن هذه التراجم تحتوي مع ذلك على مقادير صغيرة من المعلومات الثابتة، مثل سلوك الزواج والنسب. ومن خلال استخراج هذه المعلومات، يمكن استخدام قاعدة البيانات الناتجة في بناء تاريخ اجتماعي للمجتمعات الإسلامية الوسيطة. ومثل العمل في هذه الأطروحة، كانت مقاربته البحثية مشكَّلة بحسب طبيعة المصادر.

    ولم تكن المنهجيات التي استخدمها بولييت مثيرة لاهتمام مؤرخي الاجتماع في العصر الوسيط فحسب؛ بل كان بوسع المهتمين بالأزمنة الأقدم أن يروا جاذبية المقاربة الكمية أيضًا. ففي سنة 1980 نشرت باتريشيا كرونه دراستها البروسوبوغرافية الخاصة بولاة بني أمية وبني العباس في كتاب Slaves on Horses، وصرحت في صفحاته الافتتاحية بأن “التاريخ الإسلامي المبكر لا بد أن يكون بروسوبوغرافيًا على نحو شبه حصري” – والتشديد منها. ومرة أخرى، كان هذا التصريح وتلك الدراسة البروسوبوغرافية مشكَّلين بحسب طبيعة المصادر؛ ففي هذه الحال كانت هناك قوائم الولاة، وهي واسعة النطاق و-بحسب كرونه- دقيقة، لكنها محدودة من حيث ما يمكن أن تخبر به كل معلومة فردية المؤرخَ. وقد كان استخدام كرونه للبروسوبوغرافيا يرمي إلى تحويل هذه البيانات “السطحية” إلى شيء أكثر قابلية للاستخدام، بمنحها سعة واتساعًا.

    وكانت تلوح في الخلفية مشاريع أكبر حجمًا ولكن أقل نجاحًا. فقد شهدت ستينيات القرن العشرين ميلاد Onomasticon Arabicum المحوسب (باستخدام البطاقات المثقبة)، وكان قائمًا على المجموعة الضخمة من البيانات التراجمية التي جمعها جوزيبي غابرييلي وليونه كايتاني خلال السنوات الأربع عشرة الأولى من القرن العشرين. وتسارع هذا المشروع في السبعينيات، لكن التغيرات المستمرة في تقنيات الحوسبة -من البطاقات المثقبة إلى الأشرطة المغناطيسية، ثم إلى Microsoft Access، ثم إلى الموقع الشبكي الموجود اليوم- إضافة إلى صعوبة جعل البرامج الحاسوبية المبكرة تتعامل مع الخط العربي، تعني أن المشروع ظل محاصرًا بالمشكلات على الدوام. ويجب أيضًا أن نذكر مقالة شارل بيلا “Peut-on connaître le taux de natalité au temps du Prophète? A la recherche d’une méthode” المنشورة سنة 1971، وهي محاولة طموحة لكنها غير مقنعة لحساب معدلات المواليد في عصر النبي باستخدام نسب قريش للزبيري.

    لكن لا أعمال بولييت، ولا Slaves on Horses لكرونه، ولا حتى Onomasticon Arabicum أدت إلى سيل من الدراسات البروسوبوغرافية المهتمة بالإسلام في أواخر العصور القديمة أو أوائل العصور الوسطى. فـ Onomasticon لم يُثمر في النهاية إلا القليل جدًا من الناتج المنشور، وهو يمثل قصة تحذيرية لمن يفكر في البروسوبوغرافيا حين ينظر إلى الكم الهائل من الجهد الذي استهلكه. وفي الوقت نفسه، لم يتجاوز عمل كرونه البروسوبوغرافي نفسه كتاب Slaves on Horses إلا قليلًا، وقليل جدًا من الباحثين اتبعوا خطى بولييت واتخذوا التزامًا طويل الأمد بالمناهج البروسوبوغرافية أو الإحصائية لهذه الفترة التاريخية؛ وفي هذه الفئة لا نستطيع تقريبًا أن نشير إلا إلى مايكل ليكر. أما بالنسبة للاستخدام الناجح لهذه المنهجيات حين يطبقها أكاديميون راسخون بين حين وآخر، فالأمثلة الأخرى قليلة جدًا، سوى “The Role of non-Arab Converts in the Development of Early Islamic Law” لهارالد موتسكي، و “Tribal Settlement in Basra During the First Century A.H.” لفرد دونر.

    أما الباحثون الأقل شهرة، فإن الأعمال الجوهرية الوحيدة المكرَّسة لبروسوبوغرافيا عصر العصور القديمة المتأخرة قد نُشرت حديثًا نسبيًا: The Companions of the Prophet: A Study of Geographical Distribution and Political Alignments لفؤاد جبلي (2003)، و The Religious Elite of the Early Islamic Hijaz لأسد أحمد (2011). وكلاهما إشكالي، من حيث إنهما لا يتناولان مشكلات المادة المصدرية تناولًا كافيًا، ومن ثم يصلان إلى نتائج لا تسندها الأدلة -وسيأتي تفصيل ذلك لاحقًا-، فضلًا عن أن عمل أحمد لا يهتم بالإحصاء. ومن الدراسات الأكاديمية الأكثر إقناعًا لهذه الفترة: The Revolution Which Toppled the Umayyads لصالح سعيد آغا (2003)، ومقالة مايكل إبشتاين “Shurṭa Chiefs in Baṣra in the Umayyad Period: A Prosopographical Study” (2010). وقد استندت هذه الورقة الأخيرة إلى بيانات جُمعت ونُظمت في Jerusalem Prosopography Project الذي يديره مايكل ليكر، لكن المؤسف أنها واحدة من أعمال منشورة قليلة جدًا استخدمت هذا المورد وسيلةً للدراسة الكمية.

    وهكذا يواجه من يطمح إلى الاشتغال بالبروسوبوغرافيا مشكلتين. الأولى أن كثيرًا من دارسي التاريخ الإسلامي السابق للعصر الحديث غير ملمين بالمقاربات الكمية أو البروسوبوغرافية. وهذا يعني أن الشرح والتبرير لا يمكن أن يقتصرا على الإحالة إلى أعمال أخرى مع ملخص وجيز في المقدمة؛ بل لا بد من معالجتهما تفصيلًا على امتداد البحث كله. والمشكلة الثانية أن هناك عددًا قليلًا جدًا من المناهج الراسخة التي يمكن البناء عليها. فمع أن أعمال بولييت وغيرِه المذكورة آنفًا هي بلا شك دراسات بروسوبوغرافية في الإسلام السابق للعصر الحديث، فإن القليل من منهجياتها يمكن استعارتُه مباشرة وتطبيقه على مصادر أخرى تصف فئات مختلفة من الناس. ولأسباب مشابهة، فإن الدراسات البروسوبوغرافية لثقافات غير إسلامية محدودة الفائدة أيضًا. إن أدوات هذه الحرفة لا بد أن تُصنع في الطريق نفسه؛ وهذا مرة أخرى يتطلب شرحًا وتبريرًا دقيقين في كل مرحلة.

    ولكي يتمكن القراء من التفاعل النقدي مع الاستنتاجات المستخلصة من أي مناهج بحثية جديدة، فلا بد أولًا من عرض طريقة عمل هذه المناهج وفهم أدواتها فهمًا كاملًا. ولهذا تشغل المنهجية والقضايا المتصلة بها ما يقارب نصف عدد كلمات هذه الأطروحة. فمع أن النتائج المستخلصة من هذا البحث حول موضوعي الزواج والهوية نتائج جوهرية، فإن المنهجية لا تقل عنها أهمية؛ إذ إننا إذا لم نفصل أسسها، فإننا نحرم الباحثين من القدرة على تكرار هذا البحث بسهولة في المستقبل.


    مصادر التاريخ الإسلامي المبكر

    إن المنهجية البروسوبوغرافية المقنعة تقوم على ملاءمة مادتها المصدرية، وكما يعلم كل من له قدر من الإلمام بتأريخ الكتابة في التاريخ الإسلامي المبكر، فإن هذه المادة المصدرية شديدة التعقيد. وقد نوقشت هذه القضايا باستفاضة في الدراسات الثانوية، لكن جوهر النقاش يدور حول ما الذي يمكن اعتباره دليلًا أوليًا. فكثير من معطياتنا التاريخية الباقية تُعرض في صورة أولية أو حتى وثائقية (مثل شهادات الشهود العيان، وحسابات المشاركين، والرسائل، والعقود)، لكن أكثر هذه المواد لم يُحفظ إلا بعد القرون التي أعقبت الأحداث الموصوفة، وهي فوق ذلك تحمل آثار تكرار الرواية وإعادة الصياغة مرارًا.

    وعادة ما تُصوَّر الاستجابات العلمية لهذه المشكلة على أنها تقع ضمن فئتين عريضتين. فمن جهة، هناك بعض مؤرخي الفترة الإسلامية المبكرة الذين رأوا في التناقضات والأنسنة المتأخرة في السردية التاريخية التقليدية ما يكفي لإقناعهم بأن أية معلومة فيها لا يمكن أصلًا أن تُعد شبيهة بالمصدر الأولي. ولذلك اتجهوا إلى المصادر التاريخية غير السردية -وفي مقدمتها علم الآثار والعمارة وعلم النقود وعلم البرديات- أو إلى المصادر السردية الخارجة عن التقليد الإسلامي. وفي الجهة المقابلة من يعتقدون أن النقد الموجه إلى المادة المصدرية مبالغ فيه؛ وأن الباحث المتمرس، مع التحليل الدقيق، يستطيع أن يميز الرواية الملفقة من الرواية الأوثق أساسًا تاريخيًا.

    وهذا بالطبع تبسيط شديد، إذ إن أكثر الأعمال الجادة في التاريخ الإسلامي لا يمكن أن يقال إنها تنتمي بصورة حاسمة إلى أحد المعسكرين دون الآخر. وهذه الأطروحة نفسها مثال على ذلك. فاختيار المؤلف لمنهجية غير معيارية نابع من اقتناعه بأن المواد المصدرية شديدة الإشكال، ولا يمكن قراءتها قراءة مباشرة؛ وفي الوقت نفسه فإن البيانات التي تشكل مادة البروسوبوغرافيا محفوظة في هذه المواد المصدرية نفسها. ومع أن جزءًا من الحجة المتعلقة بارتفاع جودة هذا النوع الخاص من البيانات النسبية يقوم على أدلة من خارج السرديات التاريخية التقليدية -وخاصة الملاحظة الأنثروبولوجية- فإن مجموعة أخرى من الحجج تنبع من الداخل نفسه، أي من الدرجة العالية من الاتساق الداخلي بين الأنساب، ومن الروابط الواضحة بين تحليل الاتجاهات وبين الأحداث الكبرى في السردية التاريخية. ومع ذلك فإن هذه الصور العلمية الكاريكاتورية تظل مفيدة لأنها تقدم إطارًا للاستقصاء، وما دام الباحث يسعى إلى إرضاء كلا الطرفين، فلا حاجة إلى القلق من موضع بحثه على هذا الطيف.

    وفيما يتعلق بهذه الأطروحة، فمن المأمول أن يرحب أولئك الذين يرون أن نقد المصادر التاريخية مبالغ فيه بها بوصفها وسيلة لإدخال جنس أدبي عربي قليل الدراسة وصعب، هو أدب الأنساب، في ساحة البحث الأوسع. وعلى الجانب الآخر، يُرجى أن يرى الباحثون ذوو النزعة الشكية في هذا العمل مقاربةً أكاديميةً للتاريخ الإسلامي المبكر تأخذ اعتراضاتهم في الحسبان كاملًا، وتكون مماثلة لاستخدامات المصادر غير السردية الأكثر ألفة، مثل علم الآثار أو علم النقود.


    الزواج والتسرّي

    لقد وُجهت المناهج البروسوبوغرافية والبيانات النسبية نحو الكشف عن الأنماط المتغيرة للزواج بين قريش. ويرجع ذلك إلى أن الأنساب تسجل بيانات الأمهات، مما يمكن تحويله إلى دراسة لقرارات الزواج.

    وبساطة الهدف هنا تخفي صعوبة تنفيذ التحقيق. فزيجات قريش مبعثرة في عشرات الأعمال المكتوبة في سياقات متنوعة، وتظهر درجات متفاوتة من الاتساق. ولذلك اعتمد هذا البحث أساسًا على مصدر واحد لاستخراج البيانات، هو نسب قريش -أي Genealogy of the Quraysh – للزبيري. ومن خلال مقارنته ببعض الأعمال التاريخية والنسبية المنافسة، سيتبين أن نسب قريش هو أفضل مرشح ممكن لهذا النوع من استخراج البيانات؛ إذ هو متسق وشامل ومنظم بصورة مريحة.

    وتأتي بعد ذلك مشكلة التأريخ. فلا تكاد الأعمال التاريخية تولي أي اهتمام لتواريخ الزيجات، ولا لتواريخ ميلاد الأطفال -التي كان يمكن أن تُستخدم لمعرفة زمن عقد الزواج-. أما البيانات السياقية الأخرى، مثل تواريخ الوفاة والمشاركة في المعارك، فهي أقل جودة من البيانات النسبية، ولا تعطينا إلا مؤشرات عامة على الزمن الذي قد يكون الشخص -أو والداه- قد تزوج فيه. ولهذا ستُصنَّف الزيجات بدلًا من ذلك بحسب عدد الأجيال التي تفصل الزوج عن قصي بن كلاب -ذلك الشخص الذي تذكر الرواية أنه كان وراء توحيد قريش واستقرارهم في مكة-. ويصبح إنشاء إطار نسبي على هذا الأساس ممكنًا لأن جميع قريش -بحكم التعريف- متصلون به.

    وباستخدام هذا النظام القائم على الأجيال، سيتبين أن أصول الزوجات القرشيات تتغير تغيرًا دراميًا خلال المدة البالغة 250 سنة محل البحث. ففي الجيل السابق مباشرة لظهور الإسلام، كانت قريش تتزوج في الغالب من قرشيات أخريات؛ وإذا لم يحدث ذلك، فإن النساء كنّ يأتين في معظم الأحوال من قبائل الحجاز الأوسط. أما محمد ورفاقه المقربون فيسلكون سلوكًا مختلفًا تمامًا. فعدد الزوجات ذوات الأصل القرشي في هذه الفئة أقل بكثير، وحلّ محلّهن نساء عربيات غير قرشيات من أنحاء شبه الجزيرة كلها. غير أن هذا لم يصبح في نهاية المطاف نمطًا سلوكيًا راسخًا لكل المسلمين. فبعد وفاة محمد، تبدلت طبيعة الزواج القرشي مرة أخرى – إذ بدأت قريش تُعرض عن النساء العربيات لصالح الإماء الأجنبيات. لكن في الوقت نفسه الذي كانوا يبرمون فيه المزيد والمزيد من هذه الارتباطات الخارجية جدًا مع الإماء، كانت فرع واحد على الأقل من قريش -وهم الخلفاء الأمويون وأبناؤهم- يتجه إلى مزيد من الزواج الداخلي عبر الإكثار من الزواج من بنات العمومة.

    وتؤكد هذه النتائج بعض عناصر السردية التقليدية، لكنها تنقض عناصر أخرى. فصعود التسرّي يتزامن مع الفتوحات، التي كانت ستمنح قريش إمكانية الوصول إلى أعداد كبيرة من الإماء. وهنا تتفق البروسوبوغرافيا مع السردية التقليدية. لكن موضع الافتراق هو توقيت هذا التغير في سلوك الزواج، وكذلك معاملة النخبة العربية للإماء وأبنائهن. فالمصادر التقليدية فُهمت حتى الآن على أنها تقول إن السرية ظاهرة شائعة في العصر العباسي لا الأموي، كما تزعم أن المجتمع الأموي كان يعامل السرية وولدها معاملة سيئة نسبيًا. ولا يمكن تثبيت أي من هذين الرأيين في ضوء تحليلنا البروسوبوغرافي.

    ويمكن العثور على افتراق مشابه في سلوك الزواج قبل الفتوحات. فالدرجة العالية من الزواج الخارجي التي أظهرها المسلمون الأوائل مقارنة بغير المسلمين من جيل آبائهم تتفق مع عدد من عناصر السردية التقليدية، مثل اغتراب المسلمين الأوائل عن بقية قريش، وأيديولوجية الأمة المناهضة للقبلية، وفتح شبه الجزيرة العربية. لكن السردية التاريخية التقليدية ليست موفقة بالقدر نفسه في تفسير سلوك الزواج لدى قريش قبل الإسلام – فمعظم هذه الزيجات جرت مع قبائل تقع على مسافة لا تتجاوز مئتي ميل من مكة. وهذه المحلية الشديدة لقريش الجاهلية تصطدم بالمصادر التاريخية التي تقول إن لهم رياسة معترفًا بها عند جميع العرب.

    وجمع البيانات وتحليلها عمل يستهلك وقتًا طويلًا، وهذا له كلفة من حيث المدة التي يصبح من الممكن فيها تطبيق النتائج على المصادر السردية تطبيقًا شاملًا. ويظهر هذا على نحو حاد في الإطار الزمني لرسالة دكتوراه، ولا سيما أن المراحل الأولى من استخراج البيانات تشتمل على بدايات خاطئة كثيرة. ولهذا ستُستمد محاولات تفسير اتجاهات البيانات والتعارض مع المصادر السردية أساسًا من الدراسات الثانوية، إضافة إلى أشهر المصادر السردية التقليدية. ومن الواضح أن مراجعة أدبية واسعة النطاق تنطلق من هذه النتائج المبدئية أمرٌ مرغوب فيه، لكن لا بد أن ينجز في دراسة لاحقة. وفي هذه المرحلة، يُرجى أن يكون قد قُدم من الجدل ما يكفي على الأقل للإشارة إلى اتجاهات بحث مستقبلية.


    بنية الأطروحة

    جُمعت فصول هذه الأطروحة الثمانية في قسمين. فالقسم الأول -الذي يتكون من الفصول الأول والثاني والثالث- معني بالمنهجية وتأريخ المادة المصدرية. وقد بُني الإطار الخاص به إلى حد كبير من العدم؛ إذ لم تحظَ لا المادة المصدرية ولا المنهجية بقدر كبير من الاهتمام في البحث الحديث، ولذلك لا بد أولًا من أن نثبت بصبر أنهما يصلحان أساسًا لدراسة أكاديمية من هذا النوع. أما القسم الثاني -الفصول من الرابع إلى الثامن- فيستخدم المنهجية لإجراء تحقيقات في الطبيعة المتغيرة للزواج القرشي، بينما كانت القبيلة تستجيب لظهور الإسلام ولاضطرابات عصر الفتوحات. وفي هذه الفصول ستُستخدم البيانات نقطة انطلاق لمناقشة أوسع حول الأثر الذي قد تتركه هذه النتائج في الدراسات القائمة.

    وسيبدأ الفصل الأول الخاص بالمنهجية بالنظر في الحجج المؤيدة والمعارضة لدقة تقليد النسب، مع الرجوع إلى الدراسات الأنثروبولوجية والبحوث النفسية في طبيعة الذاكرة. ويعقب ذلك شرح للطريقة التي ستُجرى بها الدراسة. ثم يخصص بقية الفصل لمسألة الشمول؛ فقاعدة البيانات في صميم هذا البحث تعتمد إلى حد كبير على عمل مؤلف واحد، هو نسب قريش للزبيري، ومن ثم لا بد من إقامة حجة مفادها أن النتائج المستخلصة من تحليل البيانات لن تُقلب رأسًا على عقب بمجرد إدخال مصادر أخرى.

    وإذا كان الفصل الخاص بالمنهجية سيقرر أن المجتمعات البشرية قادرة على تذكر أنسابها بدقة، وأن نسب قريش هو أشمل مصادرنا للفترة محل البحث، فإن الفصلين التاليين سينظران في مقدار ما صاغ سياقُ الزبيري عملَه. وستُتخذ في ذلك عدة مقاربات. ففي الفصل الثاني سيُنظر إلى جنس النسب الأدبي بوصفه كلًا متكاملًا، مع إيلاء اهتمام خاص لأنواعه الفرعية المختلفة. وسيؤدي ذلك إلى بعض الاقتراحات حول أسباب إنشاء العرب لهذا الجسم الفريد من الأعمال، في حين لم تفعل الشعوب القبلية الأخرى ذلك. كما سينظر في أثر السياسة والظروف الاجتماعية في تشكيل هذه الأعمال. وبعد ذلك سيحلل الفصل الثالث حياة الزبيري وعمله نفسه. وباستخدام قاعدة بياناتنا والمقارنات مع أعمال أخرى، سيتبين أن سياق المؤلف قد أثر بالفعل في محتويات نسب قريش وبنيته، لكن التعديلات التي يجريها يمكن التنبؤ بها، وهي محدودة النطاق. ومن ثم فإن وجود هذه التعديلات لا ينبغي أن يقوض مقاربتنا العامة.

    وسينظر الفصلان الرابع والخامس في ازدياد عدد الأبناء القرشيين المولودين من السراري. ويتمحور الفصل الرابع حول عدد من التحليلات المستمدة من قاعدة بياناتنا، والمبيَّنة في صورة جداول ورسوم بيانية. وسيتبين أن الأطفال المولودين من السراري يكادون يكونون معدومين قبل الفتوحات الإسلامية، لكن بعد هذه النقطة يصبحون أكثر شيوعًا على نحو متزايد، وبحلول منتصف العصر الأموي يشكلون ثلث جميع الولادات. ولهذا الاكتشاف آثار على السرديات السابقة المتعلقة بظهور أبناء السراري؛ فلم يعد من الممكن الافتراض أنهم ظهروا تدريجيًا، وأنه جرى التمييز ضدهم بشدة حتى استقر سلطان الخلافة العباسية. وفي الفصل الخامس نمضي أبعد من ذلك، فننظر في آثار التبني السريع للتسرّي على فهمنا لظهور هذه الممارسة في صورتها الإسلامية المعيارية. وسيُجادل بأن السرية الإسلامية وولدها كانا مختلفين تمامًا عن السوابق الجاهلية، ومن ثم يمثلان تطورًا ثقافيًا فريدًا.

    وتمكّننا معالجة السراري في هذين الفصلين من النظر في الزيجات بين الرجال القرشيين والنساء العربيات من حيث الزواج الخارجي والداخلي. ومنذ البداية سيتضح أن هذه العلاقات أكثر تعقيدًا من العلاقات بين العرب والإماء؛ فتعريف علاقة قبلية معينة بأنها “خارجية” تعريفًا دقيقًا أمر مخاتل؛ لأن الناس ينتمون إلى جماعات متعددة متداخلة تتغير مع الزمن. وللتخفيف من أي التباس قد ينشأ، سنمضي في هذه المرحلة عبر عرض قواعد بياناتنا عرضًا دقيقًا أمام القارئ للفحص. ولهذا فإن الفصل السادس يتكون من ثلاث قواعد بيانات عن السلوك الزوجي، تنتمي كل واحدة منها إلى فئة واحدة: أولًا الجيل الذي سبق المسلمين الأوائل مباشرة؛ ثم المسلمون الأوائل؛ ثم الخلفاء الأمويون وأبناؤهم. وستقدم هذه الجداول تفاصيل عن الانتماءات القبلية المتعددة للزوجات غير القرشيات، لكي تتيح للقارئ التحقق من المنهجية وإعادة صياغة البيانات لاستخداماته الخاصة إن شاء.

    وسيقارن الفصل السابع بين زيجات الفئة السابقة للإسلام وزيجات المسلمين الأوائل. وسيُظهر أن هناك فروقًا واضحة بين معدلات الزواج الداخلي والخارجي، ومن خلال تحليل ذلك من منظور جغرافي نحصل على نظرة فريدة إلى آفاق العالم كما كانت عند قريش في أواخر العصور القديمة. وسيهدف النصف الأول من هذا الفصل إلى البقاء قريبًا من البيانات قدر الإمكان؛ أما القسم الثاني فسيكون أكثر نقاشية، إذ نضيف طبقة من المصادر الثانوية إلى البيانات النسبية، من أجل اقتراح سردية بديلة لنشأة الإسلام.

    وفي الفصل الثامن سننظر في الطبيعة المتغيرة للزواج في البيئة التالية للفتوحات. وسيتبين أن الخلفاء الأمويين وأبناءهم غيّروا سلوكهم الزوجي بسرعة بما يتفق مع الطبيعة المتطورة للكيان العربي السياسي في القرن الأول من الإسلام. ومثل الفصل السابق، سيتضمن هذا الفصل أيضًا قسمًا ثانيًا أكثر نقاشية، يُقترح فيه أن بعض الأسئلة المثارة في الفصلين الرابع والخامس حول التسرّي يمكن حلها من خلال مناقشة تطور بُنى الدولة الخلافية كما تُرى من خلال الزواج.

    وقد يبدو تطبيق المقاربات البروسوبوغرافية على التاريخ الإسلامي المبكر أمرًا متطلبًا أحيانًا. فالتخصص الفرعي للبروسوبوغرافيا لا يملك مناهج راسخة، وحتى حين تُطوَّر هذه المناهج، فإن جمع البيانات اللاحق يكون مستهلكًا للوقت. ومع ذلك، فمن المأمول أن ينتهي القارئ إلى أن إمكانات البروسوبوغرافيا -حين تُطبق بعناية- تفوق هذه الكلفة بكثير. كما يُرجى أن تكون هذه الجاذبية عامة. فبالنسبة للمؤرخ الوضعي هناك إمكانية لتحليل التغير الاجتماعي في فترة تاريخية شديدة الغموض؛ أما من يميلون أكثر إلى معاملة النسب بوصفه ضربًا من الكتابة التاريخية، فإن المقاربة الكمية يمكن أن تقدم لهم وسيلة لإدارة الكم الهائل من المعلومات التي تحتويها هذه الأعمال. وفي النهاية، فإن غرض هذه الأطروحة هو إثبات أنه بمجرد إحصاء كلمات معينة في كتب معينة، يمكننا أن نقرأ المصادر القديمة بطرق جديدة ومحفزة.


    القسم الأول: البيانات والمناهج والتأريخ

    الفصل الأول: المنهجية

    مقدمة

    تقوم المنهجية في هذه الأطروحة على دعوى مفادها أن الأنساب الأبوية والأمومية لقريش في الفترة 500–750م، كما سُجلت في تقليد النسب، صحيحة في معظمها. ويمكن مساءلة عنصرين في هذه الدعوى. الأول: من الناحية التاريخية، فإن الطبيعة الإشكالية لمصادرنا تعني أننا لا نستطيع قبول أن أي فئة من المعلومات، متفرقة ومتنوعة مثل المعلومات الأبوية، ينبغي اعتبارها صحيحة من دون إقامة حجة كبيرة تؤيد ذلك. والثاني: من منظور بروسوبوغرافي، نود أن نعرف ما المقصود بعبارة “صحيحة في معظمها”. وبعبارة أخرى: هل تستطيع هذه البيانات أن تؤدي ما نطلبه منها؟ والإجابة عن هذا السؤال هي موضوع هذا الفصل والفصلين اللذين يليه.

    وينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام. سيعرض الأول الحجج الحالية المؤيدة والمعارضة لدقة السجلات النسبية العربية. وسيتبين أن الحجج الحالية المؤيدة لدقة الأنساب لا تسندها أدلة مقنعة كثيرة، كما أنها لم تفند حسمًا أولئك الذين يقولون إن النسب لا يختلف كثيرًا عن صناعة الأساطير. ويزداد هذا إشكالًا حين نرى أن النسّابين أنفسهم يعترفون بالكذب.

    لكن ليست كل البيانات النسبية سواء. فمع أن هناك بالفعل مجالًا واسعًا للإبداع في الذاكرة النسبية، إلا أن هناك في الوقت نفسه قواعد معينة لا يبدو أن النسابين يكسرونها. وسيُظهر، بالرجوع إلى الملاحظات الأنثروبولوجية عن المجتمعات المنظمة نسبيًا، أن تذكر الأجيال الأحدث من الأسلاف يكون في الغالب دقيقًا وثابتًا؛ وستُستمد أسباب ذلك من دراسات علم النفس القانوني ومن الدراسات العلمية الخاصة بالذاكرة. وهذا سيقرر أن لدينا أساسًا جيدًا للاعتقاد بأن العرب كانوا قادرين على تسجيل كثير من تاريخهم النسبي تسجيلًا شاملًا ودقيقًا، وأن هناك أسبابًا كافية للاعتقاد بأن بيانات الأمهات المسجلة في الفترة 500–750م قد تكون مجموعة بيانات قابلة للاستخدام.

    وسيُظهر القسم الثاني من هذا الفصل عملية الاستخراج. وسيشمل هذا ترجمةَ مقطع نموذجي من نسب قريش، يعقبه جدول بيانات يوضح كيف أُعيدت صياغة المعلومات. كما سيُشرح نظام التأريخ القائم على الأجيال بمزيد من التفصيل.

    أما القسم الأخير من الفصل فسيعالج الاعتراض القائل إن نسب قريش مصدر ضيق جدًا بحيث لا يمكن الزعم بأنه يمثل قريش كما ترد في الكتابة التاريخية بأسرها. وسنعالج هذا بأن نأخذ عينة من بيانات نسب قريش ونقارنها بعينات مماثلة مأخوذة من أعمال تاريخية ونسبية خارجية. وسيُظهر ذلك بصورة حاسمة أنه لا يوجد مصدر أفضل لإنشاء قاعدة بيانات عن زواج قريش من عمل الزبيري.


    القسم الأول: دقة التقارير الخاصة بالقرابة

    هناك نوعان من البيانات يعنينا أمرهما أساسًا في هذه الأطروحة: النسب الأبوي والأصل الأمومي. الأول مهم لأنه يمكن استخدامه لإنشاء فئات -كأحفاد شخصية مؤسِّسة معينة مثلًا، أو جيل محدد من القرشيين-. وهذا مفيد خاصة في حق كثير من الأفراد الذين لا نملك عنهم بيانات سياقية أخرى (مثل المناصب التي تقلدوها أو أصولهم الجغرافية). أما النوع الثاني من البيانات (أي وضع الأم أو انتماؤها القبلي) فهو مهم للأسباب الموضحة في المقدمة، أي أننا من خلال تحليله نستطيع تأكيد أو نفي الفرضية القائلة إن سلوك الزواج كما سُجل في الأدب التاريخي العربي يمكن استخدامه لتوضيح التغيرات الاجتماعية-السياسية بين نخب قريش في أواخر العصور القديمة.

    والمستودع الرئيس لهذا النوع من البيانات موجود في تقليد النسب. وكما يدل الاسم، فإن الأعمال في هذا التقليد هي الأعمال التي تدين ببنيتها الداخلية للروابط النسبية بين شخصياتها التاريخية. وهذا يمدنا ببيانات شبكة النسب الأبوي التي نحتاج إليها. وإضافة إلى ذلك، كان كثير من النسابين مهتمين بالروابط الزوجية بين شخصياتهم؛ وهذا ما يمدنا بسجلات الزواج.

    ومهمتنا الأولى هي أن نؤسس قدرًا من الثقة في دقة هذين النوعين من البيانات. وهذا في حد ذاته تحدٍّ؛ فالحجج المؤيدة لدقة تقليد النسب ليست قوية جدًا، في حين أن الحجج المضادة في المصادر الأولية والثانوية معًا قوية، وفي كثير من الحالات مقنعة.


    دقة بيانات النسب: أسباب تدعو إلى القلق

    الحجج المؤيدة للدقة العامة للتقليد النسبي محدودة من حيث العمق ومن حيث العدد. ومن هذه الحجج ما يورده هويلاند، إذ يرى أن توافق اسم ملك من جنوب الجزيرة العربية سنة 360م، محفوظ في نقش، مع اسم وارد في عمل نسبي متأخر من أواخر القرن الثامن/أوائل التاسع لابن الكلبي، يمثل “مدى مذهلًا” من التذكر. لكن المشكلة هنا أن رابطًا واحدًا -أو حتى بضعة روابط- بين ابن الكلبي وبين النقوش لا يمكن أن يُتخذ حجة سليمة على أن جميع سجلات ابن الكلبي تمثل شيئًا قريبًا من النسب العربي الحقيقي. فبعد كل شيء، مع أن كتاب ابن الكلبي عن ديانات الجاهلية العربية (كتاب الأصنام) يجد بعض التأييد في النقوش والآثار المتعلقة بالفترة التي يزعم وصفها، فإنه يفشل في ذكر أهم آلهة الجاهلية. وكما يقول روبين، فإن ابن الكلبي “كان أكثر انشغالًا بتقديم تفاصيل عن الأصنام المذكورة في القرآن أو في الرواية التقليدية، من انشغاله بالبحث عن معلومات مباشرة المصدر”. وعلى نحو مماثل، فإن قوائم ملوك أكسوم عند ابن الكلبي لا تتوافق كثيرًا مع ما هو معروف من المصادر النقشية. والأمر نفسه قد يكون صحيحًا في عمله النسبي؛ وخلافًا لهويلاند، فإن قطعة واحدة من الدليل النقشي لا تكفي للجزم بخلاف ذلك.

    وحتى أسد أحمد -الذي يستخدم في كتابه The Religious Elite مصادر النسب بدرجة أكبر من أي باحث حديث تقريبًا- ليس لديه إلا القليل جدًا مما يقوله عن دقة البيانات النسبية، إذ إن مسألة التزوير لا تحظى إلا بصفحتين فقط في المقدمة. وحتى هنا، ليست إحدى حججه في أمانٍ كما يظن. ولا تتحسن الأمور كثيرًا إذا نظرنا إلى المقاربات البروسوبوغرافية على نطاق أوسع؛ فمثلًا، الأساس الذي تبني عليه كرونه ثقتها في صحة قوائم الولاة في Slaves on Horses ضعيف على نحو مدهش، بالنظر إلى محورية هذه القوائم في عملها. ففي هذه الحالة تقوم حجتها على ملاحظة أن شخصين حكوميين غامضين وقائدًا عسكريًا يظهرون في كلٍّ من المصادر الإسلامية وغير الإسلامية. وبناءً على ذلك ترى أن قوائم الولاة تتمتع بـ “اتفاق لا يتزعزع، ومفاجئ، ومثير للإعجاب” مع المصادر التاريخية غير التقليدية.

    وإذا أرادت البروسوبوغرافيا المبنية على بيانات مستخرجة من تقليد النسب أن تؤخذ أساسًا لدراسة أكاديمية جادة، فعلينا أولًا أن نقدم أدلة أفضل على الثقة بهذه البيانات البروسوبوغرافية مما قُدم حتى الآن. والأهم من ذلك أن علينا أن نواجه المخاوف المنتشرة والقديمة المتعلقة بقدرة النسابين على اختلاق الأنساب. ومن بين أمثلة كثيرة، سنشير هنا إلى مثال كتاب Roots الشهير لأليكس هيلي سنة 1976، حول نسبه بوصفه منحدرًا من عبيد مزارع في أمريكا الشمالية.

    ففي Roots ادعى هيلي أنه تواصل مع griot من غرب أفريقيا -وهو نوع من النسابين- كان يتذكر اسم سلف هيلي الذي نُقل عبدًا إلى الأمريكتين في القرن الثامن عشر. لكن باحثين لاحقين أثبتوا أن الشخص الذي اتصل به هيلي لم يكن في الأصل griot، وحتى لو كان كذلك فليس هناك دليل على أن الـ griots يحتفظون بنسب ذي فائدة تاريخية يمكن استخدامها لما قبل القرن التاسع عشر. وقد تبين أن هيلي لقّن المخبر المحلي اسم السلف، فقام هذا الأخير استجابةً لذلك بإدخاله في سلسلة النسب. وأهمية هذه القصة ليست فقط أن حاجة هيلي الواضحة إلى العثور على قصة أصل قد غلبت حكمه، بل أيضًا في أن الرجل كتب Roots عمدًا لمجتمع قارئ ومحقق، حيث كانت هناك فرصة حقيقية لأن يُكشف أمره وأن يتعرض للفضيحة علنًا.

    وفي ضوء هذا، ليس مستغربًا أن علماء الأنثروبولوجيا قد لاحظوا مرارًا نزعات إبداعية مشابهة لدى نسابي المجتمعات القبلية غير الكتابية. فعلى الرغم من أن هذه المجتمعات تقدم النسب بوصفه تفسيرًا للعلاقات الحالية بين القبائل وداخل القبيلة، فإن الأمر يكون غالبًا بالعكس – فعندما تتغير طبيعة العلاقات بين الجماعات المتنافسة، يتغير النسب وفقًا لذلك. فمثلًا، كانت أسطورة الخلق الخاصة بمملكة Gonja في شمال غانا في أوائل القرن العشرين تتضمن مؤسسًا وسبعة أبناء، وكان الأبناء يقابلون الأقسام القبلية السبعة في تلك الفترة. لكن بحلول سنة 1960 كانت قبيلتان من هذه القبائل قد اختفتا، وصارت أسطورة الخلق تذكر خمسة أبناء فقط.

    وفوق هذا، يمكن استخدام أسماء الأسلاف لا لتفسير الديناميات القبلية فقط، بل أيضًا لتسوية الشؤون القانونية ومنع النزاعات من التصاعد. ومن أمثلة هذا ما لوحظ عند شعب Tiv في شمال نيجيريا، حيث منع شيوخ القرية شبانهم المتحمسين من الانخراط في نزاع حدودي بقولهم: “لن نقاتل Uge، ولن يأتوا هم ليقاتلونا، لأننا وهم أبناء Ikor.” وقد هدأ هذا الشبان، لكن عندما استفسر عالم الأنثروبولوجيا منهم لاحقًا، اتضح أنهم لم يكونوا يعرفون من هو Ikor أصلًا. وبدلًا من سؤال الشيوخ، استنتجوا الأمر بأنفسهم: لا بد أن Ikor هو والد Tiv وUge، أي الشخص المؤسس لكلا الشعبين. وهنا استُخدم النسب كفاعل ثالث، وبدلًا من أن يقول الشيوخ لأبنائهم ماذا يفعلون -مما ربما كان يثير نزاعًا بين الأجيال داخل القبيلة- صيغت أوامرهم في لغة شبكات نسب “ثابتة لا تتغير”. ونتيجة لذلك، كسب Tiv أخًا وأبًا.

    ولذلك ليس من المستغرب أن نجد المجتمعات العربية القبلية التي خضعت للدراسة الأنثروبولوجية تُظهر الخصائص نفسها تمامًا عندما يتعلق الأمر بالتلاعب بالنسب. فقد درس Emrys Peters مسألة النسب والديناميات القبلية بتفصيل كبير بين بدو برقة، وبيّن أن نسبهم كان مرنًا على نحو مشابه. وكانت هذه المرونة ضرورية بسبب علاقة القبائل بالبيئة؛ إذ لم تكن الأرض قادرة إلا على دعم عدد محدود من السكان، فإذا كبرت القبيلة أكثر مما ينبغي وجب أن تنقسم. وعلى العكس، عندما يكون هناك ضغط هابط على النمو السكاني -عادة في صورة مرض- فإن إحدى القبائل تتأثر بهذا غالبًا أكثر من جيرانها بصورة غير متناسبة. وفي هذه الظروف كان الناجون من الجماعة المنهكة ينضمون إلى قبيلة أخرى، وتُلحم أنسابهم تبعًا لذلك. وقد احتفظت القبائل بقدرة مدهشة على استيعاب أعضاء جدد (وفي إحدى الحالات كان رجلًا إيطاليًا)، يبدأون بالسكن في المخيم نفسه، ثم يتزوجون داخل القبيلة، ثم يندمجون في النسب اندماجًا كاملًا. ولم يكن الحاجز الوحيد أمام الانضمام إلى القبيلة إلا قدرة البيئة على إعالتهم؛ فإذا اشتد الضغط على الموارد كان أحدث المنضمين أول من يُستغنى عنهم. ومن ثم كان لا بد للأنساب أن تكون شديدة القابلية للتبدل كي تستوعب هذه التغيرات.

    وكون النسّابين في الفترة الإسلامية المبكرة يُوصَفون كثيرًا بعدم الأمانة هو دليل قوي على أنهم كانوا يعملون على نحو شبيه بما لاحظه علماء الأنثروبولوجيا في القرن العشرين. فابن الكلبي نفسه يعترف بالكذب في مسائل النسب، ويعترف أيضًا بالضغوط التي دفعته إلى ذلك، بينما كان أبوه يزعم أنه رأى في المنام النبي محمد يقول له إنه سيدخل النار إن استمر في تدوين أنساب لا يعلمها حقًا.

    وفي الدراسات الحديثة، قاد زولتان سومباطي نقدَ موثوقية تقليد النسب، إذ رأى أن التقليد النسبي والتقليد التاريخي لا يمكن التمييز بينهما؛ فكلاهما أمثلة على “خطاب مرن يسهل تصوره، وقابل للتكيّف لتلبية عدد كبير من الحاجات الاجتماعية التي تنشأ في جماعات مختلفة”. والأدلة التي يقدمها لهذا الرأي غزيرة، وعندما تُضم إلى النتائج الأنثروبولوجية المذكورة أعلاه، يصبح في وسعنا أن نقول إن النقد الموجه إلى النسب بوصفه مصدرًا تاريخيًا صالحًا يتجاوز الحدود الزمنية والجغرافية والاجتماعية.

    دقة بيانات النسب: أسباب تدعو إلى التفاؤل

    إن فكرة أن النسّابين -بوجه عام- غير أمناء، فكرة شائعة جدًا (ولا سيما في المجتمعات القبلية نفسها)، لكنها فكرة لها تفصيلات دقيقة. فلو كان النسب يُعاد تشكيله باستمرار وفق هوى أي نسّابة يتولى تسجيله، لأصبحت شبكة العلاقات التي يدّعي وصفها عديمة المعنى تمامًا. إن النسب لعبة بالفعل، لكن لهذه اللعبة قواعد.

    وأهم هذه القواعد هي النقطة التي يمكن عندها أن يقع التلاعب بالنسب؛ فمن النادر جدًا أن نجد هذا التلاعب يقع على مستوى الوالدين مثلًا. وفي حالة المسلمين الأوائل، لدينا في القرآن إقرار بالتبنّي/الاستلحاق، وهو صورة من صور تغيير الوالدين، وقد جادل المسلمون لاحقًا بأن هذا يعني أن الأمر قد مُنع في مرحلة مبكرة. وتدعم هذا آيةٌ/روايةٌ حديثية تقول: “من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم، فهو كافر.” ومسألة التبنّي في الإسلام المبكر معقدة، لكن يمكننا على الأقل أن نقول إن المسلمين وغير المسلمين في تلك الفترة كانوا يدركون أن مسألة تغيير الأب أو الوالدين أمر خطير.

    أما ما وراء جيل الوالدين، فإن الدليل الأنثروبولوجي يشير إلى أن الأنساب التي يرويها مخبرون مختلفون من مجتمعات منظمة قبليًا تعطي سلاسل نسب متسقة ترجع ثلاث إلى خمس طبقات من الأجداد صعودًا من أقدم جيل من المخبرين. وقد وجد بيترز هذا بين بدو برقة؛ فقد سجّل أنساب أربع قبائل بتفصيل واسع، وفي كل حالة كان “الجدل يحتدم” بين المخبرين عند الجيل الخامس صعودًا، حول من ينبغي إدخاله أو استبعاده. وقد سبق اكتشافُه هذا ما وجده Musil في عمله الأنثروبولوجي مع بدو الرولة في الجزء الأول من القرن العشرين، إذ كانوا آنذاك قادرين بسهولة على تذكر صلات جماعتهم القبلية -وهذه الجماعة تتألف من أحفاد جدٍّ أعلى مشترك-. أما ما بعد هذا الجيل الثالث، فإن الأمور تصبح غامضة وقابلة للجدل. وكانت هذه “منطقة الغموض” -كما سماها بيترز- ضرورية لبقاء النسب بوصفه أيديولوجيا للتنظيم؛ إذ عندها كانت الفروع القبلية تعيد تشكيل الماضي من أجل تفسير الحاضر. وما وراء هذه المنطقة كان النسب يعاود الاستقرار في صورة سلسلة نسب متفق عليها تربط جميع القبائل بالشخصيات المؤسسة.

    وتفسير هذا التباين بين الأنساب المتنازع عليها وغير المتنازع عليها يكمن في الطريقة التي تُتعلَّم بها الأنساب. فدون مستوى معين من الأسلاف، تكون الذاكرة النسبية عند الجماعة مكوَّنة من أشخاص التقاهم النسّابة فعلًا، وفي بعض الحالات عاش معهم فترات طويلة. ومن حيث امتداد هذه الذاكرة عند الأحياء، فهي تمتد غالبًا إلى حدود الجماعة القبلية المحلية، التي يتراوح عدد أعضائها عادة بين 100 و150 اسمًا. ومن ثم فإن حدود الذاكرة النسبية هي حدود المعرفة المباشرة والاتصال الشخصي، أما معرفة الروابط التي تتجاوز جماعات بهذا الحجم فتتطلب تذكر أسلاف في ماضٍ بعيد لا يملك الأحياء خبرة مباشرة به؛ وهذا الجزء من الذاكرة النسبية أكثر قابلية للتشكيل، وهنا تقع الخصومات.

    والصلة بين الذاكرة النسبية وبين الطريقة التي تُكتسب بها هذه الذاكرة تعكس فرقًا مهمًا بين المصادر النهائية للأدب النسبي العربي وبين بقية المدونة التاريخية الإسلامية. فمن الناحية النفسية، فإن معرفة الأقارب الذين لقيتهم مرارًا (أي معرفتك النسبية) تقع ضمن فئة “الذاكرة الدلالية”؛ أي الذكريات غير المرتبطة بسياق محدد، مثل اسم قبيلة مجاورة أو اسم جدك. وهذا النوع من الذاكرة شديد الثبات، ويفسر لنا لماذا لاحظ علماء الأنثروبولوجيا هذا القدر الكبير من الاتفاق بين مخبريهم القبليين ما داموا يُسألون عن أشخاص عرفوهم وعاشروهم، لا عن أشخاص سمعوا عنهم فقط.

    أما الأدب التاريخي القصصي من جهة أخرى، فيعتمد على “الذاكرة الحدثية”؛ أي الأحداث والخطب التي يتذكرها المخبر المعاصر وينقلها إلى غيره. وقد أظهرت تجارب في ميدان علم النفس القانوني مرارًا عجز البشر عن تذكر الأحداث التي شاهدوها في ظروف مضبوطة على نحو ثابت، كما أن الإنسان لا يملك أصلًا قدرة على تذكر الكلام كلمةً بكلمة بعد سماعه مرة واحدة. فمنذ اللحظة التي ينتهي فيها الحدث أو الخطاب، تصبح الذاكرة المتعلقة به قابلة للطعن الحاد وإعادة التشكيل المستمرة -وقد دُرست هذه المسألة أيضًا في ظروف تجريبية مضبوطة- وهذا بالضبط ما نجده في المصادر التاريخية التقليدية.

    لكن المقارنة بين نوعي الذاكرة لا تعني تلقائيًا أن أدب النسب صحيح لمجرد إمكان حفظه بوصفه ذاكرة دلالية؛ فأعمال النسب تمتد إلى ما هو أبعد كثيرًا من خمس طبقات في الماضي، ولا بد أن مؤلفيها اعتمدوا على سلاسل من المخبرين لا على الذكريات الشخصية. لكن المقصود هنا أن البشر قادرون على تذكر العلاقات النسبية الممتدة، وهذا يعني أنهم قادرون -من حيث الإمكان- على حفظها للأجيال التالية بكتابتها. والبشر قادرون بيولوجيًا، إذًا، على إنتاج تقليد النسب. وهذا يختلف اختلافًا حادًا عن الخطب والأحداث التي تتكون منها السردية التاريخية التقليدية عن الإسلام المبكر، إذ إن حفظها يتطلب قدرات على الحفظ والملاحظة لم يُعرف أن غير أصحاب القدرات الخارقة يمتلكونها. ولذلك يستحيل بيولوجيًا أن تُعد أغلبية الأحاديث والأخبار انعكاسات دقيقة للأحداث الماضية، إلا في أوسع المعاني.

    ورغم شكه الشديد في تقليد النسب، فإن سومباطي يسلّم بهذا. فهو يعترف بأن المعرفة النسبية حتى مئة سنة قبل زمن محمد أكثر موثوقية من المادة الأقدم، وأن أقرباء النبي الأقربين أقل “بدائية واضطرابًا وتفككًا” بطبيعتهم. وإن شكوكه في صدق تقليد النسب تتجه إلى الروابط السحيقة التي يُفترض أنها تشد القبائل العربية بعضها إلى بعض، لا إلى الأجيال الأقرب ولا إلى أقارب محمد الأدنين.


    من الشفوي إلى المكتوب: حفظ نسب قريش

    يمكننا بدرجة من الثقة أن نقول إن القبائل العربية في حجاز القرن السابع كانت تتذكر أنسابها القريبة الأجل -أي الراجعة إلى ثلاث أو خمس طبقات من الأجداد- بدرجة من الاتساق مماثلة لتلك التي لاحظها علماء الأنثروبولوجيا في المجتمعات القبلية في القرن العشرين. لكن يبقى السؤال: هل هذه هي المعرفة نفسها التي سُجلت في أعمال النسب في أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع، أم أننا أمام منتجات خيال النسّابين المتأخرين؟

    لكننا ندخل هنا منطقة غموضنا الخاصة. فسبب الثقة في دقة النسب القريب كما تتذكره المجتمعات القبلية هو الاتساق الذي لاحظه علماء الأنثروبولوجيا بين عدد من المخبرين المستقلين؛ وهذا لا يمكن أن يكون إلا إذا كانت الأنساب قائمة على قرابات كانت موجودة بالفعل. ومع أننا نستطيع أن نُظهر قدرًا من الاتساق بين المصادر المختلفة التي تشكل تقليد النسب، فإن هذه الثقة ليست بالمستوى نفسه الذي أظهرته الدراسات الأنثروبولوجية. فكثير -وربما أكثر- الشخصيات الواردة في نسب قريش للزبيري أو جمهرة النسب لابن الكلبي لا تظهر في أي أعمال أخرى، وفي هذه الحالات لا نملك وسيلة للتحقق من الاتساق. وفوق ذلك، فحين يوجد الاتساق لا يمكننا دائمًا أن نجزم بأننا بإزاء مخبرين مستقلين، لأن مصادر المعلومات كثيرًا ما تظل غير مسماة؛ ومن ثم قد يكون أحد العملين مشتقًا من الآخر، أو قد يكون كلاهما مشتقًا من مصدر ثالث مشترك.

    كما أن وسائل التحقق الأخرى المعتادة مغلقة في وجوهنا. فالزبيري لا يكاد يورد أسانيد للمادة النسبية في عمله، وبينما يورد ابن الكلبي أحيانًا إشارات إلى استخدام مخبرين قبليين وآثار مادية دعمًا لبحثه، فإن هذه الإشارات غير قابلة للتحقق، وربما كانت من قبيل العُرف الأدبي. وكلا الرجلين يقعان بعيدًا عن مدى الثلاث إلى الخمس طبقات التي تغطيها الذاكرة النسبية بالنسبة إلى كثير من موضوعاتهم، بخلاف النسّابين الذين يظهرون في الأدبيات الأنثروبولوجية؛ فلم يكن بإمكانهما أن يكونا قد التقيا أغلب من كتبا عنهم.

    ولهذا فإن طبيعة الصلة بين الثقافة النسبية الشفوية وبين أدب النسب المكتوب ذات أهمية حاسمة، وسنعود إلى هذا الموضوع في الفصل التالي الخاص بالتأريخ. أما اهتمامنا الأول في هذا الفصل فهو بالمنهجية، وبخاصة دقة نسب قريش وقابليته للاستخدام بوصفه مصدرًا للبيانات. وإلى هذين الموضوعين ننتقل الآن.


    القسم الثاني: استخراج البيانات وإنشاء قاعدة البيانات

    استخراج البيانات

    ما سبق يبين أن وضع بحثنا الحالي في حالة جمود؛ فهناك حجج قوية تدل على أن الشعوب القبلية تستطيع حفظ أنساب دقيقة، وهناك أيضًا حجج قوية مماثلة تدل على أن من يتولون تدوينها يكذبون.

    ومن وسائل الخروج من هذا المأزق أن ننزل إلى عمق السجلات وننشئ قاعدة بيانات مؤلفة من معلومات نسبية، ثم نختبر دقتها في ضوء مصادر خارجية. وسيكون هذا التحقق المتقاطع موضوعًا يتكرر طوال الأطروحة؛ ففي هذا الفصل تشمل هذه الاختبارات فحص اتساق أدب النسب وشموله، بينما في الفصول اللاحقة يكون الأمر متعلقًا بالتوافق بين تحليل الاتجاهات وبين المصادر التاريخية غير النسبية. لكن قبل أن يبدأ هذا كله، لا بد أولًا من تقديم مصدرنا الرئيس وشرح الطرق التي ننوي استخراج بياناته بها.

    إن قاعدة البيانات التي تقوم عليها هذه الأطروحة تتكون من كل إشارة إلى علاقةٍ مُنجِبة للأولاد عقدها رجل قرشي كما وردت في نسب قريش. وتظهر أغلبية هذه العلاقات في مقاطع من هذا النوع، الذي يورد نسل قريب بعيد للزبيريين. والترجمة هنا حرفية لكي تعطي مذاق المقطع؛ والكلمات بين القوسين إضافات توضيحية من المترجم (إذا لم تكن مائلة)، أو نقلًا حرفيًا للعربية (إذا كانت مائلة). أما علامات الترقيم وتقسيم الفقرات فهي مني أو مأخوذة من التحقيق النقدي:

    ومن ولد زمعة بن الأسود: عبد الله الأكبر بن وهب بن زمعة، قُتل يوم الجمل أو يوم الدار، وأمه: بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس.

    وولد عبد الله الأكبر بن وهب بن زمعة انقرضوا إلا بنات؛ وابنه يزيد بن عبد الله الأكبر، قُتل بإفريقية، وأمه: بنت الحارث بن عامر بن ربيعة من بني فراس.

    وعبد الله الأصغر بن وهب بن زمعة، ولدته أم ولد، وله عقب كثير. وامرأته: كريمة بنت المقداد بن عمرو البحراني، وأمها: ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. فولدت له المقداد بن عبد الله، لا عقب له، قُتل يوم الحيرة، ووهب بن عبد الله، لا عقب له، قُتل يوم الحيرة، ويعقوب، وأبا الحارث، ويزيد، والزبير، بني عبد الله الأصغر بن وهب.

    وأول ما يلاحظ هنا هو الكمّ الهائل من المعلومات في هذا الحيز الصغير جدًا. فهناك إشارات إلى معارك، وهناك شخص من فئة NFR (أي شخص لا يترك سجلًا ذريًا لاحقًا)، وهناك سرية، ونسب أمومي، وأنماط تسمية، وطائفة من الروابط بين أسر الزوجات والأزواج. ولو أردنا تسجيل كل جزء من هذه المعلومات على امتداد أكثر من أربعمائة صفحة من النسخة المحققة من الكتاب، لكان ذلك مهمة هائلة؛ ومن ثم فإن قصر التحقيق على بيانات الزواج ضرورة لا خيار.

    وعليه فإن مهمتنا الأولى في إنشاء قاعدة البيانات هي أن نسجل جميع الزيجات التي وقعت، مع إحالة إلى الموضع الذي سُجلت فيه هذه الزيجات. وتُسجل السراري والزوجات كلٌّ على حدة، لأن لدينا أسبابًا تدعو إلى الظن بأن هذين الصنفين يتغيران بحسب الفئة والزمن. وتبدو النتيجة كما يلي:

    الجدول 1.1: استخراج البيانات في المرحلة الأولى

    • الاسم: وهب بن زمعة — عبد الله الأكبر — عبد الله الأصغر
    • عدد الزوجات: 1 — 1 — 1
    • عدد السراري: — — 1
    • إحالة الصفحة: 228 — 228 — 228

    وهذا يعمل جيدًا في هذه الحالة، لكن لدينا مشكلة محتملة. فعلى الرغم من أنه واضح هنا أن هناك علاقة واحدة مُنجبة من سرية واحدة، فإننا نجد كثيرًا في مواضع أخرى أن قائمة من الأولاد تُذكر، ثم يُشار إلى أمهاتهم ببساطة بلفظ “سراري” من غير بيان لعدد النساء اللاتي يمكن أن يشير إليه هذا. ونحن نحل هذا بطريقتين. الأولى: أنه كلما ورد جمع “سرية” فإنه يُثبت في عمود مستقل، ويُفهم منه لاحقًا عند تركيب البيانات أنه يدل على “سريتين”. ولفظ “اثنتين” هو الحد الأدنى لعدد النساء الذي يمكن أن يدل عليه المصطلح (إذ لا يمكننا أن نوقن بأن صيغة التثنية العربية مطبقة على الدوام)، لا الحد الأعلى، الذي سيكون القول إن عدد السراري يساوي عدد الأبناء. وهذا مهم من الناحية الإحصائية؛ لأننا سنحاول لاحقًا إثبات وجود تزايد في عدد السراري بمرور الزمن، ومن حسن المنهج أن نأخذ بالاحتمال الذي هو أقل ما يكون في تجميل نتائجنا.

    والطريقة الثانية لحل الإشكال هي تسجيل عدد الأبناء الناتجين عن كل نوع من العلاقات. ولهذا فائدة إضافية، إذ ينتج عنه بيانات تركز على العلاقات التي أنجبت أطفالًا، مما يعفينا من الاهتمام بالزيجات القصيرة، أو بمن ذُكر أنهم كانت لهم أعداد كبيرة من السراري لكنهم لم ينجبوا إلا من عدد قليل منهن. كما أن الزيجات التي تُنجب أطفالًا أرجح أن تُتذكر بدقة -للأسباب التي نوقشت أعلاه- من العلاقات التي ظلت عقيمًا. وإضافة إلى ذلك، سُجل جنس الأطفال أيضًا، لأن هذا لا يحتاج إلى جهد كبير إضافي في مرحلة الإدخال، وقد يفضي إلى نتائج مثيرة للاهتمام لاحقًا.

    وتوسيع الجدول ليشمل هذه الاعتبارات يفضي إلى النتيجة التالية:

    الجدول 1.2: استخراج البيانات المتقدم

    • الاسم: وهب بن زمعة — عبد الله الأكبر — عبد الله الأصغر
    • عدد الزوجات: 1 — 1 — 1
    • عدد الأبناء الذكور من الزوجات الحرائر: 1 — 1 — 6
    • عدد البنات من الزوجات الحرائر: — — —
    • عدد السراري (بصيغة المفرد): — — 1
    • عدد السراري (بصيغة الجمع): — — —
    • عدد الأبناء الذكور من السراري: — — 1
    • عدد البنات من السراري: — — —
    • إحالة الصفحة: 228 — 228 — 228

    البنية الجيلية

    تبقى مهمة أخرى، وهي تحديد الموقع الزمني للرجال. فليس في نسب قريش أي تواريخ تقريبًا للمواليد أو الوفيات، ولا يمكن استعادة هذه المعلومات من المصادر الخارجية في أغلب الحالات. ولحل هذه المشكلة اتخذنا المقاربة الجديدة نسبيًا المتمثلة في تنظيم الأفراد جيليًا.

    فكل شخص نعرف له نسبًا سيُعطى رقمًا يدل على عدد الأجيال التي تفصله عن جيل قصي (وهو الجيل 0). فمحمد مثلًا هو الجيل 5 (أي بعد قصي بخمسة أجيال)، بينما المؤسس المفترض لقريش فهر بن مالك هو الجيل -6 (أي قبل قصي بستة أجيال). وفائدة وجود جيل 0 أننا نستطيع بسهولة حساب المسافة النسبية بين شخصين بطرح الجيل الأقدم من الجيل الأحدث؛ فمحمد، إذًا، يأتي بعد فهر بأحد عشر جيلًا. وبالطبع كان يمكن اختيار أي جيل ليكون “جيل الصفر”، لكن قصي معروف على نطاق واسع ومناسب.

    وهذا التنظيم الجيلي يعمل على نحو جيد على نحو مدهش من جهة الاتساق، كما يبيّن المثال التالي. فالأخوان سعد وأسامة، ابنا عبد الله بن قيس، قُتلا كلاهما في وقعة الحرة سنة 683م. وكان هذان الرجلان قريبين بعيدين جدًا، ومغمورين، من الشخصيتين الرئيسيتين في تلك الوقعة، وهما يزيد الأول وعبد الله بن الزبير، ويتصلان بهما عبر لؤي بن غالب بن فهر، من الجيل الرابع قبل قصي. ورغم هذا البعد الهائل بينهما وبين الجد المشترك، مات الأخوان بوصفهما من الجيل 8، في حين كان يزيد الأول وابن الزبير من الجيلين 7 و6 على الترتيب. وهذا توزيع جيلي موثوق تمامًا بالنسبة إلى رجال اشتركوا في معركة واحدة (إذ لا يُذكر أن الرجلين المقتولين كانت لهما ذرية في نسب قريش، ومن ثم فالأرجح أنهما كانا شابين)، وهو شهادة أخرى على الصلابة المدهشة للتقليد النسبي، إذ استطاع أن يربط الرجال الأربعة جميعًا بجد عاش قبلهم بأكثر من 300 سنة، مع عدد متسق من الروابط الجيلية. وهذا أشد إثارة إذا لاحظنا أن “اختزال الأنساب” (أي تقصيرها مع نسيان بعض الأعضاء) سمة شائعة في سلاسل النسب كما لاحظها علماء الأنثروبولوجيا.

    ومثال آخر يبين عمل النظام الجيلي يستخدم محمدًا وأصحابه. فالجدول التالي يبين عددًا من مشاهير المسلمين الأوائل، والجيل الذي يندرجون فيه، وعدد الأجيال التي تفصلهم عن جدهم المشترك مع محمد:

    الجدول 1.3: مقارنة درجات التباعد

    • محمد بن عبد الله — الجيل 5 — درجة التباعد: لا ينطبق — السنوات التقديرية من الجد المشترك: لا ينطبق
    • أبو بكر الصديق — الجيل 5 — درجة التباعد: 7 — نحو 210 سنوات
    • عمر بن الخطاب — الجيل 6 — درجة التباعد: 9 — نحو 270 سنة
    • عثمان بن عفان — الجيل 6 — درجة التباعد: 5 — نحو 150 سنة
    • علي بن أبي طالب — الجيل 5 — درجة التباعد: 2 — نحو 60 سنة
    • طلحة بن عبيد الله — الجيل 5 — درجة التباعد: 7 — نحو 210 سنوات
    • الزبير بن عوام — الجيل 5 — درجة التباعد: 5 — نحو 150 سنة

    ومرة أخرى، فعلى الرغم من أن الجد المشترك يقع في بعض الحالات في عدد من الأجيال أبعد بكثير من مدى الذاكرة النسبية كما لاحظها علماء الأنثروبولوجيا، فلا توجد شذوذات فاحشة فيما يتعلق بالجيل الذي يقع فيه هؤلاء الرجال.

    إن استخدام الأجيال بوصفها نظام التأريخ الأساس في بحث عن التغير الاجتماعي في الإسلام المبكر أمر غير مألوف -مع أنه استُخدم على نحو عام عند بولييت في Conversion to Islam-، وقد يتبين في نهاية المطاف أنه غير كافٍ مع تقدم البحث. لكن في مستوى الدراسة الحالي لا يبدو أن له عيوبًا خطيرة بعد، وبما أن موضوع هذا البحث هو تقصي الاتجاهات الاجتماعية على المدى الطويل، فقد يكون غياب التواريخ فائدة، لأنه يجبرنا على التفكير بعقلية أقل انشغالًا بالتسلسل سنةً سنة، وأكثر انشغالًا بالتغيرات الجيلية.

    وفوق هذا ينبغي أن يلاحظ أن إدخال البيانات يتطلب قدرًا من الحكم التقديري. فليست كل مقاطع نسب قريش في وضوح المثال المذكور أعلاه؛ إذ يصعب أحيانًا تحديد جنس الطفل، أو تحديد وضع أمه. وفي هذه الحالات تُثبت ملاحظة، ثم تُستبعد هذه المعلومات من السجل. ولا توجد في مثل هذا النوع من بناء قواعد البيانات أحكام مطلقة، ومن المؤكد أن باحثًا آخر يطرح الأسئلة نفسها سيختلف مع بعض القرارات المتخذة هنا. وقاعدة البيانات هي، من وجهٍ ما، “تحقيق” لعمل ما -تحقيق ليس نهائيًا في صوابه أو خطئه، بل هو تفسير ينبغي إعادة صياغته وتعديله مع تغير الظروف.


    القسم الثالث: إلى أي مدى يمثل نسب قريش علاقات الزواج عند قريش كما ترد في الأدب الأوسع؟

    من الواضح حتى من قراءة سريعة لـ نسب قريش أنه يحتوي على معلومات عن الزواج أكثر بكثير من غيره من الأعمال النسبية، لكن لما كانت مسألة التمثيل شديدة الأهمية، فلا بد أن نعطيها مزيدًا من التفكير. فإذا اتضح أننا نحصل على نتائج مختلفة حين نطبق منهجيتنا على مصادر أخرى لمعلومات الزواج، فإن البحث هنا لن يكون بروسوبوغرافيا حقيقية، بل مجرد لمحة ذات طابع إحصائي عن التأريخ. وسيقرر هذا القسم أنه لا توجد أسباب تدعو إلى القلق من هذه الجهة؛ كما سيشتمل أيضًا على قصة تحذيرية للبروسوبوغرافيين الذين يذهبون بعيدًا بسرعة أكبر مما ينبغي.

    وسيُعالج سؤال التمثيل بطريقتين. الأولى: إثبات مدى اتساع اهتمام الزبيري النسبي مقارنةً بغيره من المؤرخين؛ وبعبارة أخرى، أي الأفراد المسمَّين يمكن العثور عليهم في نسب قريش ولا يظهرون في أعمال أخرى، والعكس بالعكس. والثانية: تقصّي الزيجات كما سُجلت في الأعمال التاريخية غير النسبية على نحو أضيق. وفي كلتا الحالتين (الأسماء والزيجات) سيتضح أن نسب قريش هو العمل الأنسب لتحقيقنا، وأن الدراسات المستقبلية التي تستخرج البيانات من مصادر أخرى ستكون -على الأرجح- متممةً وداعمةً لاستنتاجاتنا لا ناقضةً لها.

    وفيما يتعلق بالسؤال الأول، ستُقارن عينة من نسب قريش بمصادر خارجية من أجل تحديد مدى تمثيله للمدونة التاريخية ككل. والمقطع المختار لهذه المقارنة هو ذاك الذي يورد نسل خلف بن وهب بن خذافة من بطن جُمَح من قريش. واختير هذا الفرع لأنه في أغلبه غير مثير للجدل؛ فلم يصبح سلالةً دينية أو سياسية مهمة في العصور اللاحقة (على خلاف العلويين أو الأمويين)، ومع أنه حالف بعض القبائل ضد بعض أثناء تاريخه، فذلك لا يختلف عن حال كثير من الأسر الأخرى. ومن ثم فلا سبب يدعو إلى الظن بأن انحيازات المؤلفين المختارين للمقارنة سيكون لها أثر مهم في كيفية ظهور هذا النسب في المصادر.

    وستكون الأعمال النسبية المختارة للمقارنة هي المقاطع ذات الصلة من جمهرة النسب لابن الكلبي وأنساب الأشراف للبلاذري (وقد توفي المؤلفان سنة 819/821 وسنة 892 على التوالي). وقد اختير هذان العملان لأنهما من عصر مبكر نسبيًا، ولأن استخراج بيانات فروع النسب منهما سهل بسبب تنظيمهما الجينيالوجي. وبالطبع توجد أعمال كثيرة أخرى كان يمكن اختيارها للمقارنة، لكن قائمة المرشحين واسعة، وكل ما نريد إثباته هنا هو بعض أسباب الثقة في المقاربة. وستُعرض النتائج في صورة جدول يبين بوضوح اهتمام كل عمل من حيث الأفراد الذين يظهرون فيه بوصفهم فاعلين (أي لا مجرد أسماء تظهر وصلات في السلاسل الأبوية).

    أما التحقيق الثاني فسيكون في سلوك الزواج كما سُجل في الأعمال التاريخية غير النسبية. وهذا سيكون عملًا ضخمًا، لأنه يقتضي إنشاء قواعد بيانات مماثلة من جميع المدونات التاريخية العربية، لذلك سيُقترح طريق مختصر. وهذا الطريق المختصر يُقارن بيانات الزواج في نسب قريش بمعلومات الزواج كما سجلها Asad Ahmed في كتابه الحديث The Religious Elite، وهو عمل بروسوبوغرافي يستند إلى طيف واسع من المصادر التاريخية (بما فيها نسب قريش وغيره من كتب الأنساب) لتفصيل سلوك الزواج في خمس أسر قرشية بارزة. وستكشف هذه المقارنة عن درجة عالية من الارتباط بين نسب قريش وبين الزيجات المسجلة في هذا العمل الحديث الشامل. وكل هذا سيثبت أن لدينا أسبابًا جيدة للاعتقاد بأن بيانات الزواج في نسب قريش تمثل البيانات الموجودة في التقليد التاريخي الإسلامي عمومًا.

    مقارنة الأفراد المسمّين مع المصادر العربية الأخرى

    الجزء الأبسط من هذا التحقيق هو العثور على الأسماء التي تظهر في نسب قريش ولا تظهر في المصادر الأخرى. والفئة الأساسية للمقارنة هي المجموعة المؤلفة من جميع أحفاد خلف بن وهب المذكورين بالاسم في المقطع ذي الصلة من نسب قريش (الصفحات 387–393 في النسخة المحققة). وتظهر هذه الأسماء في العمود الأول من الجدول الآتي. ثم تُطلب الإشارات إلى هذه الأسماء في المقاطع المناظرة من جمهرة النسب (الصفحات 95–97) وأنساب الأشراف (المجلد 9، الصفحات 6–15). وتُنظَّم الأسماء بحسب مواضع ظهورها في نسب قريش، وتُعطى أرقام الصفحات التي تشير إلى المواضع المهمة. وإذا لم توجد إشارة، تُترك الخانة فارغة.

    الجدول 1.4: ظهور أحفاد خلف بن وهب في الأدبيات التاريخية

    يورد المؤلف بعد ذلك قائمة طويلة بالأسماء، ويقارن ظهور كل اسم في:

    • NQ = Nasab Quraysh
    • JN = Jamharat al-nasab
    • AA = Ansāb al-ashrāf

    ومن خلال هذه المقارنة يتبين أن نسب قريش يحفظ عددًا أكبر بكثير من الأسماء الفردية داخل هذا الفرع النسبي من بقية الأعمال.

    ثم تُحصى هذه البيانات، وتُعرض في صورة عدد مرات الظهور في الجدول التالي:

    الجدول 1.5: مواضع ظهور أحفاد خلف بن وهب في بعض المصادر التاريخية المختارة

    • نسب قريش (NQ): 50 فردًا مسمىً
    • جمهرة النسب (JN): 18 فردًا مسمىً
    • أنساب الأشراف (AA): 18 فردًا مسمىً

    ويعلّق المؤلف بأن نسب قريش يحتوي على أكثر من ضعف عدد الأفراد الذين تتضمنهم الأعمال الأخرى؛ ومن الواضح أنه أكثر شمولًا بكثير من هذه الجهة.


    الأسماء الموجودة في المصادر الخارجية وغير الموجودة في نسب قريش

    ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الجانب الثاني من هذا التحقيق الأول، أي العكس: العثور على أعضاء هذا الفرع النسبي الذين يظهرون في جمهرة النسب وأنساب الأشراف ولا يظهرون في نسب قريش. ثم يورد أسماءهم وإحالاتهم الصفحية. ومن هذه الأسماء:

    • جعيد بن أمية بن خلف بن وهب
    • حجير بن جعيد بن أمية بن خلف بن وهب
    • عتاب بن أسيد
    • محمد بن صفوان بن عبيد الله بن عبد الله بن أُبيّ بن خلف بن وهب

    ثم يجمع المؤلف الأسماء الواردة في الأعمال الثلاثة كلها، فيخلص إلى أن هذه المصادر تسمّي 54 فردًا من هذا الفرع النسبي. ويمكن عندئذٍ التعبير عن مقدار تمثيل كل عمل لهذا العدد الكلي في صورة نسبة مئوية:

    الجدول 1.7: نسب تمثيل أحفاد خلف بن وهب في أعمال مختارة

    • نسب قريش (NQ): 50 فردًا = 92.59% من المجموع الكلي
    • جمهرة النسب (JN): 22 فردًا = 40.74%
    • أنساب الأشراف (AA): 20 فردًا = 37.04%

    ومع أن هذه العينة ليست كبيرة جدًا، فإنها تؤكد ما يبدو واضحًا لكل من يقرأ نسب قريش ويقارنه بما في غيره: هناك احتمال قوي أنه يحتوي على معلومات اسمية عن قريش أكثر من أي مصدر منفرد آخر، بل وربما أكثر من كل المصادر الأخرى مجتمعة.


    مقارنة بيانات الزواج بالمصادر الخارجية

    ويصبح نسب قريش أكثر تميزًا حين ننظر إلى بيانات الزواج وحدها. فـ جمهرة النسب لا تقدم أي معلومات عن الزواج لهذا الفرع النسبي في القسم الذي جرى تحليله، وأنساب الأشراف ليس أفضل بكثير؛ إذ يورد معلومات عن الأمهات في ثلاث مناسبات فقط. أما نسب قريش فيتفوق عليهما كثيرًا من هذه الناحية، إذ يسمّي 22 أمًّا لهذا الفرع.

    لكن هذا لا يعني بالضرورة أن نسب قريش مصدر ممثل حقًا لسلوك الزواج؛ فقد يكون ببساطة أن أنساب الأشراف وجمهرة النسب ضعيفان على نحو فريد في هذا الباب. ولحسن الحظ، يمكن إقامة حجة على تمثيلية نسب قريش بفضل صدور كتاب حديث ينظر بتفصيل في أنماط الزواج لدى خمس أسر قرشية، وهو The Religious Elite of the Early Islamic Ḥijāz لأسد أحمد. وهذا الكتاب مستند إلى طيف واسع من المدونات التاريخية العربية -بما في ذلك كتب النسب- ومهتم أساسًا بمسألة الزواج. وهذا يتيح لنا وسيلة أخرى لتقييم شمول نسب قريش من حيث بيانات الزواج، عند مقارنته بالتقليد التاريخي كله.

    والمقارنة هنا ستكون بين زيجات خمسة شخصيات مؤسسة بنى عليها أحمد كتابه، وهم:

    • سعد بن أبي وقاص
    • عبد الرحمن بن عوف
    • طلحة بن عبيد الله
    • عثمان بن عفان
    • علي بن أبي طالب

    وجميعهم شخصيات بارزة في التاريخ الإسلامي المبكر، كما أن سلوكهم الزوجي حاضر في نسب قريش.

    وفيما يلي يحلل المؤلف عدد النساء المسمَّيات اللاتي يُقال إن كل واحد من هؤلاء الرجال تزوج بهن، وعدد الأطفال من كل جنس الذين أُنجِبوا من كل واحدة من هؤلاء النساء. ويلاحظ أن هذه المقارنة فيها بعض الصعوبة، لأن عمل أحمد ليس عملًا إحصائيًا، بل على القارئ أن يجمع البيانات بنفسه؛ كما أن الأرقام التي يوردها أحمد نفسه تكون أحيانًا غير صحيحة. ومع أن بعض هذه الأخطاء كُشف، فقد تكون هناك أخطاء أخرى تؤثر قليلًا في نتائج هذا التحقيق.

    ثم يورد النتائج في الجدول الآتي:

    الجدول 1.8: مقارنة الزوجات والأبناء لفئة من العصر الإسلامي المبكر كما سُجلوا في نسب قريش وفي The Religious Elite

    1) سعد بن أبي وقاص

    • عدد الزوجات المسمَّيات في The Religious Elite: 10
    • عدد الزوجات المسمَّيات في نسب قريش: 3
    • عدد الأطفال من الزوجات المسمَّيات في The Religious Elite: 34 (منهم 17 ابنًا)
    • عدد الأطفال من الزوجات المسمَّيات في نسب قريش: 4 (منهم 4 أبناء)

    2) عبد الرحمن بن عوف

    • عدد الزوجات المسمَّيات في The Religious Elite: 13
    • في نسب قريش: 12
    • عدد الأطفال في The Religious Elite: 27 (منهم 20 ابنًا)
    • في نسب قريش: 16 (منهم 14 ابنًا)

    3) طلحة بن عبيد الله

    • عدد الزوجات المسمَّيات في The Religious Elite: 6
    • في نسب قريش: 6
    • عدد الأطفال في The Religious Elite: 12 (منهم 10 أبناء)
    • في نسب قريش: 11 (منهم 9 أبناء)

    4) عثمان بن عفان

    • عدد الزوجات المسمَّيات في The Religious Elite: 7
    • في نسب قريش: 8
    • عدد الأطفال في The Religious Elite: 21 (منهم 10 أبناء)
    • في نسب قريش: 17 (منهم 9 أبناء)

    5) علي بن أبي طالب

    • عدد الزوجات المسمَّيات في The Religious Elite: 7
    • في نسب قريش: 7
    • عدد الأطفال في The Religious Elite: 19 (منهم 13 ابنًا)
    • في نسب قريش: 15 (منهم 10 أبناء)

    ويقرر المؤلف أنه بالنسبة إلى أغلب هذه النتائج، توجد درجة عالية من الارتباط بين الأرقام المستخرجة من مصادر متعددة (أي كتاب أحمد) وبين الأرقام المستخرجة من مصدر واحد (أي نسب قريش). وحيث توجد فروق، فهي في عدد من الحالات ترجع إلى أن أحمد وجد زيجات أو روابط أمومية غامضة ومحل شك -باعترافه هو- في إشارات معزولة. وفي حالات أخرى يكون الخلاف متعلقًا بأمور طفيفة نسبيًا، مثل كون الطفل أنثى أو كونه مات صغيرًا بلا عقب.

    لكن هناك مجالين لا تتطابق فيهما البيانات على هذا النحو الجيد. فبعض أرقام عبد الرحمن بن عوف تبدو منحرفة قليلًا؛ إذ يفشل نسب قريش في تسجيل زواج واحد وما نتج عنه من سبعة أولاد، مع أن ذرية هؤلاء الأولاد تعود للظهور بعد عدة أجيال. وقد يكون هذا ثغرة في نسب قريش، لكن لا يمكننا أن نستبعد احتمال التزوير النسبي؛ إذ إن أبناء هذا الزواج يختفون إلى حد كبير من السجل التاريخي، ثم تعود ذريتهم للظهور في أوائل العصر العباسي، وهذه ليست سمة مألوفة في كثير من الأسر الأخرى. وعلى أي حال، فإن المقاربة الكمية المتبعة في هذه الأطروحة تضمن أن الخلافات العرضية من هذا النوع لن تُحدث فرقًا جوهريًا.

    أما حالة سعد بن أبي وقاص فهي أشد خطورة؛ فهناك سبع زوجات كاملات مفقودات من القسم ذي الصلة في عمل الزبيري، ومعهن عدد مذهل يبلغ 30 ولدًا مفقودًا. وهذا قد تكون له آثار خطيرة على هذا البحث، لأنه يضعف الثقة التي نملكها في نسب قريش بوصفه عملًا ممثلًا للمعلومات النسبية المحفوظة في المدونة التاريخية العربية كلها.

    لكن لحسن الحظ، حين ننظر عن كثب إلى زيجات سعد كما حفظتها المدونات التاريخية، نجد أن الاقتصار على نسب قريش يحسن في الحقيقة من جودة المعلومات المجموعة. فظهور سعد في الأدب الخارجي يمكن إظهاره سريعًا على أنه مضطرب ومتناقض وغير موثوق.

    ويشير أحمد نفسه إلى عدد من الأسباب التي تدعو إلى الظن بأن حتى نسب سعد القريب الأجل نفسه مشكوك فيه، ولا سيما فيما يتعلق بوجود أبيه وتسمية هذا الأب. ففي واقعة لافتة، يرد حديث يقترب فيه سعد من محمد ويسأله: “من أنا؟” فيجيبه النبي: “أنت سعد بن مالك بن أهيب… ولعنة الله على من قال غير ذلك.” ويرى أحمد أن هذا الحديث يعود إلى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، ويجادل بأن الأمر إما أن يتعلق بشيء من الاضطراب حول اسم أبي سعد، وإما أن سعدًا لم يكن قرشيًا أصلًا، وأن إدخاله في نسب قريش يعود إلى نقطة ما بين النصف الثاني من القرن الأول والنصف الأول من القرن الثاني الهجريين. كما يلاحظ أحمد أن الشكوك في كون سعد ذا أصل عربي جنوبي قد وردت أيضًا في ديوان حسان بن ثابت.

    وهناك أسباب أخرى تدعو إلى التعامل مع نسب سعد بحذر. فـ نسب قريش يتبع عادة بنيةً صارمة نوعًا ما في تقديم الأجيال؛ فالمعلومات الأمومية تُعطى في العادة لكل شخص حتى جيل أحفاد محمد (الجيل 7)، وبعد ذلك تصبح كثير من السلاسل أبوية فقط. أما مدخل سعد فهو غير مألوف، إذ يتوقف النسب الأمومي قبل جيلين منه -أي لا يُخبرنا الكتاب من هي أمه، ولا من هي أم أبيه-، ثم مع ذلك يخبرنا من هن أمهات أولاد سعد وأحفاده. وهذا غير مألوف. وغير مألوف أيضًا أن اسم أبيه لا يظهر في الموضع الذي يورد زوجات الجد وأولاده.

    والمشكلات لا تتوقف عند هذا الحد. فبحسب حساب أحمد، أنجب سعد 35 ولدًا. وهذا عدد كبير بالتأكيد، وإن لم يكن في ذاته مستحيلًا. لكن المشكلة أن هذا يعني أن رجلًا يبدو أنه واجه تحديات في سوق الزواج أنجب أولادًا -بمن فيهم أولاد من السراري- أكثر من أي شخص آخر مسجل في نسب قريش؛ أكثر من أي خليفة أو صحابي أو قريب مقرب من محمد. بل إن ثاني أعلى رقم هو 33 ولدًا لعلي بن عبد الله بن عباس، وهو شخص قد تكون صورته في السجل التاريخي قد تأثرت بدعاية الدعوة العباسية وبالأسطرة اللاحقة. وفوق ذلك، أغفل أحمد واحدة من زيجات سعد وما نتج عنها من ولد، وهي موجودة في نسب قريش، مما يعني أن سعدًا ينبغي أن يكون قد أنجب 36 ولدًا من 12 زوجة. كما أن زوجاته الاثنتي عشرة تجعله -مع عبد الرحمن بن عوف- أكثر الرجال القرشيين إنجابًا من نساء حرائر مسميات.

    وتتعقد هذه المشكلات أكثر حين ننظر إلى تفاصيل هذه الزيجات كما يوردها أحمد. فالمصادر الأولية، كما يقول المؤلف، فوضى مربكة، ويزيد أحمد الأمر سوءًا بإصراره على أخذ هذه المعلومات على ظاهرها. فنجد مثلًا أن إحدى الزيجات من امرأة غير مسماة، التي يوردها أحمد، مستخرجة من خبر رجل أندلسي ادعى أنه من الجيل السابع من ذرية سعد، وقد وُلد سنة 352هـ / 963–964م. ووفقًا لتقدير أحمد نفسه، الذي يجعل الفاصل الجيلي 20 سنة، فإن الحفيد من الجيل السابع ينبغي أن يكون قد وُلد بعد 140 سنة من ولادة سعد (نحو 600م)، أي في النصف الثاني من القرن الثامن، لا في القرن العاشر. وحتى إذا أخذنا بالتقدير الأكثر سعة في هذه الأطروحة، وهو 30 سنة للجيل، فنحن لا نصل إلا إلى أوائل القرن التاسع، أي ما يزال التاريخ متقدمًا بنحو 150 سنة عما ينبغي. وفي موضع آخر يقول أحمد إن إسحاق هو أكبر أولاد سعد، بينما يذكر قبل صفحات قليلة أن عائشة هي الأكبر. وفي مواضع أخرى يلاحظ الاضطراب في بيانات الزواج، لكن هذه الزيجات الضعيفة التوثيق تُستخدم مع ذلك جنبًا إلى جنب مع الزيجات التي لدينا بشأنها تقارير أكثر اتساقًا بكثير. وكل هذه العوامل مجتمعة تشير إلى أن كثيرًا من المعلومات التي نملكها عن زيجات سعد بن أبي وقاص كما وردت في The Religious Elite -وبالتبع في المصادر الخارجية التي اعتمد عليها- إشكالية على نحو عميق.

    وكل هذا يوضح أن نسب قريش هو أفضل مصدر للمعلومات عن بيانات الزواج القرشي في الفترة 500–750م. صحيح أنه لا يسجل كل زواج، لكنه يحتوي على بيانات زواج قرشية أكثر من أي مصدر واحد آخر، وكما أظهرت حالة سعد بن أبي وقاص، فالأفضل هو الاشتغال على مصدر واحد بطريقة نقدية بدلًا من إدخال مصادر كثيرة على نحو غير نقدي. كما سيظهر في سائر هذه الأطروحة أن البيانات التي يوردها نسب قريش -حين لا يمكن التحقق منها في مصادر أخرى- تكون متسقة داخليًا ومعقولة حين تُحلل من حيث الاتجاهات العامة. وإضافة إلى ذلك، فمع أن هناك بالتأكيد سجلات خاطئة في نسب قريش، فإن المقاربة الكمية تقلل أثرها. وباختصار، فنحن محقون في الاعتقاد بأن النتائج المستخلصة من التحليل الإحصائي لهذا العمل لن تُقلب بمجرد تطبيق التحليل نفسه على مصدر آخر أو مجموعة أخرى من المصادر.


    استطراد: نقد البروسوبوغرافيا

    ثمة نقطة أوسع ينبغي إثارتها هنا حول كيفية قراءة الدراسات البروسوبوغرافية والإحصائية. فبطبيعتها تحتوي دراسات مثل كتاب أحمد على كميات كبيرة من المعلومات المفككة السياق، والمستخرجة من مصادر متعددة، ولذلك تكون إمكانية تسلل الأخطاء إليها أكبر بكثير من دراسة تستخدم مقاربات مقارنة أدبية أكثر شيوعًا وتولي السياق اهتمامًا كبيرًا. وهذا ليس بالضرورة مشكلة؛ لأن العمل، بحكم طبيعته، مقاربة كمية، ووجود عدد قليل من السجلات التي قد يراها باحث لاحق مشكوكًا فيها لا يهدم بالضرورة النتائج العامة.

    ولذلك فإن النقد الجيد يركز فقط على الأخطاء التي تُحدث أثرًا ماديًا في الاستنتاجات المستخرجة من البيانات. وهذا هو الحال بالتأكيد مع أحمد؛ إذ إن حجته العامة هي إثبات أن سلوك سعد الزوجي يكشف عن مناوراته السياسية. لكن حين نلقي الشك على هذا العدد الكبير من الزيجات، ونبرز الطريقة المتساهلة التي أُديرت بها البيانات، فإن هذه الحجة تُقوَّض قوضًا قاتلًا. وهذا لا يبطل الكتاب كله، لأن الفصول المتعلقة بقرشيين آخرين تبدو قائمة على أسس أصلب. ويبدو أن أحمد كان سيكون أفضل حالًا لو أنه حذف سعدًا من الأصل.

    كما أن الأخطاء التي وقع فيها أحمد تبرز قوة المقاربة المنهجية المتبعة في هذه الأطروحة. فالتحليل الكمي يجعل العدد المدهش من الأولاد الذين نُسبوا إلى سعد يبدو كما هو: حالة شاذة. ولأن دراسة أحمد لم تُحصِ الأولاد والزوجات ولم تقارنهم بأرقام شخصيات أخرى من الفترة نفسها، فقد فاته دليل مهم على احتمال وجود مشكلات في صدقية السجلات النسبية لهذه الأسرة. كما أن استخدام مصدر واحد يتيح لنا أن نطور فهمًا أفضل بكثير لبنيته وأساليبه، مما يساعدنا في التعرف إلى المعلومات المريبة؛ وهو أمر أصعب بكثير عند استخدام طيف واسع من المصادر كما فعل أحمد.


    الخاتمة

    في نهاية هذا الفصل يتضح أن هويلاند كان محقًا: فإن تقليد النسب بالفعل شاهد على درجة مذهلة من الذاكرة التاريخية، ويمكن إظهار أنه يمتد إلى أكثر من ثلاثة قرون. ومع أننا لن نذهب مع كرونه إلى حد القول إن دراسة التاريخ الإسلامي المبكر يجب أن تكون بروسوبوغرافية على نحو حصري، فإن لدينا أسبابًا كثيرة تدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذه مقاربة قادرة على تقديم إضافات مقنعة إلى السردية التاريخية القائمة.

    لكن إذا كانت الحجة السابقة قد نجحت، فذلك فقط لأننا ضيقنا مجال اهتمامنا إلى أنواع معينة من الذاكرة النسبية، وفكرنا في أي المقاربات البروسوبوغرافية أصلح لطبيعة هذه البيانات. فالنسب يكاد يكون مرادفًا للتزوير في طائفة واسعة من السياقات التاريخية والأنثروبولوجية، ولهذا كان علينا أن نفسر كيف يمكن أن نستخدمه مع ذلك لإنتاج سردية تاريخية وضعية. وقد استند التفسير أعلاه أساسًا إلى الملاحظة الأنثروبولوجية القائلة إن البشر قادرون على تذكر الروابط النسبية بدقة حتى ثلاث إلى خمس طبقات من الأجداد، انطلاقًا من أكبر أعضاء القبيلة سنًا. أما الكيفية الدقيقة التي جاء بها العرب إلى تدوين هذا النسب فستكون موضوع الفصل التالي المتعلق بالتأريخ؛ أما هنا فيكفي القول إن من الممكن أن يكون العرب قد سجلوا أنسابهم بدقة، بخلاف المادة التي دخلت في مدونتي الحديث والخبر، والتي كانت ستحتاج إلى قدرات شبه معجزة على استدعاء المعلومات لكي تكون أكثر من مجرد تشابه عام مع الأحداث التي تزعم روايتها.

    وبعد تقرير هذه الحجة انتقل المؤلف إلى منهجه البحثي. فالمناهج البروسوبوغرافية لا تكون جيدة إلا بقدر جودة البيانات التي تقوم عليها، ومن هنا اختير التركيز على سلوك الزواج. ومن خلال تحويل المعلومات الأمومية إلى بيانات زواج، أمكن إنشاء قاعدة بيانات واسعة بما يكفي لتقليل أثر السجلات المشكوك فيها، لكنها في الوقت نفسه محددة بما يكفي لتقول شيئًا مهمًا عن الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في القرنين المحيطين بظهور الإسلام. وأكبر تحدٍّ لهذه المقاربة هو الوقت الطويل الذي يتطلبه جمع البيانات بدقة. ولهذا السبب حُدِّد مصدر البيانات في عمل واحد، هو نسب قريش، الذي يحتوي على قدر كبير من معلومات الزواج في صيغة مباشرة جدًا.

    وهناك أخطار في الاعتماد على مصدر واحد، ومن أهمها خطر ألا يكون ممثلًا للتقليد كله. لكن من خلال أخذ عينة من نسب قريش ومقارنتها بالمعلومات المسجلة في أعمال أخرى، تبيّن أن كتاب الزبيري هو بسهولة أشمل مصدر من حيث تسجيل بيانات الزواج. ومع أنه بالتأكيد لا يحتوي على كل زواج قرشي له أثر في الرواية، فإنه يحتوي على كمية كافية بدرجة عالية من الدقة لأغراض هذه الدراسة.

    وقد ظهرت أخطار عدم تعريف البيانات الموثوقة تعريفًا ضيقًا، والغموض في المنهجية، بوضوح في نقد بحث أحمد عن سعد بن أبي وقاص. ففي هذه الحالة، جعل استخدامُ مصادر متعددة حجته أضعف لا أقوى، لأنه لم يطبق أي وسيلة للتمييز بين أنواع البيانات التي كان يستخرجها. وكانت النتيجة أن البيانات التي تواترت عليها الرواية أُعطيت القيمة نفسها التي أُعطيت لمعلومات متناقضة، وفي بعض الحالات مزورة بوضوح.

    وبطبيعة الحال، لا يمكننا أبدًا أن نأمل بظهور معيار بسيط يمكن تطبيقه على جميع المصادر بحيث يسمح لنا بفصل “البيانات الجيدة” من “البيانات الرديئة”، فالمصادر متنوعة جدًا بحيث لا تسمح بهذا. وبدلًا من ذلك، ينبغي أن تكون مقاربتنا هي أن نزيد فهمنا لكل مصدر ولكل فئة بيانات على نحو منهجي، قبل أن نحللها بطريقة تتيح لنا بسهولة أن نميز بين الأعمال الأصلية التي صدرت عنها إن احتجنا إلى ذلك. أما مجرد جمع كمّ هائل من البيانات المفككة السياق من أجل الجمع نفسه، فلن ينتج أبدًا نتائج مقنعة.

    إن مجال الخلط والاضطراب في هذا الميدان واسع، وبينما لا نزال في هذه المراحل التمهيدية، فإن الدراسة التي تنظر أساسًا في بيانات الزواج كما وردت في مصدر واحد لا ينبغي الحكم عليها بأنها محدودة؛ إنها ببساطة الطريقة الأكثر منطقية للمضي قدمًا بناءً على فهمنا الراهن للمصادر. وكما أظهر نقد أحمد، فإذا أسرعنا كثيرًا وذهبنا بعيدًا أكثر مما ينبغي، فقد نجد أنفسنا نتعثر بسهولة. وقد ثبت أن نسب قريش هو أفضل مصدر لبيانات الزواج، لأنه منظم تنظيمًا مريحًا، وقصير نسبيًا، وذو مصداقية، وأكثر شمولًا من سواه. وعلى هذا الأساس، أصبحنا الآن في موقع يتيح لنا تقديم تحليل تأريخي مبني على سياق الكتاب ومؤلفه.


    الفصل الثاني: تأريخ تقليد النسب

    المقدمة

    بدا واضحًا الآن مدى مركزية نسب قريش للزبيري في بناء قاعدة البيانات التي تشكل قلب هذه الأطروحة. ولذلك فمن الضروري أن نفهم موضع هذا العمل داخل جنسه الأدبي: تقليد النسب.

    وفي أوسع معانيه، فإن تأريخ تقليد النسب هو علم الأنساب كما كتبه العرب والشعوب الإسلامية. وهذه نقطة بداية إشكالية لعدة أسباب. أولًا، إن المفهوم العربي لـ “النسب” لا يُترجم ترجمة مباشرة إلى “الأدب الجينيالوجي”، لأن الأيديولوجيات المرتبطة بالقرابة كانت تنفذ في المجتمع العربي قبل الإسلام وفي صدر الإسلام بدرجة أعظم بكثير مما هي عليه في غيره من المجتمعات، ولا سيما تلك التي لها تقاليد كتابية قديمة. ونتيجة لذلك، فإذا تعاملنا مع تأريخ النسب كما نتعامل مع تأريخ أي جنس أدبي آخر -أو حتى الجنس نفسه في سياق غير عربي- فإننا نصطدم سريعًا بإشكالات غير تافهة. فمجرد كتابة اسم ما يمكن أن يُعد -جدلًا- صورة من صور كتابة النسب، بالنظر إلى العرف العربي الشمالي في ذكر أسلاف الشخص مع اسمه الأول؛ ومن ثم قد يبدو أن الأدب النسبي يمتد، تقنيًا، إلى أول ظهور نقشي لاسم عربي على هذه الصورة. لكن من الواضح أن ثمة فرقًا بين الشخص الذي حفر اسمه في صخرة صحراوية -وهو يتبع مجرد عرف شائع- وبين مقدار الوكالة التأليفية التي أظهرها الزبيري حين ألّف نسب قريش.

    كما أن هناك مشكلة ثانية، وهي أن الموضوع المركب أصلًا، وهو أدب النسب، لم يُعالج جيدًا في الدراسات الأكاديمية الحديثة التي لم تدمج تعقيدات هذا الجنس الأدبي في تحليلها التأريخي. فالأعمال التي تُنسب عادة إلى جنس النسب -وهذا يشمل في الغالب كل عمل في عنوانه لفظ نسب ومشتقاته- تنتمي في الحقيقة إلى عدة فئات فرعية متميزة. ولكل فئة فرعية منها قصتها التأريخية الخاصة، لكن هذا الجزء من القصة لا يُعالج إلا معالجة سريعة، على الرغم من أن هذه الفئات الفرعية قد عرفها المعاصرون للنسابين أنفسهم، كما عرفها معظم الباحثين المحدثين. ولذلك فإن مناقشة نسب قريش ومؤلفه لا يمكن أن تبدأ قبل أن ننجز هذا التمييز أولًا.

    سأكمل في الرسالة التالية باقي مقدمة الفصل الثاني: تعريف النسب، وأنواعه الفرعية، وخصائص “التاريخ المنظَّم نسبياً” ثم بدايات هذا الفن وتراجعه

    تعريف النسب و«التاريخ المنظَّم نسبيًا»

    إن فكرة أن النسب قد يدل على أكثر من نوع واحد من العمل الأدبي ليست جديدة. فعندما أتم الزبير بن بكار كتابه جمهرة نسب قريش وأخبارها، مازحه أحد أصدقائه قائلًا إن الكتاب ليس كتاب نسب أصلًا، بل هو مجموعة أخبار. كما لاحظ كثير من الباحثين المحدثين أيضًا وجود أكثر من نوع واحد من العمل داخل جنس النسب. ومن هؤلاء خالدِي والدوري وروزنثال وليدر، وكلهم ميّزوا بين أساليب كتب النسب عند البلاذري والزبير بن بكار من جهة، وبين أعمال ابن الكلبي والزبيري الأقدم من جهة أخرى.

    لكن هذه الأنواع الفرعية لا تحمل عناوين ثانوية واضحة، ولا حتى تعريفات منضبطة على نحو متسق. ومعظم الباحثين المحدثين يتبعون صديق الزبير بن بكار، فيصفون أعمالًا مثل أنساب الأشراف للبلاذري بأنها أعمال أخبار ذات تنظيم نسبي. ويذهب بيكر وروزنثال أبعد قليلًا، فيصفان أنساب الأشراف بأنه طبقات على طريقة ابن سعد، لكنه مرتب ترتيبًا نسبيًا. وفي معظم الحالات، تُعد جمهرة النسب لابن الكلبي هي العمل الجينيالوجي “الحقيقي” والأصيل الذي تفرعت منه الأشكال البديلة.

    وفوق هذه الأنواع، أنتج المجتمع الإسلامي أعمالًا أخرى وُصفت بأنها أنساب، لكنها كانت مختلفة في طبيعتها تمامًا عن الأعمال المذكورة أعلاه. ومن الأشكال الشائعة الأنساب النخبوية، التي كانت تركز تركيزًا ضيقًا على السلالات السياسية والدينية للأسر الكبيرة. ولم تكن العلاقات الممتدة تهمها، وكانت الأولوية فيها للتسلسل الزمني أكثر من الروابط النسبية. وكان هناك أيضًا نوع آخر شائع، هو السجلات النسبية للسادة والأشراف، أي ذرية محمد الذين عاشوا بوصفهم طبقة متميزة في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي. وكانت هذه السجلات تُحفظ من أجل التحقق من دعاوى من ينتسبون إلى هذه الفئة، كي ينالوا ما يترتب على هذا الانتساب من مزايا.

    ومع تطور هذا الحقل، قد يتبين أن هذه الأقسام الفرعية داخل مجال النسب نفسها تحتاج إلى مزيد من التفريع، لكن هذا التصنيف يكفي في المرحلة الحالية. وما يعنينا أساسًا هنا هو النوعان الأولان من الكتابة النسبية: أي الأعمال المنظمة وفق إطار نسبي صارم. وهذه هي ما يسميه المؤلف “التواريخ المنظمة نسبيًا”. وعلى الرغم من أن الفروق بين تحت-نوعي الأنساب الحقيقية (مثل جمهرة النسب لابن الكلبي) وأعمال الأخبار المنظمة نسبيًا (مثل أنساب الأشراف للبلاذري) فروق حقيقية، فإن ما يهمنا هنا هو أوجه الشبه بينهما أكثر من الفروق.

    وكما يدل الاسم، فإن البنية هي العنصر الأكثر أهمية في تمييز هذا النوع الفرعي. وصورته النموذجية تكون كالتالي: تبدأ الأعمال عادة بربط محمد بـ إسماعيل ابن إبراهيم عن طريق سلسلة نسب أبوية، ثم يُتبع ذلك بتفاصيل -أو أحيانًا مجرد أسماء- زوجات النبي وأبنائه وبناته. ولو كان لمحمد إخوة، لكانوا عولجوا في القسم التالي مباشرة، لكنه لم يكن له ذلك، ولذلك تنتقل السلسلة إلى جيل أعمامه. فيُختار عمٌّ، ثم تُذكر تفاصيل نسله. وبعد الفراغ من هذا الفرع يُختار عم آخر. فإذا انتهت فروع الأعمام، انتقل المؤلف إلى الأعمام الأجداد، ثم أعمام الأجداد الأكبر، وهكذا حتى يبلغ الشخصية المؤسسة للفرع النسبي. وفي نسب قريش يقف هذا عند فهر. أما الكتب النسبية التي تتناول العرب كلهم فلا تقف هنا، بل تستمر لتضم سائر القبائل العربية الداخلة في الإطار العلمي للمؤلف.

    ويستحق الملاحظة أن التواريخ من هذا النوع هي تجارب أدبية لم تطورها أو تقلدها إلا قلائل من الثقافات الأخرى المهتمة بالأنساب، وأن هذا الأمر كان معروفًا حتى عند المسلمين في العصور المتأخرة. وإذا جمعنا هذه البنية المبتكرة مع الكمّ الهائل من التفاصيل الموجودة في بعض هذه الأعمال -إذ يسمّي ابن الكلبي في جمهرة النسب نحو 35,000 شخص– وجدنا أنفسنا أمام إنجاز لا نظير له في التاريخ السابق للعصر الحديث. ولذلك يبدو مدهشًا نوعًا ما أن نجد ندرة الإشارة إلى هذه الفرادة في الدراسات الحديثة.

    وبناءً على ذلك، ينتقل المؤلف إلى النظر في القوى المختلفة التي أدت إلى حفظ المعرفة النسبية في صورة التاريخ المنظم نسبيًا. ومع أن هذا قد عولج إلى حد ما في الدراسات الثانوية، فإن تلك المعالجات غالبًا ما جعلت النسب تابعًا للتأريخ العام. أما هنا فسينظر في السياقات السياسية والدينية للفترة التي نشأ فيها هذا الجنس الأدبي، ثم سيقوّم الأثر النسبي لهذه العوامل في ظهوره.


    النسّابون: تحديد موقعهم الزمني

    أول ما ينبغي فعله هو وضع النسّابين في إطار زمني. ولأجل ذلك صاغ المؤلف الجدول 2.1 بالاعتماد على المعلومات الواردة في القسم من الفهرست لابن النديم الذي يتناول المؤرخين والنسابين. وقد استُخرج الأشخاص الذين ذكر ابن النديم أنهم ألّفوا كتابًا في عنوانه لفظ نسب أو أحد مشتقاته، مع تواريخ وفاتهم، وإحالات الصفحات، وبعض الملاحظات عن خلفياتهم. والأعمال الستة الباقية حتى اليوم كُتبت في الجدول بخط غامق. كما أُضيف إلى القائمة السدوسي وأبو عبيد القاسم بن سلام، لأن أعمالهما باقية ومنتمية إلى العصر نفسه، رغم أن ابن النديم لم يذكرهما.

    ويعترف المؤلف بأن في هذا الافتراض شيئًا من التوسّع، إذ إنه يفترض أن كل هذه الأعمال كانت من التواريخ المنظمة نسبيًا، لكنه يعد ذلك افتراضًا معقولًا، لأن جميع الأعمال الباقية من هذه الفترة التي تحمل في عناوينها لفظ نسب ومشتقاته منظمة بالفعل على هذا النحو. كما استبعد المؤلف الأعمال التي تؤرخ لأنساب أسر صغيرة، لأنه يرجح أنها لا تشترك بالضرورة في جميع خصائص التاريخ المنظم نسبيًا.

    ثم يورد الجدول 2.1: مؤلفو الأعمال النسبية كما وردوا في الفهرست، ومنهم مثلًا:

    • أبو يقظان سحيم بن حفص
    • ابن أبي مريم
    • ابن الكلبي
    • المدائني
    • ابن عبدة
    • محمد بن حبيب
    • ابن غنام الكلابي
    • غنوية السدوسي
    • الزبيري
    • الزبير بن بكار
    • الجهمي
    • عمر بن شبة
    • البلاذري
    • المكاولي
    • أبو الحسن النسابة
    • معرّج بن عمرو السدوسي
    • أبو عبيد القاسم بن سلام

    ثم ينتقل إلى ما يهمه فعليًا، وهو متى كان هؤلاء المؤلفون ناشطين. ولأجل ذلك يتتبع تواريخ الوفاة عبر الزمن. ومن هذه المعلومات يصوغ الجدول الآتي:

    الجدول 2.2: عدد وفيات النسّابين في كل ربع قرن بحسب الفهرست والأعمال الباقية

    • 775–799م: وفاة واحدة
    • 800–824م: أربع وفيات
    • 825–849م: أربع وفيات
    • 850–874م: خمس وفيات
    • 875–899م: وفاتان
    • العصور اللاحقة: واحد فقط (أبو الحسن النسابة، وكان حيًا وقت كتابة الفهرست)

    ويعرض ذلك أيضًا في الرسم البياني 2.1، الذي يبين تركز وفيات مؤلفي كتب النسب في النصف الأول من القرن التاسع، ثم تراجعًا بعد ذلك. ومن خلال هذا الاستعراض يخلص إلى أن بذور هذا الجنس لا بد أنها زُرعت في أوائل العصر العباسي، حين سعى عتيقيون من أمثال ابن الكلبي إلى تحويل المعرفة النسبية لجيل آبائهم إلى مصنفات أنساب تبدو أقرب إلى الكتب من كونها مجرد ملاحظات تُستخدم لدعم الأداء الشفهي الذي كان العرب يعتمدون عليه من قبل لحفظ الذاكرة النسبية.

    لكن هذا الفن، بحسب المؤلف، لم يزدهر حقًا إلا بعد وفاة ابن الكلبي سنة 811م. ففي الخمسين سنة التالية يرجح أن عشرة علماء على الأقل ألّفوا واحدًا على الأقل من كتب النسب بحيث بقي مهمًا بما يكفي ليذكره بائع كتب بغدادي بعد نحو قرن. ثم يبدو أن هذا الفن فقد أهميته في النصف الثاني من القرن التاسع، إذ مات كثير من النسّابين من غير أن تحل محلهم أجيال أصغر. ويلاحظ المؤلف أن هذا التراجع يوافق تقريبًا أزمة الخلافة السامرائية التي بدأت باغتيال المتوكل سنة 861م. ثم عادت الخلافة إلى بغداد سنة 892م، وفي السنة نفسها مات البلاذري، وبموته انتهى العصر الذهبي لهذه التجربة الفريدة في كتابة التاريخ.


    الأسباب الكامنة وراء ظهور أدب النسب 1: القبلية

    يقر المؤلف بأن استخدام الفهرست بوصفه مقياسًا للشعبية ليس علمًا دقيقًا؛ إذ إن ذروة كتابة النسب تتزامن مع عصر ذهبي لكثير من الأنواع الأخرى من التأليف أيضًا. لكن مع ذلك، بينما استمر إنتاج الأعمال العلمية والنصوص الدينية والمصنفات التاريخية غير النسبية، فإن التاريخ المنظم نسبيًا اختفى إلى حد كبير من ذخيرة العلماء المسلمين. وإضافة إلى ذلك، لم تُنشأ بعد ذلك أية أنساب جديدة منظَّمة على هذا النحو لأسر من الشعوب القبلية غير العربية التي استقرت داخل العالم الإسلامي. وهناك -إذن- شيء خاص في تجربة العرب حين انتقلوا من اللاكتابية إلى الكتابية جعلهم ينتجون هذا النوع من العمل التاريخي.

    ولا شك أن العرب قبل الإسلام كانوا مشغولين بالأنساب على نحو عميق؛ فالشعر، والنقوش، والقرآن، والاتساق العام في الروايات التاريخية عن الجاهلية، كلها تدل على أن عرب الجزيرة كانوا يرون أن النسب يفسر علاقاتهم السياسية الداخلية وهويتهم أيضًا، مع استثناء مهم هو عرب الجنوب. وكانت الخصومات والتحالفات تُفهم على أسس قبلية، في حين كانت الأنساب نفسها ميدانًا للمعركة التي يتبارى فيها الشعراء بلغة الفخر والعار. ويلاحظ روزنثال أن غياب جذر ن-س-ب في اللغات السامية الأخرى يدل على قِدمه الشديد. وإذا أخذنا الروايات التاريخية على ظاهرها، فإن العصبية كانت أقوى من أن يتغلب عليها محمد؛ فمحاولته إنشاء أمة تقطع الولاءات القبلية نجحت نجاحًا قصير الأجل فقط في أواخر حياته، ولم تبق بعده.

    ويبدو طبيعيًا، إذًا، أن يعمد المؤرخون العرب في القرن الثاني الإسلامي إلى بناء تواريخهم على خطوط مماثلة. فمركزية محمد في هذه التواريخ المنظمة نسبيًا -فهو نقطة البداية دائمًا- هي نفسها بقايا من الجاهلية، وتشبه الطريقة التي يرى بها العرب القبليون أنفسهم حتى اليوم، محاطين بطبقات من الولاءات تبتعد تدريجيًا عن ذواتهم إلى الأقارب: “أنا ضد أخي، وأنا وأخي ضد ابن عمي، وأنا وأخي وابن عمي ضد العالم.” ويشبه هويلاند هذه النظرة إلى العالم بـ الدمية الروسية المتداخلة. لكن بجعل محمد هو المركز بدلًا من أنفسهم، كان النسّابون يقدمون تصريحًا قويًا عن مركزيته في رؤيتهم للعالم.

    ويمكن رؤية الصلة بين الثقافة العربية في أواخر العصور القديمة وبين شمول هذه العقلية النسبية في فشل النسّابين المسلمين غير القبليين المتأخرين في تقليد هذا البناء. ويذكر المؤلف مثال فخر مدبر، الذي ألّف خلال 13 سنة كتابًا فارسيًا بعنوان شجرة أنساب في أوائل القرن الثالث عشر ضمن أراضي سلطنة دلهي. وكانت نقطة انطلاقه هي إعادة بناء نسبه الشخصي -الذي كان قد فُقد-، ورأى في ذلك قيمة؛ إذ عدّ نفسه من جهة أبيه من نسل أبي بكر، ومن جهة أمه من نسل الغزنويين. ثم بعد ذلك صار مهتمًا بـ أصحاب النبي، والأنصار، والمهاجرين، وعدد من السلالات الإسلامية اللاحقة، وأراد أن يضمهم جميعًا إلى نسبه. وكانت النتيجة أن جمع المعلومات أخذ وقتًا، لكن تنظيمها كان أصعب بكثير. وكما يقول هو نفسه: إن ربط الآباء بالآباء، والفروع بالفروع، صعب للغاية، وإن ترتيب هذه الصلات أصعب ألف مرة من مجرد استخراجها وجمعها.

    ويلاحظ المؤلف أن عمل فخر مدبر -على الرغم من أنه يبدأ بمحمد- لا يسير أبدًا وفق البنية العربية النسبية الموروثة. وترتيب الجماعات في كتابه مختلف تمامًا؛ فهو يورد مثلًا:

    • النبي والعشرة المبشرين
    • المهاجرين
    • الأنصار
    • الأنبياء المذكورين في القرآن
    • الغساسنة والحميريين
    • شعراء الصحابة
    • شعراء الجاهلية والمخضرمين
    • سلالات إيرانية قبل إسلامية
    • ذرية آدم
    • الأمويين والعباسيين وأئمة الفقه
    • القبائل العربية
    • الإسكندر ولقمان وغيرهما
    • بني مالك دُعَر
    • أمراء الدولتين
    • الطاهريين والصفاريين والسامانيين
    • الغزنويين
    • الغوريين
    • الأشراف
    • العلويين

    وهذا، كما يقول المؤلف، مختلف تمامًا عن أعمال النسب العربية التي نتحدث عنها. والأشد لفتًا للنظر أن العلويين -الذين يكونون عادة أول أو ثاني فرع يأتي بعد بيت النبي- يظهرون عنده في آخر القائمة تقريبًا. ولذلك فإن شجرة الأنساب ليست عملًا منظمًا نسبيًا بالمعنى العربي المذكور، بل هي أقرب إلى بروسوبوغرافيا تُرتب الناس بحسب عضويتهم في مجموعات نسبية مختلفة، ولذلك فهي أقرب إلى كتب الطبقات أو المجاميع المتفرقة، وهي أجناس يبدو أن فخر مدبر كان يعرفها وأثرت فيه أكثر.

    ويرى المؤلف أن مثال فخر مدبر مهم لأنه يبين لنا كيف سيبدو عمل نسبي لو كتبه مؤلف يرى نفسه نسّابة، لكنه ابن بيئة غير قبلية. فمع أن نسبه الشخصي الذي أراد إبرازه كان تركيًا وعربيًا، فإن طريقته في تنظيم المادة تكشف خلفية ثقافية ليست فيها الأنساب مبدأً أوليًا للتنظيم الاجتماعي. وكونه يرى أن تنظيم الكتاب أصعب ألف مرة من جمع مواده دليل واضح على ما سببه له اهتمامه الكوزموبوليتي من صعوبة في محاولة بناء نسب إسلامي شبه شامل. فالنتيجة كانت كتابًا في الأنساب يمكن أن يكون مقبولًا عند الأدباء المستقرين في أكثر الثقافات، لكنه كان سيبدو غريبًا جدًا لبدوي عربي قبلي.

    ويخلص المؤلف من ذلك إلى أن الأمر يتطلب أكثر من مجرد عالم مهتم بالأنساب لإنتاج كتاب على طريقة جمهرة النسب؛ بل يجب أن يكون هذا العالم جزءًا من ثقافة قبلية متجذرة إلى الحد الذي تبقى معه قادرة على إنتاج جنس أدبي كامل، حتى بعد قرن أو أكثر من زوال القبلية تدريجيًا. ولو لم يكن ابن الكلبي ابن هذه الثقافة، لكان من المتوقع أن يبدو كتابه أشبه بـ شجرة الأنساب. ولهذا كانت الوراثة الباقية للقبلية الجاهلية عاملًا مهمًا في نشأة التاريخ المنظم نسبيًا.

    الأسباب الكامنة وراء ظهور أدب النسب 2: الشعوبية

    مع أهمية العامل القبلي، يرى المؤلف أن هناك دوافع أخرى لظهور التاريخ المنظَّم نسبيًا يمكن تلمسها من النصوص. فثمة نقص جوهري في صيغة النسب هذه، وهو أنها تستبعد كل من لا يقع داخل المجال الجينيالوجي للعمل؛ ففي حالة نسب قريش لا يمكن لغير القرشيين أن يظهروا إلا عرضًا. وأي محاولة لتوسيع النطاق ليشمل تاريخًا أوسع -كما رأينا في مثال شجرة الأنساب– تنتهي إلى أعمال لا تشبه كتب النسب العربية التي نعنيها هنا. وهنا يطرح المؤلف سؤالًا ضمنيًا: لعل الإقصاء كان هو المقصود أصلًا.

    لقد تزامنت ذروة التأريخ العربي النَّسبي مع عدد من السياقات الاجتماعية الناشئة التي شعر فيها بعض الناس بضرورة متزايدة للدفاع عن تفوق “العربي” على “غير العربي”. ومن هذه السياقات:

    • رد فعل النخب القديمة على تهميش الأقاليم العربية المركزية
    • زيادة تعظيم أسرة النبي، وبالتالي تعظيم قريش
    • تشكل نظام طبقي إسلامي سيتجسد لاحقًا في صورة السادة والأشراف

    وكانت هذه العوامل كلها متشابكة مع توترات أعم بين العرب وغير العرب من المسلمين، في وقت كان فيه العرب يفقدون شيئًا من مركزيتهم، بينما كانت الفئات غير العربية في صعود.

    ويرى المؤلف أن هذه التوترات عبّرت عن نفسها أدبيًا، لا فقط في ما يُعرف بكتابات الشعوبية ومناهضتها، بل أيضًا في علم الأنساب نفسه، الذي -كما سبق- صار يحظى بشعبية متزايدة في القرن الأول من الحكم العباسي. وكانت المعرفة بالنسب ذات قيمة للطرفين؛ فبالنسبة للتيار المعادي للشعوبية، كان الكمّ الكبير من الأسماء الشريفة التي يمكن استحضارها دليلًا على عظمة العرب. أما النسّابون ذوو الميول الشعوبية فكان بوسعهم الرد عبر الطعن في دعاوى النسب العربي، أو السخرية من الأسلاف العرب.

    ويمضي المؤلف أبعد من ذلك في الربط بين التاريخ المنظَّم نسبيًا والشعوبية. فقد سبقت الإشارة إلى أن هذه التواريخ تستبعد غير العرب، وربما كان ذلك انعكاسًا لميول مؤلفيها المضادة للشعوبية. ويلاحظ أن الفهرست يذكر أن الجهمي لم يكتب فقط نسب قريش وأخبارها، بل كتب أيضًا الانتصار في الرد على الشعوبية. ويلاحظ المؤلف أيضًا أن المسار الزمني لكلا الظاهرتين متشابه؛ فالبدايات الأولى للكتابة النسبية ظهرت في العقود الأولى بعد الثورة العباسية، وهي فترة بلغت فيها التوترات بين طبقات الكُتّاب غير العرب وبين العرب ذروتها. وبعد قرن، ومع بقاء الكتابة النسبية المحدودة (كأنساب الأسر الكبرى)، بدأ مؤلفو التواريخ النسبية الشاملة يختفون، بالتزامن مع تراجع الحماسة الأدبية للشعوبية نفسها.

    ويستند المؤلف أيضًا إلى مثال لاحق من الأندلس في القرن الحادي عشر، حيث حدث بعث صغير للشعوبية، وبقي أثره في رسالة ابن غرسية والردود عليها. وهذه الفترة نفسها توافق حياة ابن حزم، المعروف بميوله الأموية والعربية، والذي كتب بدوره جمهرة أنساب العرب. وهذا الكتاب، المنظم على الطريقة النسبية التقليدية والمستبعد لغير العرب، قد يكون -في نظر المؤلف- آخر مثال عظيم على هذا النوع من التاريخ المنظم نسبيًا.

    ومع ذلك، يحذر المؤلف من المبالغة في هذا الربط. فدوافع المؤلفين نادرًا ما تكون واضحة في هذه الأعمال، وحتى لو عرفنا عنهم أكثر، فإن الواقع الاجتماعي كان بالغ التعقيد، بحيث لا يمكننا أبدًا أن نجزم بأن مؤلفًا ما كتب بدافع معاداة الشعوبية أكثر مما كتب بدافع التعاطف مع العلويين مثلًا. فقد كانت للناس آنذاك -كما اليوم- ولاءات ومصالح متداخلة. ويذكر المؤلف مثالًا على ذلك أن قبائل اليمن في العصر الأموي لم تتورع عن نشر نزعات شعوبية بين الأقباط في الفسطاط بغرض تعميق الشقاق بين الأهالي وبين العرب غير اليمنيين الذين حكموهم. كما أن أحد أشهر النسّابين الأمويين الأوائل، دغفل بن حنظلة، ارتبط في بعض الروايات بشخصيات خارجية، مع أن الخوارج يمثلون -من بعض الوجوه- أقدم تعبير مبكر عن الشعوبية.

    لكن رغم هذه التحفظات، فإن الصلة بين التاريخ المنظم نسبيًا وبين الشعوبية تبقى -في نظر المؤلف- واضحة جدًا، وتتجاوز مجرد الاهتمام الإنساني العام بالأنساب، بل حتى تتجاوز الاهتمام الإسلامي العام بالميراث الديني. فهذا الجنس الأدبي لا يمكن أن يكون قد نشأ إلا في العصر العباسي، حين كانت نخبة كبيرة مترابطة نسبيًا تفقد مزاعمها في الشرعية الدينية والسياسية لصالح جماعات لا يمكن إدخالها في مخططها الجينيالوجي. ومن خلال كتابة نسب لا يضم إلا العرب، ومبني بطريقة متجذرة في رؤيتهم القبلية للعالم، كان النسّابون يقدّمون محاولة جريئة -لكنها في النهاية غير مثمرة- للدفاع عن العرب ضد دعاة كوزموبوليتية أوسع وأقل خضوعًا للمركزية العربية. ولهذا لم تنتج الشعوب القبلية اللاحقة -كالأتراك والمغول- ما يشبه نسب سلاجقة أو نسب جنكيز.


    الأسباب الكامنة وراء ظهور أدب النسب 3: التشيع

    يرى المؤلف أن فهم موضع التشيع في نشأة وانتشار التأريخ المنظَّم نسبيًا أصعب بكثير من فهم علاقة ذلك بالشعوبية. فالشعوبية -رغم تعقيدها- يسهل مقاربتها تأريخيًا لأنها كانت، في جوانب كثيرة، حركة أدبية. أما التشيع في المجتمع الإسلامي المبكر، فإن موقعه يتجاوز بكثير نصوصنا المكتوبة.

    والتفكير الشيعي بطبيعته معني بالأنساب، لأن همَّه العقائدي كان كثيرًا ما يجعل السلطة الإلهية تنتقل عبر ذرية أهل بيت النبي، وكانت وسيلة هذا الانتقال في الغالب النسب. وقد يكون التاريخ المنظم نسبيًا محاولة للرد على دعاوى الاستثنائية الهاشمية؛ إذ يمكن أن يُقرأ نسب قريش للزبيري بوصفه ردًا على الدعاوى الشيعية في تمييز العلويين، من خلال دمج هذه الأسرة ضمن بقية بطون قريش، ولا سيما أسر الخلفاء الثلاثة الأوائل. ويشير المؤلف إلى أن الزبيري كان نفسه تلميذًا لمالك بن أنس، ومن ثم كان -من الناحية الفكرية- ذا ميول سنية أولية. وقد يكون هذا الدمج في نسب قريش تعبيرًا عن موقف يساند نموذج الخلفاء الراشدين الأربعة، الذي كان آخذًا في التشكل بوصفه عقيدة سنية أولية في ذلك العصر.

    لكن المؤلف يضيف أن تتبع الموقف العقدي للزبيري نفسه ليس بالأمر السهل؛ فحتى داخل أسرته توجد شواهد على التعاطف مع بعض الشيعة وشواهد أخرى على الخصومة معهم. وكانت الخطوط الفاصلة بين الفرق في تلك الفترة ضبابية، وهو أمر مفهوم لأن هذه الفرق نفسها كانت لا تزال في طور التشكل. ولذلك لا يمكننا إلا على نحو حذر جدًا أن نصل بين موقف ديني طائفي بعينه وبين الاهتمام التأليفي بالنسب. ويضرب المؤلف مثلًا بـ ابن الكلبي، الذي كان ابنًا لعالم شيعي بارز جدًا، ومع ذلك ألّف كتابًا أشمل بكثير من نسب قريش. وفي هذه الحالة غلب اهتمامه العتيقي أي تحفظات قد تكون لديه بشأن تمييع فكرة الاستثناء العلوي.

    ولهذا يرى المؤلف أن التشيع ليس ظاهرة “مغلّفة” بوضوح مثل الشعوبية، ولا يمكن تتبع الشعبية النسبية للتواريخ المنظمة نسبيًا في مقابله بالطريقة نفسها. ومع ذلك، فثمة ما يمكن قوله عن أثر التشيع في نسب قريش بالذات، لكنه لا يصلح للتعميم على الجنس كله، ولذلك يؤجل المؤلف هذه المناقشة إلى الفصل التالي، حيث سيُبحث الزبيري بوصفه مؤلفًا فرديًا.


    الأسباب الكامنة وراء ظهور أدب النسب 4: الكتابة النسبية المرتبطة بالدولة

    يشير المؤلف إلى أن بعض الباحثين ربطوا ظهور أدب النسب بما يسمى الديوان، أي سجل أسماء القبائل العربية الذي يُقال إن الخلفاء احتفظوا به، وجادلوا بأن النسّابين إما أنهم أخذوا منه مباشرة، أو أنهم استُلهموا بسبب وجوده. لكن المؤلف يرى أن هذا الربط ضعيف التوثيق في المصادر ذاتها، ويذهب إلى أن انتشار الكتابة داخل بيئة قبلية كان عاملًا أهم في نشأة تقليد النسب من الديوان نفسه.

    والمقصود بـ الديوان هنا شكل من أشكال سجل القبائل العربية الذي أُنشئ -بحسب الرواية، على يد عمر بن الخطاب- لتنظيم العطاءات للمحاربين والجنود الذين شاركوا في الفتوحات الإسلامية المبكرة. وقد بقي جزء من هذا الديوان: وهو مؤرخ بسنة 685م، ومكتوب باليونانية، ويتألف من قائمة بأسماء عربية شُطبت منها بعض الأسماء، وإلى جانبها مقادير من الطعام والمال. ويُقال إن الديوان المركزي ظل خاضعًا لإعادة نظر متكررة طوال العصر الأموي؛ حتى إن الخليفة الوليد الثاني أمر -في سنة 744م- بجمع عمل نسبي في قبائل العرب. ومن حيث التنظيم، يرجح أن الديوان المركزي نفسه كان منظمًا على أساس نسبي، وإن كانت المدفوعات فيه تُحسب بحسب السابقة.

    أما علاقة الديوان بالتأريخ، فيمكن -نظريًا- ربط بعض المؤرخين به؛ فواحد من تلامذة ابن شهاب الزهري، الذي عمل هو نفسه جابيًا أمويًا وبدأ مسيرته العلمية بجمع نسب عشيرته، قيل إنه ألّف أعمالًا تشبه الديوان. كما جمع سومباطي إشارات في المصادر التاريخية تفيد بأن بعض النسّابين استخدموا الديوان مرجعًا لهم.

    لكن المؤلف يوصي هنا أيضًا بالحذر من وصل الديوان بأدب النسب على نحو متسرع. فالديوان نفسه -مهما كانت صورته- لم يبق منه إلا شذرات قليلة، والنسّابون أنفسهم نادراً ما يشيرون إليه في أعمالهم بوصفه مصدرًا. وحتى إذا وردت مثل هذه الإشارات، فإنها لا تكفي وحدها لإثبات أن المؤرخين كانوا يعتمدون فعلًا على مصادر وثائقية أولية. فكما جادل سومباطي في شأن ابن الكلبي، قد تكون دعاوى القيام ببحث أولي -كالتنقيب أو قراءة النقوش- مجرد تقليد أدبي. وحتى لو لم تكن كذلك، فإن الإشارة إلى وثيقة لا تضمن بالضرورة نتيجة حاسمة في المسائل المتنازع عليها.

    وفي المقابل، من الثابت -في رأي المؤلف- أن أعمال النسب التي كتبها أمثال الزبيري وابن الكلبي كانت قائمة على جيل أقدم من المصادر المكتوبة؛ وإلا لما استطاعت أن تُظهر مقدار الاتساق الداخلي والخارجي الذي بُيّن في الفصل السابق. فذاكرة مجتمع ما لا يمكن أن تشتمل على هذا العدد الكبير من الأسماء، الممتد على هذا الزمن الطويل، بهذه الدرجة من الاتساق، من غير الاستعانة بالكتابة. لكن السؤال يصبح هنا: ما الصورة التي كانت عليها تلك الكتابات السابقة إن لم تكن ديوانًا ترعاه الدولة؟

    ويقترح المؤلف احتمالًا بديلًا، وهو أن كتب النسب اعتمدت على سجلات تحتفظ بها جماعات أو طبقات، لا على وثائق دولة مركزية. ويرى أن نسب قريش يقدم أدلة على هذا، من خلال العدد الكبير من الأشخاص الذين لا يقدم عنهم أي سجل لاحق (NFRs). وهذه الشخصيات من هذا النوع لا تظهر عادة في التقاليد النسبية الحية، لأن الناس ينسونها. ولذلك فمن غير المرجح أن يكون الزبيري قد اعتمد فقط على مصادر شفوية قبلية. بل إن الكتاب كثيرًا ما يذكر عن بعض هؤلاء أنهم “انقرضوا”، وهي عبارة ذات أهمية خاصة في سجلات الطبقات أو الفئات التي تراقب الانتساب إليها، لأنها تغلق الطريق على من يدعون الانتساب بعد ذلك. وقد لوحظ وجود هذه الصيغة نفسها في سجلات السادة والأشراف في العالم الإسلامي. كما يلفت المؤلف النظر إلى أن منصب النقيب -الذي يعني الشخص المسؤول عن حفظ سجل هذه الطبقة في منطقة ما- لا يظهر إلا في أواخر القرن التاسع، أي في الفترة نفسها التي كان فيها التاريخ المنظم نسبيًا في أفول.

    ويطرح المؤلف احتمالًا آخر، وهو أن القبائل في هذه الفترة كانت تكتب أنسابها لا لأنها تحاول ضبط طبقة مغلقة، بل لأنها شعرت أن هذا التراث مهم ومهدد بالضياع. وهذا الدافع نفسه قد لاحظه علماء الأنثروبولوجيا عند شعوب قبلية أخرى دخلت عالم الكتابة حديثًا. ويذكر المؤلف مثالًا من شعب Tiv، حيث لاحظت Bohannan أن زعيمًا غير كاتب طلب كتابة نسبه ليعين بها ابنه المتعلم -لكن قليل الفطنة السياسية- على الفصل في النزاعات القبلية. وفي مثال آخر، حين كان إمريس بيترز يجري دراسته لبدو برقة، كان أول ما يطلب منه عند وصوله إلى جماعة جديدة هو أن يكتب لهم أنسابهم. ويشير المؤلف أيضًا إلى أن العرب الذين صاروا يكتبون أنسابهم بعد الفتوحات ربما وجدوا سابقة محلية تساعدهم في ذلك، إذ يذكر الطبري أن ابن الكلبي استشار سجلات مكتوبة في الأديرة حول الحيرة، كان الرهبان فيها يحفظون أنساب بني لخم.

    ولهذا يرجح المؤلف أن القبائل العربية التي دخلت الإسلام وشاركت في فتح المشرق قد استخدمت دخولها عالم الكتابة لتدوين أنسابها. وبعض هذه الكتابات ضاع أو نُسي، وبعضها أعيدت صياغته وتناقله، وربما أصبح بعضه لاحقًا أساسًا لتلك السجلات الطبقية التي ظهرت عند السادة والأشراف في أواخر القرن التاسع. وبهذا يمكن تفسير اتساق كتب النسب الباقية من جهة، وغياب الإشارات المتكررة إلى ديوان الدولة الأموي بوصفه مصدرًا من جهة أخرى.

    ويخلص المؤلف إلى أن ربط الديوان المبكر بكتب النسب العباسية أمر مغرٍ فعلًا، لكنه -في ضوء ما بأيدينا من أدلة- غير قابل للإثبات، بل وغير ضروري. فالقبائل لا تحتاج إلى دولة مركزية لكي تحفظ أنسابها؛ إنها تحتاج فقط إلى الكتابة. والأدلة على صحة البيانات النسبية يمكن تأسيسها بوسائل أخرى، مثل الارتباط بالسردية التاريخية والاتساق الداخلي، وهما موضوعان سيتكرران في هذه الأطروحة.


    ملاحظات ختامية على السياق الاجتماعي لأدب النسب

    يرى المؤلف أن روزنثال لم يكن مصيبًا حين قال إن الأدب النسبي يبدأ حين تصبح الخطوط النسبية مشكوكًا فيها ويُشعر بأن تثبيتها كتابيًا سيساعد على إزالة الشكوك ومنع التزوير. فدراسة الأنثروبولوجيا وتاريخ المعرفة النسبية السابقة تُظهر أن هناك قدرًا دائمًا من الشك في كل أنساب، بل إن هذا الشك نفسه جزء من وظيفة النظام النسبي لأنه يمنحه المرونة التي يحتاجها ليستمر. ومن ثم فإن كتابة الأنساب ليست نتيجة بلوغ القبيلة المتعلمة حدّ الانفجار بسبب الدعاوى الكاذبة، بل هي نتيجة دخول قبيلة غير كاتبة إلى عالم الكتابة قبل أن تفقد بنيتها القبلية.

    ويضيف أن قوة الروابط القبلية هي التي جعلت الأنساب تبقى في الذاكرة الجمعية للأمة مدةً كافية حتى تُدوَّن. وليس ذلك فحسب، بل إن الطريقة القبلية في تنظيم الأفراد بحسب علاقاتهم المتشعبة حول شخصية مركزية هي ما منح أدب النسب هيئته البنيوية المميزة، وهي هيئة لا نجدها في التقليدات اللاحقة التي حاولت تقليده. وإلى جانب ذلك كانت هناك توترات خاصة بين من كانوا في البلاط، ممن جادلوا لصالح الأسبقية الاجتماعية للعرب أو ضدها. والذين دافعوا عن العرب كان بوسعهم أن يروا قيمةً كبيرة في عمل أدبي يقوم بنيانه نفسه على استبعاد خصومهم.

    أما أثر التشيع، فيؤجل المؤلف مناقشته التفصيلية إلى الفصل التالي، في سياق الحديث عن الزبيري نفسه، لأن هذه -في رأيه- الطريقة الوحيدة التي يمكن بها معالجة الموضوع على نحو كافٍ. فالانقسام الشيعي/السني كان لا يزال غير محدد المعالم إلى حد بعيد في هذه المرحلة، بحيث لا يمكن الجزم بأن موقفًا طائفيًا معينًا كان يجعل صاحبه أكثر أو أقل ميلًا إلى علم النسب. كما أعيد التأكيد على أن دور الديوان في ظهور التاريخ المنظم نسبيًا لا يمكن إثبات صلة مباشرة به في ضوء الأدلة الحالية.

    ثم يختم المؤلف هذا الفصل بالقول إنه ينتقل الآن من الإطار العام لأدب الأنساب المنظم نسبيًا إلى العمل الذي له الأهمية المركزية في هذه الأطروحة، وهو نسب قريش. ومع إبقاء العوامل الثقافية العامة السابقة في الذهن، سيتناول الفصل التالي حياة الزبيري وكتابه الوحيد الباقي، في محاولة لفهمه ضمن سياقه المباشر.


    الفصل الثالث: نسب قريش في سياقه

    المقدمة

    يقرر المؤلف منذ البداية أننا نملك معلومات تأريخية قليلة جدًا عن حياة الزبيري. فأوسع ما نجده عنه هو في الفهرست لابن النديم وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ومع ذلك فإن هذين المصدرين لا يتفقان حتى على تاريخ وفاته أو عمره عند الوفاة؛ فالأول يجعله يموت سنة 233هـ عن 96 سنة، والثاني سنة 236هـ عن 80 سنة. ويورد تاريخ بغداد بعض المعلومات عن شيوخه -ومن أبرزهم مالك بن أنس– وعن من رووا عنه -ومنهم ابن أبي خيثمة وابن أخيه الزبير بن بكار-. أما نسب قريش نفسه فلا يقدم تقريبًا أي تفصيلات سيرة ذاتية؛ فعلى خلاف كتاب ابن حزم المشابه له، لا يضع الزبيري مقدمة يشرح فيها دوافعه أو يبرر فيها تأليفه. ولا تقدم سائر المصادر إلا أقل من ذلك.

    ولذلك يرى المؤلف أن المقاربة المباشرة غير كافية، ويعتمد بدلًا منها على فرضية منهجية، وهي أن الأعمال النسبية يحكمها مبدآن:

    1. أن المؤلف يدخل عادةً كل من يعرفه ضمن المجال الذي يشمله كتابه.
    2. وأنه يرتب المادة بحيث تُعالج الشخصيات الأهم قبل الأقل أهمية.

    وسيحاول هذا الفصل أن يبين أن الزبيري يتبع هذين المبدأين في الغالب، وأنه حين يخرق أحدهما أحيانًا، فإنه يفعل ذلك بطريقة منسجمة مع خلفيته وسياقه الاجتماعي.

    ويعلن المؤلف مسبقًا أن هذا التحقيق سينتهي إلى نتيجة مؤداها أن خصائص الزبيري كما تعكسها حضورهاتُه القليلة في مصادر التراجم هي نفسها خصائص الكتاب الذي كتبه: فهو سني أولي في ميله، مناهض للشعوبية، ومؤيد للعباسيين. لكن الصورة ليست بهذه البساطة، لأن التحليل الكمي يقترح أيضًا -على نحو محرج- عددًا من الأسباب التي تجعلنا نظن أن الزبيري لم يكتب بنفسه كثيرًا من نسب قريش أصلًا.

    ويؤكد المؤلف أن ما سيخرجه من تحليل البيانات هو صورة تفصيلية لـ نسب قريش لم تكن متاحة لمن يقرأ الكتاب بالطريقة التقليدية من الغلاف إلى الغلاف. وسيظهر كذلك أن انحيازات المؤلف -أيًا كان في النهاية- محدودة النطاق وعادة قابلة للكشف، مما يعني أن بيانات النسب لا تزال صالحة للتحقيق البروسوبوغرافي. كما سيظهر أن تقليد النسب نفسه ملائم على نحو خاص للتحليل الإحصائي.


    أكمل في الرسالة التالية من الفصل الثالث: “الغيابات: من الذي لا يظهر في نسب قريش؟” ثم تحليل الزبيريين، وحذف الأسماء المحرجة، ثم الرواة، ثم النساء.

    الأسباب الكامنة وراء ظهور أدب النسب 2: الشعوبية

    مع أهمية العامل القبلي، يرى المؤلف أن هناك دوافع أخرى لظهور التاريخ المنظَّم نسبيًا يمكن تلمسها من النصوص. فثمة نقص جوهري في صيغة النسب هذه، وهو أنها تستبعد كل من لا يقع داخل المجال الجينيالوجي للعمل؛ ففي حالة نسب قريش لا يمكن لغير القرشيين أن يظهروا إلا عرضًا. وأي محاولة لتوسيع النطاق ليشمل تاريخًا أوسع -كما رأينا في مثال شجرة الأنساب– تنتهي إلى أعمال لا تشبه كتب النسب العربية التي نعنيها هنا. وهنا يطرح المؤلف سؤالًا ضمنيًا: لعل الإقصاء كان هو المقصود أصلًا.

    لقد تزامنت ذروة التأريخ العربي النَّسبي مع عدد من السياقات الاجتماعية الناشئة التي شعر فيها بعض الناس بضرورة متزايدة للدفاع عن تفوق “العربي” على “غير العربي”. ومن هذه السياقات:

    • رد فعل النخب القديمة على تهميش الأقاليم العربية المركزية
    • زيادة تعظيم أسرة النبي، وبالتالي تعظيم قريش
    • تشكل نظام طبقي إسلامي سيتجسد لاحقًا في صورة السادة والأشراف

    وكانت هذه العوامل كلها متشابكة مع توترات أعم بين العرب وغير العرب من المسلمين، في وقت كان فيه العرب يفقدون شيئًا من مركزيتهم، بينما كانت الفئات غير العربية في صعود.

    ويرى المؤلف أن هذه التوترات عبّرت عن نفسها أدبيًا، لا فقط في ما يُعرف بكتابات الشعوبية ومناهضتها، بل أيضًا في علم الأنساب نفسه، الذي -كما سبق- صار يحظى بشعبية متزايدة في القرن الأول من الحكم العباسي. وكانت المعرفة بالنسب ذات قيمة للطرفين؛ فبالنسبة للتيار المعادي للشعوبية، كان الكمّ الكبير من الأسماء الشريفة التي يمكن استحضارها دليلًا على عظمة العرب. أما النسّابون ذوو الميول الشعوبية فكان بوسعهم الرد عبر الطعن في دعاوى النسب العربي، أو السخرية من الأسلاف العرب.

    ويمضي المؤلف أبعد من ذلك في الربط بين التاريخ المنظَّم نسبيًا والشعوبية. فقد سبقت الإشارة إلى أن هذه التواريخ تستبعد غير العرب، وربما كان ذلك انعكاسًا لميول مؤلفيها المضادة للشعوبية. ويلاحظ أن الفهرست يذكر أن الجهمي لم يكتب فقط نسب قريش وأخبارها، بل كتب أيضًا الانتصار في الرد على الشعوبية. ويلاحظ المؤلف أيضًا أن المسار الزمني لكلا الظاهرتين متشابه؛ فالبدايات الأولى للكتابة النسبية ظهرت في العقود الأولى بعد الثورة العباسية، وهي فترة بلغت فيها التوترات بين طبقات الكُتّاب غير العرب وبين العرب ذروتها. وبعد قرن، ومع بقاء الكتابة النسبية المحدودة (كأنساب الأسر الكبرى)، بدأ مؤلفو التواريخ النسبية الشاملة يختفون، بالتزامن مع تراجع الحماسة الأدبية للشعوبية نفسها.

    ويستند المؤلف أيضًا إلى مثال لاحق من الأندلس في القرن الحادي عشر، حيث حدث بعث صغير للشعوبية، وبقي أثره في رسالة ابن غرسية والردود عليها. وهذه الفترة نفسها توافق حياة ابن حزم، المعروف بميوله الأموية والعربية، والذي كتب بدوره جمهرة أنساب العرب. وهذا الكتاب، المنظم على الطريقة النسبية التقليدية والمستبعد لغير العرب، قد يكون -في نظر المؤلف- آخر مثال عظيم على هذا النوع من التاريخ المنظم نسبيًا.

    ومع ذلك، يحذر المؤلف من المبالغة في هذا الربط. فدوافع المؤلفين نادرًا ما تكون واضحة في هذه الأعمال، وحتى لو عرفنا عنهم أكثر، فإن الواقع الاجتماعي كان بالغ التعقيد، بحيث لا يمكننا أبدًا أن نجزم بأن مؤلفًا ما كتب بدافع معاداة الشعوبية أكثر مما كتب بدافع التعاطف مع العلويين مثلًا. فقد كانت للناس آنذاك -كما اليوم- ولاءات ومصالح متداخلة. ويذكر المؤلف مثالًا على ذلك أن قبائل اليمن في العصر الأموي لم تتورع عن نشر نزعات شعوبية بين الأقباط في الفسطاط بغرض تعميق الشقاق بين الأهالي وبين العرب غير اليمنيين الذين حكموهم. كما أن أحد أشهر النسّابين الأمويين الأوائل، دغفل بن حنظلة، ارتبط في بعض الروايات بشخصيات خارجية، مع أن الخوارج يمثلون -من بعض الوجوه- أقدم تعبير مبكر عن الشعوبية.

    لكن رغم هذه التحفظات، فإن الصلة بين التاريخ المنظم نسبيًا وبين الشعوبية تبقى -في نظر المؤلف- واضحة جدًا، وتتجاوز مجرد الاهتمام الإنساني العام بالأنساب، بل حتى تتجاوز الاهتمام الإسلامي العام بالميراث الديني. فهذا الجنس الأدبي لا يمكن أن يكون قد نشأ إلا في العصر العباسي، حين كانت نخبة كبيرة مترابطة نسبيًا تفقد مزاعمها في الشرعية الدينية والسياسية لصالح جماعات لا يمكن إدخالها في مخططها الجينيالوجي. ومن خلال كتابة نسب لا يضم إلا العرب، ومبني بطريقة متجذرة في رؤيتهم القبلية للعالم، كان النسّابون يقدّمون محاولة جريئة -لكنها في النهاية غير مثمرة- للدفاع عن العرب ضد دعاة كوزموبوليتية أوسع وأقل خضوعًا للمركزية العربية. ولهذا لم تنتج الشعوب القبلية اللاحقة -كالأتراك والمغول- ما يشبه نسب سلاجقة أو نسب جنكيز.


    الأسباب الكامنة وراء ظهور أدب النسب 3: التشيع

    يرى المؤلف أن فهم موضع التشيع في نشأة وانتشار التأريخ المنظَّم نسبيًا أصعب بكثير من فهم علاقة ذلك بالشعوبية. فالشعوبية -رغم تعقيدها- يسهل مقاربتها تأريخيًا لأنها كانت، في جوانب كثيرة، حركة أدبية. أما التشيع في المجتمع الإسلامي المبكر، فإن موقعه يتجاوز بكثير نصوصنا المكتوبة.

    والتفكير الشيعي بطبيعته معني بالأنساب، لأن همَّه العقائدي كان كثيرًا ما يجعل السلطة الإلهية تنتقل عبر ذرية أهل بيت النبي، وكانت وسيلة هذا الانتقال في الغالب النسب. وقد يكون التاريخ المنظم نسبيًا محاولة للرد على دعاوى الاستثنائية الهاشمية؛ إذ يمكن أن يُقرأ نسب قريش للزبيري بوصفه ردًا على الدعاوى الشيعية في تمييز العلويين، من خلال دمج هذه الأسرة ضمن بقية بطون قريش، ولا سيما أسر الخلفاء الثلاثة الأوائل. ويشير المؤلف إلى أن الزبيري كان نفسه تلميذًا لمالك بن أنس، ومن ثم كان -من الناحية الفكرية- ذا ميول سنية أولية. وقد يكون هذا الدمج في نسب قريش تعبيرًا عن موقف يساند نموذج الخلفاء الراشدين الأربعة، الذي كان آخذًا في التشكل بوصفه عقيدة سنية أولية في ذلك العصر.

    لكن المؤلف يضيف أن تتبع الموقف العقدي للزبيري نفسه ليس بالأمر السهل؛ فحتى داخل أسرته توجد شواهد على التعاطف مع بعض الشيعة وشواهد أخرى على الخصومة معهم. وكانت الخطوط الفاصلة بين الفرق في تلك الفترة ضبابية، وهو أمر مفهوم لأن هذه الفرق نفسها كانت لا تزال في طور التشكل. ولذلك لا يمكننا إلا على نحو حذر جدًا أن نصل بين موقف ديني طائفي بعينه وبين الاهتمام التأليفي بالنسب. ويضرب المؤلف مثلًا بـ ابن الكلبي، الذي كان ابنًا لعالم شيعي بارز جدًا، ومع ذلك ألّف كتابًا أشمل بكثير من نسب قريش. وفي هذه الحالة غلب اهتمامه العتيقي أي تحفظات قد تكون لديه بشأن تمييع فكرة الاستثناء العلوي.

    ولهذا يرى المؤلف أن التشيع ليس ظاهرة “مغلّفة” بوضوح مثل الشعوبية، ولا يمكن تتبع الشعبية النسبية للتواريخ المنظمة نسبيًا في مقابله بالطريقة نفسها. ومع ذلك، فثمة ما يمكن قوله عن أثر التشيع في نسب قريش بالذات، لكنه لا يصلح للتعميم على الجنس كله، ولذلك يؤجل المؤلف هذه المناقشة إلى الفصل التالي، حيث سيُبحث الزبيري بوصفه مؤلفًا فرديًا.


    الأسباب الكامنة وراء ظهور أدب النسب 4: الكتابة النسبية المرتبطة بالدولة

    يشير المؤلف إلى أن بعض الباحثين ربطوا ظهور أدب النسب بما يسمى الديوان، أي سجل أسماء القبائل العربية الذي يُقال إن الخلفاء احتفظوا به، وجادلوا بأن النسّابين إما أنهم أخذوا منه مباشرة، أو أنهم استُلهموا بسبب وجوده. لكن المؤلف يرى أن هذا الربط ضعيف التوثيق في المصادر ذاتها، ويذهب إلى أن انتشار الكتابة داخل بيئة قبلية كان عاملًا أهم في نشأة تقليد النسب من الديوان نفسه.

    والمقصود بـ الديوان هنا شكل من أشكال سجل القبائل العربية الذي أُنشئ -بحسب الرواية، على يد عمر بن الخطاب- لتنظيم العطاءات للمحاربين والجنود الذين شاركوا في الفتوحات الإسلامية المبكرة. وقد بقي جزء من هذا الديوان: وهو مؤرخ بسنة 685م، ومكتوب باليونانية، ويتألف من قائمة بأسماء عربية شُطبت منها بعض الأسماء، وإلى جانبها مقادير من الطعام والمال. ويُقال إن الديوان المركزي ظل خاضعًا لإعادة نظر متكررة طوال العصر الأموي؛ حتى إن الخليفة الوليد الثاني أمر -في سنة 744م- بجمع عمل نسبي في قبائل العرب. ومن حيث التنظيم، يرجح أن الديوان المركزي نفسه كان منظمًا على أساس نسبي، وإن كانت المدفوعات فيه تُحسب بحسب السابقة.

    أما علاقة الديوان بالتأريخ، فيمكن -نظريًا- ربط بعض المؤرخين به؛ فواحد من تلامذة ابن شهاب الزهري، الذي عمل هو نفسه جابيًا أمويًا وبدأ مسيرته العلمية بجمع نسب عشيرته، قيل إنه ألّف أعمالًا تشبه الديوان. كما جمع سومباطي إشارات في المصادر التاريخية تفيد بأن بعض النسّابين استخدموا الديوان مرجعًا لهم.

    لكن المؤلف يوصي هنا أيضًا بالحذر من وصل الديوان بأدب النسب على نحو متسرع. فالديوان نفسه -مهما كانت صورته- لم يبق منه إلا شذرات قليلة، والنسّابون أنفسهم نادراً ما يشيرون إليه في أعمالهم بوصفه مصدرًا. وحتى إذا وردت مثل هذه الإشارات، فإنها لا تكفي وحدها لإثبات أن المؤرخين كانوا يعتمدون فعلًا على مصادر وثائقية أولية. فكما جادل سومباطي في شأن ابن الكلبي، قد تكون دعاوى القيام ببحث أولي -كالتنقيب أو قراءة النقوش- مجرد تقليد أدبي. وحتى لو لم تكن كذلك، فإن الإشارة إلى وثيقة لا تضمن بالضرورة نتيجة حاسمة في المسائل المتنازع عليها.

    وفي المقابل، من الثابت -في رأي المؤلف- أن أعمال النسب التي كتبها أمثال الزبيري وابن الكلبي كانت قائمة على جيل أقدم من المصادر المكتوبة؛ وإلا لما استطاعت أن تُظهر مقدار الاتساق الداخلي والخارجي الذي بُيّن في الفصل السابق. فذاكرة مجتمع ما لا يمكن أن تشتمل على هذا العدد الكبير من الأسماء، الممتد على هذا الزمن الطويل، بهذه الدرجة من الاتساق، من غير الاستعانة بالكتابة. لكن السؤال يصبح هنا: ما الصورة التي كانت عليها تلك الكتابات السابقة إن لم تكن ديوانًا ترعاه الدولة؟

    ويقترح المؤلف احتمالًا بديلًا، وهو أن كتب النسب اعتمدت على سجلات تحتفظ بها جماعات أو طبقات، لا على وثائق دولة مركزية. ويرى أن نسب قريش يقدم أدلة على هذا، من خلال العدد الكبير من الأشخاص الذين لا يقدم عنهم أي سجل لاحق (NFRs). وهذه الشخصيات من هذا النوع لا تظهر عادة في التقاليد النسبية الحية، لأن الناس ينسونها. ولذلك فمن غير المرجح أن يكون الزبيري قد اعتمد فقط على مصادر شفوية قبلية. بل إن الكتاب كثيرًا ما يذكر عن بعض هؤلاء أنهم “انقرضوا”، وهي عبارة ذات أهمية خاصة في سجلات الطبقات أو الفئات التي تراقب الانتساب إليها، لأنها تغلق الطريق على من يدعون الانتساب بعد ذلك. وقد لوحظ وجود هذه الصيغة نفسها في سجلات السادة والأشراف في العالم الإسلامي. كما يلفت المؤلف النظر إلى أن منصب النقيب -الذي يعني الشخص المسؤول عن حفظ سجل هذه الطبقة في منطقة ما- لا يظهر إلا في أواخر القرن التاسع، أي في الفترة نفسها التي كان فيها التاريخ المنظم نسبيًا في أفول.

    ويطرح المؤلف احتمالًا آخر، وهو أن القبائل في هذه الفترة كانت تكتب أنسابها لا لأنها تحاول ضبط طبقة مغلقة، بل لأنها شعرت أن هذا التراث مهم ومهدد بالضياع. وهذا الدافع نفسه قد لاحظه علماء الأنثروبولوجيا عند شعوب قبلية أخرى دخلت عالم الكتابة حديثًا. ويذكر المؤلف مثالًا من شعب Tiv، حيث لاحظت Bohannan أن زعيمًا غير كاتب طلب كتابة نسبه ليعين بها ابنه المتعلم -لكن قليل الفطنة السياسية- على الفصل في النزاعات القبلية. وفي مثال آخر، حين كان إمريس بيترز يجري دراسته لبدو برقة، كان أول ما يطلب منه عند وصوله إلى جماعة جديدة هو أن يكتب لهم أنسابهم. ويشير المؤلف أيضًا إلى أن العرب الذين صاروا يكتبون أنسابهم بعد الفتوحات ربما وجدوا سابقة محلية تساعدهم في ذلك، إذ يذكر الطبري أن ابن الكلبي استشار سجلات مكتوبة في الأديرة حول الحيرة، كان الرهبان فيها يحفظون أنساب بني لخم.

    ولهذا يرجح المؤلف أن القبائل العربية التي دخلت الإسلام وشاركت في فتح المشرق قد استخدمت دخولها عالم الكتابة لتدوين أنسابها. وبعض هذه الكتابات ضاع أو نُسي، وبعضها أعيدت صياغته وتناقله، وربما أصبح بعضه لاحقًا أساسًا لتلك السجلات الطبقية التي ظهرت عند السادة والأشراف في أواخر القرن التاسع. وبهذا يمكن تفسير اتساق كتب النسب الباقية من جهة، وغياب الإشارات المتكررة إلى ديوان الدولة الأموي بوصفه مصدرًا من جهة أخرى.

    ويخلص المؤلف إلى أن ربط الديوان المبكر بكتب النسب العباسية أمر مغرٍ فعلًا، لكنه -في ضوء ما بأيدينا من أدلة- غير قابل للإثبات، بل وغير ضروري. فالقبائل لا تحتاج إلى دولة مركزية لكي تحفظ أنسابها؛ إنها تحتاج فقط إلى الكتابة. والأدلة على صحة البيانات النسبية يمكن تأسيسها بوسائل أخرى، مثل الارتباط بالسردية التاريخية والاتساق الداخلي، وهما موضوعان سيتكرران في هذه الأطروحة.


    ملاحظات ختامية على السياق الاجتماعي لأدب النسب

    يرى المؤلف أن روزنثال لم يكن مصيبًا حين قال إن الأدب النسبي يبدأ حين تصبح الخطوط النسبية مشكوكًا فيها ويُشعر بأن تثبيتها كتابيًا سيساعد على إزالة الشكوك ومنع التزوير. فدراسة الأنثروبولوجيا وتاريخ المعرفة النسبية السابقة تُظهر أن هناك قدرًا دائمًا من الشك في كل أنساب، بل إن هذا الشك نفسه جزء من وظيفة النظام النسبي لأنه يمنحه المرونة التي يحتاجها ليستمر. ومن ثم فإن كتابة الأنساب ليست نتيجة بلوغ القبيلة المتعلمة حدّ الانفجار بسبب الدعاوى الكاذبة، بل هي نتيجة دخول قبيلة غير كاتبة إلى عالم الكتابة قبل أن تفقد بنيتها القبلية.

    ويضيف أن قوة الروابط القبلية هي التي جعلت الأنساب تبقى في الذاكرة الجمعية للأمة مدةً كافية حتى تُدوَّن. وليس ذلك فحسب، بل إن الطريقة القبلية في تنظيم الأفراد بحسب علاقاتهم المتشعبة حول شخصية مركزية هي ما منح أدب النسب هيئته البنيوية المميزة، وهي هيئة لا نجدها في التقليدات اللاحقة التي حاولت تقليده. وإلى جانب ذلك كانت هناك توترات خاصة بين من كانوا في البلاط، ممن جادلوا لصالح الأسبقية الاجتماعية للعرب أو ضدها. والذين دافعوا عن العرب كان بوسعهم أن يروا قيمةً كبيرة في عمل أدبي يقوم بنيانه نفسه على استبعاد خصومهم.

    أما أثر التشيع، فيؤجل المؤلف مناقشته التفصيلية إلى الفصل التالي، في سياق الحديث عن الزبيري نفسه، لأن هذه -في رأيه- الطريقة الوحيدة التي يمكن بها معالجة الموضوع على نحو كافٍ. فالانقسام الشيعي/السني كان لا يزال غير محدد المعالم إلى حد بعيد في هذه المرحلة، بحيث لا يمكن الجزم بأن موقفًا طائفيًا معينًا كان يجعل صاحبه أكثر أو أقل ميلًا إلى علم النسب. كما أعيد التأكيد على أن دور الديوان في ظهور التاريخ المنظم نسبيًا لا يمكن إثبات صلة مباشرة به في ضوء الأدلة الحالية.

    ثم يختم المؤلف هذا الفصل بالقول إنه ينتقل الآن من الإطار العام لأدب الأنساب المنظم نسبيًا إلى العمل الذي له الأهمية المركزية في هذه الأطروحة، وهو نسب قريش. ومع إبقاء العوامل الثقافية العامة السابقة في الذهن، سيتناول الفصل التالي حياة الزبيري وكتابه الوحيد الباقي، في محاولة لفهمه ضمن سياقه المباشر.


    الفصل الثالث: نسب قريش في سياقه

    المقدمة

    يقرر المؤلف منذ البداية أننا نملك معلومات تأريخية قليلة جدًا عن حياة الزبيري. فأوسع ما نجده عنه هو في الفهرست لابن النديم وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ومع ذلك فإن هذين المصدرين لا يتفقان حتى على تاريخ وفاته أو عمره عند الوفاة؛ فالأول يجعله يموت سنة 233هـ عن 96 سنة، والثاني سنة 236هـ عن 80 سنة. ويورد تاريخ بغداد بعض المعلومات عن شيوخه -ومن أبرزهم مالك بن أنس– وعن من رووا عنه -ومنهم ابن أبي خيثمة وابن أخيه الزبير بن بكار-. أما نسب قريش نفسه فلا يقدم تقريبًا أي تفصيلات سيرة ذاتية؛ فعلى خلاف كتاب ابن حزم المشابه له، لا يضع الزبيري مقدمة يشرح فيها دوافعه أو يبرر فيها تأليفه. ولا تقدم سائر المصادر إلا أقل من ذلك.

    ولذلك يرى المؤلف أن المقاربة المباشرة غير كافية، ويعتمد بدلًا منها على فرضية منهجية، وهي أن الأعمال النسبية يحكمها مبدآن:

    1. أن المؤلف يدخل عادةً كل من يعرفه ضمن المجال الذي يشمله كتابه.
    2. وأنه يرتب المادة بحيث تُعالج الشخصيات الأهم قبل الأقل أهمية.

    وسيحاول هذا الفصل أن يبين أن الزبيري يتبع هذين المبدأين في الغالب، وأنه حين يخرق أحدهما أحيانًا، فإنه يفعل ذلك بطريقة منسجمة مع خلفيته وسياقه الاجتماعي.

    ويعلن المؤلف مسبقًا أن هذا التحقيق سينتهي إلى نتيجة مؤداها أن خصائص الزبيري كما تعكسها حضورهاتُه القليلة في مصادر التراجم هي نفسها خصائص الكتاب الذي كتبه: فهو سني أولي في ميله، مناهض للشعوبية، ومؤيد للعباسيين. لكن الصورة ليست بهذه البساطة، لأن التحليل الكمي يقترح أيضًا -على نحو محرج- عددًا من الأسباب التي تجعلنا نظن أن الزبيري لم يكتب بنفسه كثيرًا من نسب قريش أصلًا.

    ويؤكد المؤلف أن ما سيخرجه من تحليل البيانات هو صورة تفصيلية لـ نسب قريش لم تكن متاحة لمن يقرأ الكتاب بالطريقة التقليدية من الغلاف إلى الغلاف. وسيظهر كذلك أن انحيازات المؤلف -أيًا كان في النهاية- محدودة النطاق وعادة قابلة للكشف، مما يعني أن بيانات النسب لا تزال صالحة للتحقيق البروسوبوغرافي. كما سيظهر أن تقليد النسب نفسه ملائم على نحو خاص للتحليل الإحصائي.


    أكمل في الرسالة التالية من الفصل الثالث: “الغيابات: من الذي لا يظهر في نسب قريش؟” ثم تحليل الزبيريين، وحذف الأسماء المحرجة، ثم الرواة، ثم النساء.

    الغيابات: من الذي لا يظهر في نسب قريش؟

    إن أحد أهم القرارات التحريرية عند تأليف تاريخ منظَّم نسبياً هو: من الذي ينبغي إدخاله؟ فعادةً لا يسجل النسّابة كل اسم يعرفه، بل يختار الأشرف والأشهر. ويلتزم ابن حزم وابن الكلبي بهذا النمط بصرامة نسبيًا؛ فنادرًا ما يذكران اسمًا من غير سبب يبرر إدخاله (وغالبًا ما يكون ذلك مصحوبًا بخبر أو -على الأقل- بمنصب أو صفة). أما الزبيري فاستثناء. فقد رأينا بالفعل أنه يورد معلومات أمومية أكثر بكثير من صاحبي العملين المماثلين، وليس ذلك لأن الأمهات المذكورات ذوات شأن خاص في العادة؛ فغالبًا لسن كذلك. وليس هذا فقط، بل إن الزبيري يدرج أيضًا عددًا كبيرًا من الأسماء من غير أية معلومات إضافية على الإطلاق – ومثل هذا قليل جدًا في سائر كتب النسب. ولهذا يصبح ذا دلالة أشد حين يختار الزبيري أن يحذف أسماء نجدها في مصادر تاريخية أخرى. والكشف عن جميع هذه الأسماء المحذوفة يتجاوز نطاق هذه الأطروحة؛ ولذلك سيُوجَّه التحليل هنا إلى القسم الذي نتوقع أن يكون الزبيري أعرف الناس به: قسم أسرته هو.

    ومهمتنا الأولى هنا هي إعداد قائمة بجميع ذرية الزبير بن العوام التي يسميها الزبيري في قسم بني أسد من نسب قريش. وكانت النتيجة قائمة من 77 اسمًا (بمن فيهم الجد المؤسس)، وعُرضت النتيجة في الجدول الآتي:

    الجدول 3.1: عدد مرات ظهور الزبيريين كما سُجلوا في نسب قريش في أعمال تاريخية خارجية

    • نسب قريش (NQ): 77
    • جمهرة النسب (JN): 15
    • أنساب الأشراف (AA): 39
    • تاريخ الطبري: 28

    لكن، رغم هذا الشمول، فإن الزبيري ما يزال يسقط بعض أقربائه. ويظهر عدد الأسماء التي ترد في أعمال خارجية ولا ترد في نسب قريش في الجدول التالي:

    الجدول 3.2: عدد مرات ظهور الزبيريين في الأعمال الخارجية ممّن لا يظهرون في نسب قريش

    • من جمهرة النسب: 1
    • من أنساب الأشراف: 14
    • من تاريخ الطبري: 14
    • مجموع الأفراد المفقودين: 23

    وبالنسبة إلى بعض هذه الأسماء، لا نملك أي تفسير واضح لماذا حذفها الزبيري. فمثلًا يذكر البلاذري أن واحدًا من أعمام الزبيري كان فقيهًا ومات في المدينة وعمره 72 سنة، وهذه ليست سيرةً مخزية، ومع ذلك لا ينال أي ذكر في نسب قريش. لكن أكثر هذه الأسماء المحذوفة يقع في ثلاث فئات، وكل واحدة منها تكشف شيئًا عن اهتمامات الزبيري وانحيازاته. وهذه الفئات هي:

    1. المحرجون / الحالات المحرجة
    2. الرواة
    3. النساء
      وسيُعالَج كل واحد منها على الترتيب.

    الغيابات 1: الحالات المحرجة

    إن بعض أقرباء الزبيري الذين اختار أن “ينساهم” في نسبه كانوا قد ارتكبوا مخالفات بسيطة نسبيًا. ومن أمثلة ذلك حمزة بن جعفر بن الزبير، الذي نعرف من البلاذري أنه عوقب على شرب الخمر. لكن آخرين كانوا متورطين في أمور أشد خطورة بكثير.

    ويظهر هذا حين ننظر إلى الزبيري الوحيد المذكور في جمهرة النسب لابن الكلبي ولا يظهر في نسب قريش، وهو ابن خضير، المعروف أيضًا باسم إبراهيم بن مصعب بن مصعب بن الزبير. فالزبيري يذكر شيئًا عن والد ابن خضير، ويحرص على أن يُمحى الابن من السجل تمامًا، وذلك بأن يصرح تحديدًا أن مصعب بن مصعب (المعروف أيضًا بـ خضير) لم يُخلّف إلا بناتًا. أما مدخل ابن الكلبي فيعطينا السبب الذي قد يكون لأجله استُبعد هذا الرجل من عمل الزبيري: فقد كان من رجال الشُّرطة لمحمد بن عبد الله النفس الزكية.

    وكانت ثورة النفس الزكية سنة 762–763م معروفة بوصفها محاولة شيعية لإسقاط الخلافة العباسية التي نُصبت حديثًا. وقد قمعها الخليفة المنصور بسرعة، ولكن ليس قبل أن تكون عدة أسر مدينية قد التحقت بالقضية الشيعية. وكان عدد غير قليل من الزبيريين قد انضموا إلى هذه الثورة؛ فإضافة إلى ابن خضير، يخبرنا الطبري والبلاذري عن خمسة آخرين من الزبيريين ساندوا الثورة أيضًا بصفات مختلفة. وهؤلاء الغائبون هم:

    1. ابن خُضَير، إبراهيم بن مصعب بن مصعب بن الزبير: كان ابن خضير من أنصار محمد بن عبد الله منذ البداية، وانضم إلى شرطته، ثم قُتل في النهاية مع قائده.
    2. عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير: كان مؤيدًا للثورة، وعيّنه محمد بن عبد الله واليًا على المدينة. ثم أُعدم لاحقًا على يد الخليفة المنصور بعد القضاء على الانتفاضة.
    3. محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير: حمل -وهو شاب- راية محمد النفس الزكية نيابة عن أبيه (الشخص رقم 2 أعلاه).
    4. عبد الوهاب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير: ورد أنه انضم إلى الثورة في دور غير محدد.
    5. إبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير: عمل كشّافًا / رائدًا لمحمد بن عبد الله مع اقتراب قوات الخليفة، ومات إثر سقوطه عن فرسه.
    6. خالد بن عثمان بن خالد بن الزبير (من رواية البلاذري وحده): انضم إلى الثورة في دور غير محدد، ثم صُلب على يد المنصور.

    ولا يظهر أي واحد من هؤلاء الرجال في نسب قريش. ومع ذلك، لم يكن الزبيريون جميعًا على رأي واحد في تأييد الانتفاضة؛ فالطبري يذكر زبيريين اثنين كانا ضد محمد بن عبد الله. وهما:

    1. خبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير: كان واحدًا من أربعة من أعيان المدينة امتنعوا عن مؤازرة محمد بن عبد الله في بداية الثورة.
    2. نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزبير: رفض لقاء محمد بن عبد الله في بداية الانتفاضة، ولما جيء به قال له: “ليس لي تعاطف مع ما تنوي القيام به.”

    ومن غير المستغرب أن الزبيري لم يحذف هذين؛ فهو -كما يرى المؤلف- ينظف ماضي أسرته في هذا الموضع، فيحذف أقاربه الذين ساندوا ثورة النفس الزكية، ويُبقي من عُرف عنهم معارضتها. ومع ذلك يضيف المؤلف تحفظين:
    الأول أن الرجلين اللذين أظهرا معارضة الثورة هما عما المؤلف، وربما كان هذا وحده سبب حضورهما.
    والثاني أنه لو كان الزبيري فخورًا حقًا بموقفهما هذا، لكان من المتوقع أن يذكر تفاصيله، لكنه لا يفعل.

    ويضيف المؤلف أن هناك أيضًا شيئًا من الحرج العام تجاه هذه الثورة. فمثلًا، يذكر الطبري أن عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي كان من أنصار محمد بن عبد الله، بل عمل قاضيًا له. لكن الزبيري لا يصرح بذلك، مع أن له مدخلًا واسعًا. والفكرة الأساسية هنا أن الحذف نفسه يكشف لونًا من ألوان الموقف السياسي أو العائلي. ومن ثم قد يكون الزبيري -أو البيئة التي أنتجت النص- قد وجد نفسه مضطرًا إلى تشذيب الشجرة العائلية من فروعها الأكثر إحراجًا. بل وقد يفسر هذا جزئيًا اختياره أن يكتب العمل أصلًا.


    الغيابات 2: الرواة والأجيال القريبة

    أما الفئة الثانية المهمة من الغائبين فهي الزبيريون الذين لا يظهرون في تاريخ الطبري إلا بوصفهم رواة. وهم الآتي ذكرهم:

    الجدول 3.3: رواة زبيريون في تاريخ الطبري

    • مصعب بن عثمان (بن مصعب) بن عروة بن الزبير
    • عثمان بن منذر بن مصعب بن عروة بن الزبير
    • إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير

    وبحسب عدد الأجيال التي تصل بينهم، فإن هؤلاء الرجال كانوا معاصرين للزبيري أو قريبين من عصره جدًا، مما يعني أنه لا بد أنه كان يعرفهم. ومن الممكن أنه لم يذكرهم لأنهم لم يكونوا مميزين في شيء سوى رواية الحديث، لكن نسب قريش يتضمن عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين لا يبدو أنهم حققوا شيئًا مهمًا أصلًا. لذلك فالتفسير البسيط بأنهم “غير مهمين” لا يكفي وحده.

    ويقترح المؤلف تفسيرًا آخر، وهو أن كونهم معاصرين له هو بذاته ما أخرجهم من نسب قريش. فربما لم يكن الكتاب مصممًا لكي يمتد إلى الأحياء أو القريبين جدًا من زمن المؤلف. وفي هذه الحال لا يكون حذفهم نوعًا من التطهير الأخلاقي أو السياسي، بل مجرد نتيجة لكون دفتر الزبيري النسبي قد توقّف عند لحظة زمنية معينة. وكما بُيّن في الفصل السابق، فإن العصر العظيم للكتابة النسبية بهذا النمط كان يقترب من نهايته، ومن ثم تجمدت مذكرات الزبيري في الزمن. ولهذا فإن الرواة الموجودين في الطبري والمفقودين من نسب قريش ليسوا ضحايا تطهير عائلي؛ وحدها معاصرتهم هي التي جعلتهم خارج السجل.


    الغيابات 3: النساء

    إذا كانت الحالات المحرجة والرواة المتأخرون يفسرون تسعة من أصل 23 سجلًا مفقودًا، فإن هناك مجموعة أخيرة كبيرة من الغائبين، هي ثماني نساء. وهؤلاء كلهن بنات الزبير بن العوام. ويذكرهن البلاذري إلى جانب إخوتهن الذكور، أما في نسب قريش فإنهن يُختزلن إلى كلمة واحدة هي: “نسوة”.

    ويلاحظ المؤلف أن نسب قريش متحيز عمومًا ضد تسجيل البنات مقارنة بالأبناء. فقاعدة بياناته تتضمن 2328 ابنًا في مقابل 610 بنات، أي ما يقارب أربعة أضعاف. لكن الاختلال يصبح أشد حين ننظر إلى القسم الخاص بـ بني أسد، الذي يُعد الزبيريون جزءًا منه.

    فإذا بدأنا من أبي أسد (الجيل 1) نقطةً للانطلاق، كان في هذا القسم 162 ولدًا مسمّى. ومن هؤلاء 14 فقط بنات، أي 8.64% من المجموع. وهذه نسبة أقل بكثير من المتوسط القرشي العام كما يسجله نسب قريش؛ إذ إن 20.76% من الأطفال الذين عُرفت أمهاتهم وآباؤهم في الكتاب كله إناث. وبعبارة أخرى، فإن القسم الزبيري -أي القسم الذي نتوقع أن يكون المؤلف أعلم الناس به- يتضمن معلومات أقل بكثير عن النساء من الأقسام الأخرى.

    ويضيف المؤلف أن هذه الفئة من بني أسد لديها أيضًا عدد أقل قليلًا من الأطفال لكل أب من المتوسط القرشي العام:

    • في هذا القسم: 3.31 طفلًا للرجل الواحد
    • في المتوسط القرشي العام: 3.62

    ولو ضربنا عدد الآباء المسجلين الذين عُرفت لنا ذريتهم في هذا القسم (49) في المتوسط القرشي العام (3.62) لتوقعنا أن نجد 177 طفلًا، أي 15 طفلًا أكثر من العدد الفعلي المسجل. وهذا ليس مستحيلًا بالطبع، لكنه يزيد الشك في قصة هي أصلًا غير مرجحة كثيرًا.

    وفي غياب أي تفسير آخر، فإن الأرجح أن الزبيري حذف قريباته من النساء ببساطة لأنه لم يرَ أنهن مهمات بما يكفي لكي تُذكر أسماؤهن في سياق أولاد الأب. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يثير سؤالًا آخر: إذا كان لا يرى نساء الزبيريين مهمات بما يكفي لإدخالهن في “نسب قريش”، فلماذا لم يحذف بنات الأسر غير الزبيرية أيضًا؟ فلو كانت هذه السياسة التحريرية مطبقة على الجميع، لما كانت نسبة النساء في قسم بني أسد دون المتوسط بهذا القدر الكبير. ولماذا تُستبعَد فاختة بنت فليخ بن محمد بن منذر بن الزبير من القسم الزبيري في نسب قريش، لكنها تُذكر في ترجمة محمد النفس الزكية حيث يقال إنها ولدت له ابنًا؟

    وهذا يقودنا إلى اقتراح أن في “نسب قريش” أكثر من سياسة تحريرية واحدة ظاهرة، وكما سيُبيَّن من أدلة أخرى لاحقًا، فإن هذا راجع على الأرجح إلى أن للعمل أكثر من مؤلف. فسياسة الزبيري كانت أن يذكر النساء فقط عندما ينجبن أولادًا، وحتى في هذه الحالة لا يذكرهن إلا في تراجم أزواجهن؛ أما أن تُذكر المرأة مع إخوتها في ترجمة أبيها، فلا. ومن هنا يبدو أن الزبيري لم يكتب قدرًا كبيرًا من “نسب قريش”، بل تلقى أكثر مادته من شخص آخر، ثم راجع قسم أسرته هو قبل أن يمرره إلى تلاميذه.

    وليس هذا المثال الوحيد الذي نجد فيه أدلة على تعدد الاستراتيجيات التحريرية. ففي القسم التالي سيُجادَل بأن الأجزاء المكوِّنة لـ نسب قريش تُظهر بنى داخلية، وأن القواعد التي تحكم هذه البنى تنهار أيضًا في القسم الزبيري. وسيبدأ المؤلف بشرح هذه البنى كما تظهر في الأقسام غير الزبيرية. وهذا لن يمهد فقط لفهم مسألة تأليف الزبيري، بل سيضيف أيضًا إلى الحجة القائلة إن “نسب قريش” ينبغي أن يُفهم بوصفه عملًا مؤيدًا للعباسيين، سنّيًا أوليًا، وفيه مسحة مناهضة للشيعة.


    ترتيب نسب قريش

    إن غرض هذا الفصل هو الوصول إلى فهم أفضل لـ “نسب قريش” من خلال مقارنته بأعمال قريبة منه. وحتى الآن جرى ذلك عبر مقارنة مداه النسبي بمدى كتب النسب الأخرى؛ وحين نجد حذفًا، نقترح له أسبابًا، وغالبًا ما نجد هذه الأسباب في السياق الاجتماعي للمؤلف. أما القسم الآتي فيرمي إلى متابعة هذا المسار، ولكن عبر مقارنة بنية “نسب قريش” لا مضمونه. ومرة أخرى سيتبين أن النسّابة، حين تكون له حرية تحريرية، كثيرًا ما يستخدمها في إظهار خلفيته الأيديولوجية.

    إن البنية “الكلاسيكية” للنسب هي الآتية: إذا كان نطاق النسّابة يشمل محمدًا، فإنه يُوضَع في بداية العمل، ثم يتشعب منه سائر الناس.

    ترتيب نسب قريش

    البنية “الكلاسيكية” لكتاب النسب هي كما يلي: إذا كان مجال النسّابة يشمل محمدًا، فإنه يُوضَع في بداية العمل، ثم يتشعّب سائر الناس منه.

    لكن المؤلف يلفت هنا إلى أن هذه القاعدة العامة لا تفرض دائمًا ترتيبًا واحدًا محتومًا؛ فحتى داخل البنية النسبية الكلاسيكية يبقى للنسّابة هامش من الحرية التحريرية. فهو يقرر أيَّ خطٍّ نسبي يتبعه أولًا، وأيَّ الفروع يؤخرها، وبذلك يستطيع أن يُبرز شخصية بعينها أو يُرجئها إلى موضع متأخر. ومن هنا فإن الترتيب نفسه يصبح دليلًا على اختيار أيديولوجي، لا مجرد إجراء تنظيمي محايد. هذا ما يريده المؤلف من هذا القسم: أن يُظهر أن الزبيري لا يكشف عن خلفيته الفكرية بالحذف والإثبات فقط، بل أيضًا بطريقة ترتيب الشجرة نفسها.

    ويضرب المؤلف مثالًا على ذلك بما يتعلق بموضع أبي بكر. فلو أراد النسّابة أن يُؤخره، لكان في إمكانه أن يتبع قبل ذلك خطوط:

    • عثمان بن عمرو
    • جُدعان بن كعب
    • عبد مناف بن كعب
    • عامر بن كعب

    وبذلك يُرجئ أبا بكر إلى موضع أبعد. لكن الذي يحدث في نسب قريش أن هذه الخطوط لا تُتَّبع إلا بعد أن تُعرض ترجمة أبي بكر وذريته. وهذا -في نظر المؤلف- دليل على أن النسّابة يتخذ قرارًا واعيًا في كيفية ترتيب بياناته.

    ويرى المؤلف أن هذا النوع من اتخاذ القرار التحريري يمكن رؤيته في أسر أخرى أيضًا:

    • عدي بن كعب: هذا القسم يختار خط الخليفة عمر على ستة خطوط أخرى كان يمكن أن تؤدي إلى استبعاده أو تأخيره؛ إذ تتشعب الخطوط الأخرى عند:
      • زيد بن الخطاب
      • عمر بن نفيل
      • أُذى بن رياح
      • تميم بن عبد الله
      • صُداد بن عبد الله
      • عُوَيج بن عدي
        ومع ذلك اختير الخط الذي يُبرز عمر أولًا.
    • عبد الدار بن قصي: هذا القسم يختار خط الصحابي والسابق إلى الإسلام طلحة على ثلاثة خطوط أخرى كان يمكن أن لا توصله إليه، إذ تتشعب الخطوط الأخرى عند:
      • شُراقح بن عثمان
      • عبد مناف بن عبد الدار
      • سبّاق بن عبد الدار
        ومع ذلك يُقدَّم الخط الذي يفضي إلى طلحة.
    • زهرة بن كلاب: هذا القسم يذهب مباشرة إلى امرأة، هي آمنة بنت وهب أم محمد. وقد اختير هذا الخط على خطين آخرين كان يمكن أن يُسلكا بدلًا منه، ويتشعبان عند:
      • أهيب بن عبد مناف
      • الحارث بن زهرة
        لكن الزبيري يختار الطريق الذي يمر عبر أم النبي.
    • مخزوم: هذا القسم الكبير جدًا يبدأ هو أيضًا بامرأة، هي حَنتمة بنت هاشم، أم الخليفة عمر. وقد اختير خطها على عشرة أعمام وعدد كبير من الأعمام الأعلى، وهذا أيضًا قرار بنائي واضح.

    ومن هنا ينتقل المؤلف إلى نتيجة أكثر حساسية. فإذا كان هذا التحليل صحيحًا، فإن وضع أبي طالب بعد العباس في نسب قريش يكون علامة على نزعة مؤيدة للعباسيين ومضادة للشيعة في الكتاب. فالمسألة ليست أن أبا طالب غائب، بل إنه مؤخَّر ترتيبًا، مع أن مكانته -بوصفه أبا علي- كانت ستجعل من الطبيعي في نظر كثيرين أن يُقدَّم. ولذلك يصبح التأخير نفسه ذا دلالة مذهبية وسياسية.

    ويضيف المؤلف أننا قد نرى قوى مشابهة تعمل في كتاب نسبي متأخر، هو التبيين في أنساب القرشيين للفقيه الحنبلي ابن قدامة المقدسي (ت 1223م). فبعد أن يفرغ ابن قدامة من أسرة محمد، يذكر الذين كتبوا للنبي (وفيهم بعض غير القرشيين)، ثم فقط يبدأ بأسر الأعمام، مبتدئًا بـ الحارث بن عبد المطلب. ويُخصَّص اهتمام خاص لابن الحارث، نوفل، لأنه كان جدًّا لسلسلة طويلة من المؤرخين. ثم يُذكَر أبو سفيان بن أبي طالب، وفقط بعد ذلك يظهر أبو طالب نفسه. وحتى هنا، فإن أشهر أبنائه، عليًا، يأتي آخر إخوته. وبعد ذلك تظهر بقية الأعمام، وأخيرًا العباس. كما أن العباس وأبا طالب يُؤخران أيضًا نحو آخر الترتيب في نسب ابن حزم، مع أنهما ليسا آخر أبناء عبد المطلب تمامًا؛ فهذا الموقع يذهب هناك إلى الحارث ثم أبي لهب.

    وهذا كله يقوي الفكرة الأساسية في هذا القسم: أن الترتيب النسبي ليس بريئًا، وأن النسّابة حين يملك حرية في اختيار الفرع الذي يبدأ به، فإنه يستخدم هذه الحرية في الغالب لعرض موقفه الفكري أو تصوره للهرمية المعنوية والسياسية داخل قريش.

    وهذه الممارسة، أي وضع الأسماء الأهم في أبكر موضع ممكن داخل المخطط النسبي، تظهر أيضًا في بقية أقسام نسب قريش. فإذا نظرنا إلى قسم تيم بن مُرّة، وجدنا أن أول خط نسبي هو الخط الذي يشتمل على أبي بكر. ويظهر على الصورة الآتية:

    مرة — تيم — سعد — كعب — عمرو — عامر — أبو قحافة — أبو بكر الصديق — عبد الرحمن / عبد الله / أبو بكر — عبد الرحمن — أبو بكر — هاشم.

    غير أن تحديد أبي بكر بوصفه محور هذا الخط ليس أمرًا محسومًا تمامًا؛ إذ قد يكون واحدًا من أحفاده هو الشخص الذي يراه النسّابة الأهم حقًا، ويكون أبو بكر مجرد حلقة في السلسلة المؤدية إلى ذلك الشخص الأهم. ومع أن هذا قد يصح في حالات مثل الزبيريين والعلويين -وهي أسر تضم عددًا كبيرًا من الأسماء الشهيرة عبر أجيال متعددة- فإن الأمر في الجملة يكون واضحًا جدًا من الذي يعطيه النسّابة الأولوية.

    ويضيف المؤلف أن هناك دليلًا إضافيًا على أن أبا بكر هو مركز هذا الخط، وذلك حين ننظر إلى عدد “التشعبات” الموجودة في نسبه، والتي كان يمكن للنسّابة أن يسلكها بحيث لا تقود مباشرة إلى الخليفة. ففي المثال المذكور كان يستطيع أن يتبع خطوط:

    • عثمان بن عمرو
    • جُدعان بن كعب
    • عبد مناف بن كعب
    • عامر بن كعب

    وبذلك يؤخر أبا بكر. لكنه بدلًا من ذلك لا يتتبع هذه الخطوط إلا بعد أن يفرغ من أبي بكر وذريته. وهذا، في رأي المؤلف، دليل على أن النسّابة يتخذ قرارًا واعيًا في الطريقة التي ينوي بها بناء بياناته.

    ثم يذكر أن هذا النوع من اتخاذ القرار التحريري يظهر في عدد من الأسر الأخرى أيضًا:

    • عدي بن كعب: يختار هذا القسم سلسلة الخليفة عمر على ست سلاسل أخرى كان من الممكن أن تستبعده، إذ تتشعب السلاسل الأخرى عند:
      • زيد بن الخطاب
      • عمر بن نُفيل
      • أُذى بن رياح
      • تميم بن عبد الله
      • صُداد بن عبد الله
      • عُويج بن عدي.
    • عبد الدار بن قصي: يختار هذا القسم سلسلة الصحابي والسابق إلى الإسلام طلحة على ثلاث سلاسل أخرى كان يمكن أن تستبعده، لأن التشعبات الأخرى تقع عند:
      • شُراقح بن عثمان
      • عبد مناف بن عبد الدار
      • سبّاق بن عبد الدار.

    وقد سبق في الكلام ذكر أمثلة أخرى من الكتاب نفسه على هذا النمط، مثل:

    • تقديم آمنة بنت وهب في قسم زهرة بن كلاب لأنها أم محمد،
    • وتقديم حَنتمة بنت هاشم في قسم مخزوم لأنها أم عمر،
    • وتقديم العباس قبل أبي طالب عند أعمام النبي، وهو ما رآه المؤلف متناغمًا مع صورة كتاب مؤيد للعباسيين، سني أولي، وذي نزعة مناهضة للتشيع بعض الشيء.

    لامبالاة الكتاب بالأجيال المتأخرة

    ثم ينتقل المؤلف إلى ملاحظة مهمة أخرى، وهي أن الكتاب في مجموعه يبدو غير مكترث كثيرًا بالأجيال الأحدث. ويمكن رؤية هذا حين تُتبع البيانات عبر الزمن. ويعرض المؤلف لذلك الرسم البياني 3.1، الذي يبيّن كيف يتغير عدد الآباء والأبناء كما يظهرون في نسب قريش بحسب الجيل.

    ويقول إن الرسم البياني يكشف انتفاخًا / حدبة واضحة في البيانات. فعدد المداخل يرتفع بسرعة قبل ثلاثة أجيال من محمد (الذي يقع في الجيل الخامس)، ثم ينخفض بسرعة بعد ذلك بثلاثة أجيال (وهذا يوافق الجيل الذي شهد سقوط الأمويين في مرحلة بلوغهم). وأول ما يلفت النظر هنا أن هذا ليس إطلاقًا نتاج مخبر قبلي شفهي غير كاتب من النوع المعروف لعلماء الأنثروبولوجيا. فالبيانات هنا أكثر بكثير مما يمكن أن تحتمله ذاكرة نسّابة شفهي حي؛ فبينما قد نتوقع من نسّابة غير كاتب في ثقافة قبلية معيشة أن يتذكر بدقة نحو 150 اسمًا، فإن نسب قريش يتيح لنا قاعدة بيانات تسمي 2938 شخصًا.

    وفوق ذلك، فإن توزع البيانات لا يطابق ما نتوقعه لو كانت آتية من بيئة قبلية شفوية غير كاتبة. فبدلًا من أن تتجمع أكبر كمية من السجلات حول جيل المخبر نفسه (أي الجيل العاشر في حالة الزبيري)، نجد أن ذروة التوزيع هنا تقع حول جيل محمد.

    ويرى المؤلف أن هذا أمر متوقع؛ فالزبيري كان بالفعل ابن ثقافة شديدة الكتابية، وليس مستغربًا أن يعكس نسب قريش ذلك. كما أن الأجيال المحيطة بمحمد هي التي تنتج أكبر عدد من الشخصيات الإسلامية المبكرة ذات الشأن، وبخاصة الصحابة وزوجاتهم. لكن مع ذلك، يبدو الزبيري غير مهتم على نحو لافت بالأجيال المحيطة بعصره هو؛ فالأجيال العاشر إلى الثالث عشر -أي معاصروه زمن الكتابة- لا تضم إلا 20 رجلًا فقط ممن كانت لهم زيجات منجبة، من أصل 813 رجلًا من هذا الصنف في الكتاب كله.

    ويمتد هذا الفتور تجاه المعاصَر إلى أسرته هو أيضًا؛ فنحن لا نعرف شيئًا عن أمه ولا جدته، وهو لا يذكر نفسه. وحتى الخلفاء العباسيون لا يُعاملون إلا معاملة عابرة؛ فلا ينال مدخلًا نسبيا كاملًا إلا الأولان فقط، وحتى هذان لا يظهران إلا بوصفهما أبناء لا آباء. أما بقية الخلفاء فيردون كشخصيات عرضية داخل تراجم لا عباسية. وبذلك يكون ثمانية خلفاء عباسيين ممن حكموا في حياة الزبيري لا يظهرون بوصفهم مداخل كاملة. والخلاصة التي يصل إليها المؤلف هنا لاذعة قليلًا: إن الزبيري يبدو متحفظًا على نحو لافت في ذكر كل من قد يكون بالفعل قرأ كتابه أو سمع أداءه.

    ويرى المؤلف أن هذا الانتفاخ الواضح في منتصف الرسم البياني لا يمكن تفسيره على أنه أثر ذاكرة قبلية شفوية غير كاتبة؛ فالمادة هنا أكثر بكثير مما يمكن لنسّابة شفهي حي أن يحفظه. ففي حين قد نتوقع من نسّابة غير كاتب، في ثقافة قبلية معاشة، أن يتذكر بدقة نحو 150 اسمًا، فإن نسب قريش يتيح قاعدة بيانات تسمّي 2938 شخصًا. وفوق ذلك، فإن توزع البيانات لا يوافق ما نتوقعه لو كانت مستمدة من مخبر شفهي؛ فبدلًا من أن تتجمع البيانات حول جيل المؤلف نفسه، نجد أن ذروتها تقع حول جيل محمد.

    وهذا -كما يقول- غير مستغرب من جهة، لأن الزبيري كان ابن ثقافة كتابية، ولأن الأجيال المحيطة بمحمد هي التي تنتج العدد الأكبر من الشخصيات الإسلامية المبكرة ذات الشأن، وبخاصة الصحابة وزوجاتهم. لكن اللافت هو أن الزبيري يبدو غير مكترث كثيرًا بالأجيال الأحدث. فالأجيال العاشر إلى الثالث عشر، أي الأجيال الأقرب إلى زمنه، لا تضم إلا 20 رجلًا فقط من الرجال الذين كانت لهم زيجات منجبة، من أصل 813 رجلًا من هذا النوع في الكتاب كله.

    ويمتد هذا الفتور تجاه المعاصَر إلى أسرته هو أيضًا؛ فنحن لا نعرف شيئًا عن أمه، ولا عن جدته، وهو لا يذكر نفسه أصلًا. وحتى الخلفاء العباسيون لا يُعامَلون إلا معاملة عابرة؛ فلا ينال مدخلًا نسبيًا كاملًا إلا الأولان فقط، وحتى هذان لا يظهران إلا بوصفهما أبناء لا آباء. أما بقية الخلفاء فيردون مجرد شخصيات عرضية داخل تراجم غير عباسية. وبهذا يكون ثمانية خلفاء عباسيين ممن حكموا في حياة الزبيري لا يظهرون بوصفهم مداخل كاملة. وخلاصة المؤلف اللاذعة هنا أن الزبيري يبدو متحفظًا على نحو ملحوظ في ذكر كل من قد يكون بالفعل قرأ كتابه أو سمع أداءه.

    ومن هنا يريد المؤلف أن يمهّد لفكرة أوسع: وهي أن نسب قريش ليس كتابًا كُتب ليكون سجلًا حيًّا مفتوحًا على الحاضر، بل يبدو أقرب إلى مدوَّنة توقفت عند أفق زمني محدد. وهذا يتفق مع ما سبق اقتراحه، من أن الزبيري ربما تسلّم مادةً أقدم ثم راجع بعض أقسامها، ولا سيما ما يتصل بأسرته، قبل أن ينقلها إلى تلاميذه. ولذلك فإن ضعف حضور المعاصرين لا يُفهم فقط بوصفه موقفًا شخصيًا، بل أيضًا بوصفه أثرًا لبنية النص وتاريخه التأليفي.

    النظرية المقترحة في طبيعة نسب قريش

    يقترح المؤلف هنا نظرية مفادها أن نسب قريش ليس إلا جزءًا من عمل أكمل، وأن الجزء المفقود هو المكمّل الشفهي للنص المكتوب. فالزبيري لم يثبت في الكتابة الأجيال الأقرب إلى عصره، لأنه كان يعرفها معرفة جيدة جدًا، ومن المرجح أن جمهوره كان يعرفها أيضًا. أما الأجيال الأبعد في الماضي فهي التي كانت أكثر عرضة للنسيان أو النزاع حولها. كما أن تراجع حجم البيانات يتبع عن قرب الحدَّ الثلاثي للأجيال الذي لاحظه علماء الأنثروبولوجيا في الذاكرة النسبية؛ فالزبيري، بصفته من الجيل العاشر، كان من المتوقع أن تمتد ذاكرته النسبية الشخصية إلى الجيل السابع، وهو بالضبط الموضع الذي يبدأ فيه هذا الانحدار في البيانات. ومن ثم فإن الخلفاء العباسيين ومعاصري الزبيري لم يكونوا ليغضبوا من استبعادهم من الجزء المكتوب، لأن المقصود أصلًا لم يكن أن يطالعوا نسخة مادية من الكتاب؛ بل كان نسب قريش في جوهره دفتر ملاحظات.

    ويمدّ المؤلف هذه النظرية خطوة أخرى، فيقول إنه لو لم تكن الأذواق الأدبية والاجتماعية قد تغيرت، لكان نسب قريش قد استمر يُضاف إليه مع الزمن، بحيث “تتبناه” كل قبيلة وكل جيل كما فعل الزبيري نفسه. وكانوا سيضيفون إلى العمل المداخل التي بدأت ذاكرتهم الجماعية تنساها، ويحذفون منه ما لم يعد ذا صلة، أو ما صار محرجًا، ثم يستخدمون النص الناتج دعامةً للأداء الشفهي للأنساب. لكن -كما بُيّن في الفصل السابق- فإن العصر العظيم للكتابة النسبية بهذا النمط كان يقترب من نهايته، ولذلك تجمّد دفتر الزبيري في الزمن. ومن ثم فإن الرواة الذين يظهرون في الطبري ولا يظهرون في نسب قريش ليسوا ضحايا تطهير عائلي من الزبيري؛ إن جريمتهم الوحيدة أنهم كانوا أحياء وقت كتابة الكتاب.


    من كتب نسب قريش؟

    بعد ذلك ينتقل المؤلف إلى خلاصة أكثر جرأة: أن القسم الزبيري في الكتاب يبرز على نحو خاص لعدة أسباب مجتمعة:

    • غياب البنات منه،
    • وطريقة وضع الشخصيات الأهم في آخره لا في أوله،
    • وطريقة التنظيم الداخلي فيه التي تختلف عن بقية الأسر في الكتاب.

    وأفضل تفسير لهذه الظواهر، في رأيه، هو أن الزبيري كان أكثر تدخلًا في نقل هذا القسم بالذات من تدخله في بقية الأقسام. والتحليل هنا -كما يعترف- ليس مكتملًا بعد؛ فمن المحتمل جدًا أن تكون هناك مواضع أخرى في نسب قريش ترك الزبيري عليها بصماته، ولا سيما في الأجيال الأحدث، لكنها لم تُكتشف بعد. ومع ذلك، فإن النتائج الأولية تكفي -في نظر المؤلف- لصياغة نظرية عن أصل الكتاب وعن الصلة الحقيقية للزبيري به.

    والنظرية التي يقترحها هي الآتية:
    إن نسب قريش في صورته الحالية ليس إلا الجزء المكتوب من أداء أكمل كان يشتمل أيضًا على إلقاء شفهي. وهذا الجزء المكتوب لم يكن -في أكثره- بحثًا أصيلًا من صنع الزبيري نفسه. فاختلاف المعايير التحريرية في الأقسام غير الزبيرية -مثل طريقة البناء، وإدخال النساء- دليل على أن باحثًا آخر هو الذي أنجز معظم هذا العمل، وهو باحث يبدو أنه كان يشارك الزبيري ميوله السنية الأولية، وولاءه للعباسيين، ونزعته المناهضة للتشيع بدرجة ما. وفي مرحلة ما حصل الزبيري على هذا العمل -إما في صورة مكتوبة، أو من خلال أداء شفهي- من ذلك النسابة المجهول. وكانت المادة التاريخية التي شكّلت العنصر المكتوب في هذا الأداء تتضمن قسمًا عن الزبيريين لم يعجبه، فلما أراد أن ينقل نسخة معتمدة من هذا العمل إلى تلميذه ابن أبي خيثمة، راجع هذا القسم وحده وترك معظم ما عداه على حاله.

    ويضيف المؤلف أن هذا النقل لا يمكن أن يكون شفهيًا خالصًا؛ لأنه لو كان كذلك لكان بوسع الزبيري أن يحذف أثناء الإلقاء الزواج المحرج لقريبه الزبيري الوارد في ترجمة محمد النفس الزكية، وأن يزيل أيضًا أسماء النساء من بقية الكتاب أثناء تلاوته. ولذلك فالأرجح -في نظره- أحد احتمالين:

    1. أن الزبيري طلب من الطالب أن ينسخ العمل كله ما عدا القسم الزبيري، ثم أملى عليه هو الصيغة “الصحيحة” لهذا القسم ليثبتها.
    2. أو أن النسخة المنقحة أُدخلت في المخطوط قبل النقل، فقام الطالب بنسخ العمل كله كما هو.

    ويشير المؤلف إلى أن هناك أدلة على هذا النوع من النقل غير الشفهي في تلك الفترة. فـ مالك بن أنس -وهو أحد شيوخ الزبيري- ذُكر صراحة على أنه كان يوزع نسخًا معتمدة من الموطأ من غير أداء شفهي ملازم. ومن اللافت أيضًا أن كتاب الزبيري -كما وصل إلينا اليوم- مر بعده عبر ثلاث حلقات نقل أخرى، ومع ذلك فإن هذه الحلقات لم تُملِّس الفوارق الصارخة بين النظم التحريرية المختلفة داخله. وهذا يعني أن إعادة الصياغة التي قام بها الزبيري تبدو الأخيرة، وهو ما ينسجم جيدًا مع ملاحظة تشيس روبنسون أن عمليات التحرير والتثبيت في الأنواع التاريخية الأخرى كانت كذلك تميل إلى الاستقرار في هذه الحقبة.

    ثم يتساءل المؤلف: من المسؤول إذًا عن كتابة “نسب قريش” الأصلي؟ ويذكر أن الخطيب البغدادي يخبرنا بأن الزبيري أخذ معرفته بالأنساب من الواقدي. وهذا يبدو ملائمًا من بعض الوجوه؛ فالواقدي كان معاصرًا، ورغم أن ابن النديم يوحي بأن له ميولًا شيعية، فإن ليدر لا يرى أن هذا يبدو واضحًا في كتاباته الفعلية. ومن ثم فإن الواقدي يبدو من حيث المبدأ تمامًا النوع من المؤرخين السنيين الأوائل، الموالين للعباسيين، الذين يمكن تخيلهم خلف عمل مثل نسب قريش. لكن المؤلف يحتاط هنا ويشير إلى أن هذه السمات لم تكن خاصة بالواقدي وحده، بل كانت شائعة بين عدد من علماء تلك الفترة.

    لكن، مع أن الواقدي يبدو من حيث المبدأ مرشحًا مناسبًا ليكون وراء العمل الأصلي، فإن ابن النديم لا يذكر لنا أن الواقدي ألّف نسبًا لقريش. كما ينبغي ألا ننسى أن الخطيب البغدادي كان يكتب بعد زمن طويل من هذا النقل المفترض، ومع وجود هذا القدر الكبير من العمل الذي لا يزال يمكن إنجازه على النص نفسه، فلا ينبغي أن نقضي وقتًا طويلًا في التكهن بمدى صحة هذه الملاحظات التراجمية القليلة.


    الخاتمة

    لم يكن الغرض من هذا الفصل أن يقدم “سيرةً وحياةً” كاملة للزبيري، لأن هذا غير ممكن في ضوء المادة المصدرية المتاحة. وإنما كان الهدف أن يرسخ الأسس التي يمكن عليها أن نزعم أن “نسب قريش” مصدر مناسب لتوليد قاعدة بيانات بروسوبوغرافية.

    ومن هذه الجهة، يقرر المؤلف أن النتائج إيجابية. فـ نسب قريش عملٌ يتشكل بوضوح تحت تأثير السياق الاجتماعي والسياسي الذي نشأ فيه، لكن الانحيازات التي تظهر فيه صغيرة النطاق ويمكن تمييزها عادة. وقد رأينا أن الزبيري -أو من صاغ النص في صورته الأخيرة- يحذف بعض الأسماء المحرجة، ويعيد ترتيب بعض الفروع على نحو يعكس ميولًا سنية أولية وولاءً عباسيًا ونفورًا من بعض المطالب الشيعية. لكن هذه السمات لا تهدم القيمة العامة للكتاب، بل على العكس تساعدنا في فهمه واستعماله بحذر منهجي. وهذا بالضبط ما تحتاجه المقاربة البروسوبوغرافية: ليس مصدرًا “نقيًا” خاليًا من كل أثر للسياق، بل مصدرًا يمكن قراءة انحيازاته والالتفاف عليها.

    وبهذا تنتهي المرحلة التمهيدية الخاصة بالمنهجية وتأريخ المصدر والسياق التأليفي. وبعد أن جرى الدفاع عن صلاحية نسب قريش بوصفه مادة قابلة للاستخدام، ينتقل البحث الآن إلى القسم الثاني من الأطروحة: أي تحليل البيانات نفسها وتطبيقها على أسئلة التاريخ الاجتماعي في قريش.


    القسم الثاني: تحليل البيانات وتطبيقها

    الفصل الرابع: التحليل الإحصائي للتسرّي

    ينتقل المؤلف هنا من الأسئلة المتعلقة بالمصدر والمنهج إلى الأسئلة المتعلقة بما تقوله البيانات نفسها. وغرض هذا الفصل هو أن يبيّن -على أساس إحصائي– كيف تغيّر موقع السراري وأبناء السراري في مجتمع قريش عبر الأجيال. والفكرة الأساسية التي سيحاول إثباتها هي أن التسرّي يكاد يكون غائبًا في الأجيال السابقة على الفتوحات الإسلامية، ثم يرتفع بسرعة بعد ذلك حتى يصير عنصرًا مهمًا في بنية الأسرة القرشية في العصر الأموي. وقد كانت الأطروحة قد لمّحت إلى هذه النتيجة من قبل في المقدمة، أما هنا فسيجري عرضها في صورة جداول ورسوم بيانية.

    ويؤكد المؤلف أن هذه النتيجة، إن ثبتت، سيكون لها أثر مهم في النقاشات السابقة حول متى صار التسرّي ظاهرة اجتماعية واسعة، وكيف كان يُنظر إلى أبناء السراري داخل النخبة العربية. فالرأي الشائع في جانب من المصادر وفي بعض الدراسات الحديثة كان يفترض أن هذا التحول متدرج ومتأخر، وأن ظهوره الحقيقي يرتبط أكثر بالعصر العباسي. أما إذا أظهرت البيانات أن التغير وقع في وقت أبكر بكثير، فإن ذلك سيفرض إعادة نظر في هذه السردية.

    الفصل الرابع: التحليل الإحصائي للتسرّي

    ملاحظة على الاصطلاح

    يقول المؤلف قبل الجداول مباشرة إن طريقة جمع بيانات السراري فيها ميل إلى التقليل من العدد؛ لأنه عندما ترد صيغة الجمع من أم ولد تُسجَّل على أنها تعني امرأتين، مع أنها قد تعني أكثر من ذلك. لكنه يرى أن هذا أفضل منهجيًا، لأن البحث يحاول إثبات ارتفاع سريع في عدد السراري، ومن ثم فإن الميل إلى التمثيل الأدنى يجعل النتيجة أكثر تحفظًا وأقوى حجة. ثم يضيف أنه سيخفف أثر هذا النقص المحتمل بالنظر أيضًا إلى العدد المطلق للأطفال الناتجين من كل نوع من العلاقات. كما يوضح أن لفظ “concubine” في هذا الفصل يُراد به عمليًا أم الولد، وأن لفظ “freewoman” يُراد به أي امرأة مسماة في النص، مع وجود حالات نادرة لا يطابقها هذا التعريف تمامًا، مثل مارية القبطية.


    الجدول 4.1: الوضع الأمومي للأبناء بحسب الجيل

    Generation = الجيل
    Free children = أبناء الحرائر
    Conc. children = أبناء السراري
    Free women = الحرائر
    Conc. women = السراري

    الجيلأبناء الحرائرأبناء السراريالحرائرالسراري
    1 و248601950
    324531252
    436571806
    53855319025
    632111817071
    726114414376
    81691239054
    9138856940
    10 إلى 13269187

    ويشرح المؤلف تحت الجدول:

    الجيل الخامس هو جيل محمد.
    وقد جُمعت الأجيال الأقدم في فئة واحدة، لأنه لا توجد أي سجلات لعلاقات تسرٍّ قبل الجيل الثالث. كما جُمعت الأجيال الأخيرة أيضًا؛ وكما نوقش في الفصل السابق، فإن الزبيري لا يبدو مهتمًا اهتمامًا خاصًا بسلوك الزواج في هذه الأجيال المتأخرة، ولذلك فهي لا تمثل إلا عددًا قليلًا جدًا من السجلات.

    ثم يعلّق مباشرةً بأن العمودين الأهم هنا هما:

    • Conc. children = أبناء السراري
    • Conc. women = السراري

    وكلاهما يُظهر ارتفاعًا سريعًا في التسرّي. ثم يقول إن ذلك يمكن تمثيله بيانيًا، ويذكر أن الرسم 4.1 يتتبع عدد علاقات السراري في مقابل العلاقات مع الحرائر عبر الأجيال، وأن الرسم 4.2 يؤدي الوظيفة نفسها لكن بالنسبة إلى عدد الأطفال المولودين من كل فئة من النساء.


    الجدول 4.2: نسبة السراري وأبناء السراري بحسب الجيل

    Generation = الجيل
    Proportion children of concubines = نسبة أبناء السراري
    Proportion concubines = نسبة السراري

    الجيلنسبة أبناء السرارينسبة السراري
    1 و200
    31.21%1.57%
    41.88%3.23%
    512.10%11.63%
    626.88%29.46%
    735.56%34.70%
    842.12%37.50%
    938.12%36.70%
    10 إلى 1325.71%28.00%

    ثم يقول المؤلف إن هذه النتائج يمكن أيضًا عرضها بيانيًا:

    • الرسم 4.3: نسبة السراري والأبناء بحسب الجيل
    • الرسم 4.4: نسبة علاقات السراري إلى العلاقات مع النساء الحرائر

    التحليل الأوّلي

    يقول المؤلف بعد هذه الجداول مباشرة:

    إن تحليل البيانات يُظهر بوضوح أن التسرّي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بظهور الإسلام. فقبل جيل جد محمد لا يوجد أي قرشي مولود من أمة أجنبية. وتظهر أولى حالات التسرّي في الجيلين الثالث والرابع، لكنها تبقى نادرة جدًا. أما في الجيل الخامس -وهو جيل محمد– فإن الصورة تتغير تمامًا، مع زيادة بمقدار ستة أضعاف في عدد الأطفال المولودين من السراري. ثم ترتفع نسبة الأطفال المولودين من أمهات إماء بسرعة طوال أجيال العصر الأموي، قبل أن تستقر نسبيًا في الأجيال الأقرب إلى زمن تأليف نسب قريش.

    ثم يطرح اعتراضًا محتملًا، وهو أن هذه الاتجاهات قد تكون ناتجة في الحقيقة عن الكتابة التاريخية لا عن الواقع الاجتماعي. أي ربما كانت قريش قد اتخذت أعدادًا كبيرة من الإماء قبل جيل محمد، لكنهم لم يعدّوا أبناء هذه العلاقات قرشيين، بل كانت لهم منزلة أدنى، ولذلك لم يدخلوا في الذاكرة النسبية. وعلى هذا التفسير، لم يؤدِّ ظهور الإسلام إلى زيادة السراري فعليًا، بل إلى الاعتراف بأبناء السراري باعتبارهم قرشيين كاملي العضوية.

    ثم يرد المؤلف بأن هذا التفسير غير مرجح، لأن:

    • لا يوجد دليل على امتلاك القرشيين أعدادًا كبيرة من الإماء وأولادهن قبل الإسلام.
    • Brockopp لا يجد إلا إشارتين فقط إلى التسرّي قبل الإسلام في شمال الجزيرة العربية: عنترة وعمار بن ياسر.
    • كما أن قائمة Athamina التي تتحدث عن أشراف مكة المولودين من إماء روميات وحبشيات في الجاهلية تبدو -عند الفحص- أضعف بكثير مما توحي به.
    • كما أن من غير المرجح أصلًا أن تكون قريش قبل الإسلام قد امتلكت القدرة الاقتصادية على حيازة أعداد كبيرة من الإماء، بالنظر إلى هامشية وضعهم.

    ويخلص إلى أن تزايد عدد السراري اللاتي أنجبن أبناءً قرشيين يرتبط على الأرجح بـ القوة الاقتصادية لقريش بوصفها جماعة. ففي البداية جلبت لهم الفتوحات الإماء:

    • إما مباشرةً بوصفهن غنائم حرب،
    • أو عبر الثروة التي مكنتهم من شراء الإماء من السوق.

    ثم استمر ذلك في العصر الأموي بفضل عوائد الديوان وما اتصل بالدولة من موارد.

    الفصل الرابع: التحليل الإحصائي للتسرّي

    التعريفات

    إن ملاءمة لفظ “concubine / سرية” عند الكلام على هؤلاء الأمهات الإماء موضع إشكال؛ لأن هذا اللفظ مشتق من المؤسسة الرومانية concubinatus، التي كان الرومان يفهمونها بوصفها “اتحادًا طويل الأمد، أحاديّ الشريك، بديلًا من الزواج، يُلجأ إليه حين يكون الزواج الشرعي مستحيلًا قانونيًا أو غير مقبول اجتماعيًا.” وفي العالم الروماني كان هذا النوع من العلاقات يشيع عادةً بين الرجال الشباب الذين ينوون عقد زواج أفضل لاحقًا، أو الأرامل الكبار الذين لا يريدون تعقيد مسائل الإرث. كما أن السراري في العالم الروماني لم يكنّ عادةً يُنجبن أطفالًا. وكانت هؤلاء النساء كثيرًا ما يكنّ حرائر، لكن من منزلة اجتماعية أدنى من الرجل. وفي تحليل Evans-Grubbs كان التسرّي “بديلًا، لا مكمّلًا، للزواج الشرعي”، ولم يكن الرجال الرومان يجمعون عادة بين زوجات وسراري في الوقت نفسه، وإن كانت ترجح أن هذا ربما لم يكن دقيقًا في الشرق من الإمبراطورية. والأهم كذلك أن أبناء هذه العلاقات لم يكونوا مفترضين على أنهم أبناء شرعيون.

    وهذه المؤسسة مختلفة بوضوح كبير عن المؤسسة المقابلة كما فهمها المسلمون. فأولًا، إن لفظ “concubine” حين يُترجم إلى الإنجليزية يغطي -على الأقل- لفظين عربيين مختلفين يدلان على وضعين مختلفين:

    • السُّرِّيّة: وهي الأمة التي تكون في علاقة جنسية مع سيدها لكنها لم تُنجب منه بعد.
    • أم الولد: وهي الأمة التي أنجبت طفلًا من سيدها.

    ويضيف المؤلف في الهامش أن هناك أيضًا لفظ “جارية” بوصفه مصطلحًا آخر للأَمَة، لكنه لا يدل بالضرورة على علاقة جنسية؛ إذ يمكن أن يكون المقابل الأنثوي للغلام. وكذلك لا ينبغي افتراض أن الألفاظ القرآنية الخاصة بالإماء (أَمَة وفتيات) مرادفة تلقائيًا لمفهوم التسرّي.

    وثانيًا، فإن مؤسسة التسرّي في الإسلام لم تكن بالضرورة بديلًا من الزواج كما كانت في الرومان، بل كانت في كثير من الأحيان مكمِّلًا له. فقد سمحت الممارسة الاجتماعية والقانونية للرجل المسلم بأن يمتلك عددًا غير محدود من السراري بالإضافة إلى حصة الأربع زوجات.

    ثم يقول المؤلف إن تعقيدات أخرى تظهر عندما نحاول وضع تعريف ثابت لوضع السراري وأبنائهن في المجتمع الإسلامي. فإذا نظرنا إلى الأمر من زاوية قانونية صرفة -أي: ماذا تقول نصوص الفقه صراحةً- وجدنا أن وضع الأم والطفل في البيت الإسلامي كان من بعض الوجوه هشًا مثلما كان عليه في النظام الروماني؛ لأن كثيرًا من حقوقهما كان معلقًا على اعتراف الأب بالشرعية الكاملة. ففي بعض التقاليد الفقهية الإسلامية، يكون للسيد خيار أن يصرح هل هؤلاء الأبناء من سُرِّيته هم أولاده أم لا. فإذا أنكرهم، فلا يمكن أن يصبحوا ورثةً كاملين، كما أن الأم لا تنال المزايا القانونية المترتبة على صيرورتها أم ولد، وهي:

    • العتق عند موت السيد
    • والمنع من بيعها قبل ذلك.

    لكن المؤلف يقرر أن هناك تمييزًا مهمًا يجب صنعه هنا بين الجدل القانوني والممارسة الاجتماعية الفعلية. ويستشهد هنا بـ Brockopp، الذي استخدم وضع أم الولد كما يظهر في الفقه المالكي لتوضيح هذه النقطة بدقة. فبعد تحليله كتاب المختصر الكبير في الفقه للفقيه المالكي ابن عبد الحكم (ت 829م)، ذهب Brockopp إلى أنه مع أن خيار الاعتراف بالنسب أو إنكاره موجود نظريًا في المدونات القانونية، فإن كون تبعات اختيار الإنكار لا تُناقش يدل على أن الطفل كان في الممارسة العملية يُعترف بشرعيته تلقائيًا.

    ويضيف Brockopp أيضًا أن:

    • لا يوجد نقاش يذكر حول الخلافة الملكية / succession عند الخلفاء العباسيين من هذه الزاوية،
    • وأن أم الولد لا تحظى باهتمام كبير في أي عمل فقهي قبل المختصر،
    • بل إن هذا الكتاب قد يكون أول نص يمنح أم الولد فصلًا مستقلًا خاصًا بها.

    ومن ثم كانت خلاصة Brockopp أنه مع أن هذا العمل الفقهي يجيز نظريًا للرجل أن ينكر أبوة ولده، فإن ذلك موجود لأن غاية ابن عبد الحكم الأساسية كانت أن يقدم عرضًا متماسكًا داخليًا للفقه المالكي، لا أن يضع شيئًا يمكن تطبيقه مباشرة على المجتمع الإسلامي كله.

    ويقول المؤلف إنه، مع أننا ما زلنا ننتظر أن تنال نصوص قانونية مبكرة أخرى مثل ما نالته عند Brockopp من العناية العلمية، فإن من غير المرجح أن تُنسف استنتاجاته الأساسية. فالإنتاج الفقهي الإسلامي الوسيط يُفهم على نحو أفضل إذا عُدَّ ثمرة رغبة في تحقيق الاتساق الداخلي، لا بوصفه مقياسًا مباشرًا للتغير الاجتماعي.

    ولهذا، فإن تعريف “التسرّي” الذي سيستخدمه المؤلف لا بد أن يعتمد على فهم المؤسسة كما مورست فعليًا بين المسلمين؛ وهو فهم لا يختلف عن الإجماع الأكاديمي على الأقل فيما يخص نخب ما بعد العصر العباسي. ولخّص هذا الإجماع في ثلاث خصائص ذات صلة:

    1. أن التسرّي نوع من الزواج.
    2. أنه ينعقد بين رجل مسلم وامرأة وُلدت خارج العالم الإسلامي ثم استُرِقَّت.
    3. أنه كان شائعًا جدًا بين النخب.

    التعريفات

    إن تعريفنا لمصطلح “التسرّي” ينبغي -كما يقول المؤلف- أن يعتمد على فهم المؤسسة كما مورست عمليًا عند المسلمين، وهو فهم لا يختلف عن الإجماع العلمي -على الأقل فيما يتعلق بنخب ما بعد العصر العباسي. ولتلخيص هذا الإجماع يذكر المؤلف ثلاث خصائص مهمة:

    1. أن التسرّي نوعٌ من الزواج.
    2. وأنه كان شائعًا جدًا في العالم الإسلامي: فمن العصر العباسي إلى القرن العشرين، كان هذا النوع من الزواج مألوفًا لدى أكثر النخب الإسلامية.
    3. وأن المسلمين، مع اعترافهم بمؤسسة موازية هي الزواج الكامل الذي يمنح الزوجة مجموعة مختلفة من الحقوق، فإن نتاج هذه العلاقات لم يكن يُعامل معاملة مختلفة عن الإخوة المولودين من السراري.

    ثم ينتقل المؤلف إلى القسم التالي:

    نموّ التسرّي: البيانات والتمثيلات البيانية

    يقول إن قاعدة بيانات زيجات السراري تستطيع بسرعة أن تعطينا تصويرات بصرية للبيانات تُظهر نموّ التسرّي منذ زمن محمد. وسيُعرض ذلك بطريقتين.


    الفصل الخامس: أصول التسرّي الإسلامي

    المقدمة

    يبدأ المؤلف هذا الفصل بالتنبيه إلى أن من الممكن أن نعترض على نتائج الفصل الرابع بالقول إن التسرّي كان موجودًا من قبل، لكن النسابة لم يحفظوا إلا الحالات التي صارت لاحقًا “شرعية” ومقبولة. ولهذا يريد الفصل الخامس أن ينتقل من مجرد وصف الاتجاه الإحصائي إلى بحث أصول الظاهرة نفسها. ويسأل:
    هل كان التسرّي الإسلامي المعياري امتدادًا طبيعيًا لممارسات:

    • الحجاز قبل الإسلام،
    • أو القرآن،
    • أو سيرة النبي،
    • أو أعراف الشعوب المفتوحة؟

    وسيحاول أن يبين أن الجواب في كل هذه الحالات ليس واضحًا كما قد يُظن.

    ثم يوضح هيكل الفصل:

    • سيبدأ بالنظر في المصدر الأكثر بداهة للتغير في سلوك الزواج، أي السابقة الاجتماعية. وقد أظهر من قبل في الجداول والرسوم أن التسرّي لم يكن ممارسة واسعة بين قريش الجاهلية. وهنا سيُظهر أن التسرّي من النوع الإسلامي المعياري لم يكن معروفًا أيضًا على هذا النحو عند سائر شعوب المشرق المتأخر.
    • وبعد استنفاد احتمال أن يكون السلوك مستعارًا من بيئة قائمة، سينتقل إلى مصدر آخر يبدو بديهيًا أيضًا، وهو القرآن والممارسة النبوية. وهناك كذلك، لن يجد نظائر واضحة بين الوحي وبين التسرّي الإسلامي المعياري.
    • ثم في القسم الأخير سيقترح أن ظهور التسرّي الإسلامي كان نتيجة مجموعة ظروف فريدة واجهها المسلمون في العصر الأموي. وأهم هذه الظروف أن البيئة القبلية تولد ضغطًا هائلًا نحو إنجاب الأبناء الذكور. ولم تكن السراري يلبين هذه الحاجة فقط، بل كن يفعلن ذلك من غير مشكلات انقسام الولاءات والكلفة المرتبطة بالزوجات العربيات. وقد ظلت عناصر من هذه الدينامية القبلية حيةً إلى آخر العصر الأموي، ولذلك استمر التسرّي بعد الفتوحات العسكرية الأولى، وبقي شكلًا شائعًا نسبيًا من الزواج الإسلامي النخبوي حتى القرن العشرين.

    التسرّي في القانون والممارسة

    يقول المؤلف هنا:

    في قسم “التعريفات” من الفصل الرابع، أبرزنا عددًا من العناصر الأساسية في التسرّي الإسلامي، وكان أهمها:

    • أن المسلمين أباحوا التسرّي غير المحدود،
    • وأن أبناء هذه العلاقات عُدّوا أعضاء كاملين في قبائلهم ومجتمعاتهم،
    • وأن هذا النوع من العلاقة كان شائعًا جدًا بين النخب.

    وهو يرى أن ظهور هذه السمات الثلاث هو ما ينبغي أن يكون موضوع الاهتمام هنا.

    ثم يبدأ بالسؤال الأول: هل كان هذا النوع من التسرّي امتدادًا للممارسة الحجازية؟

    ويجيب: لا.
    فجزء من ذلك قد ثبت بالفعل في الفصل السابق، لأن التحليل الكمي لـ نسب قريش أظهر أن لا قرشيًا واحدًا قبل جيل جد محمد (أي الأجيال المولودة قبل القرن السادس) سُجل على أن أمه كانت سرية. وإضافة إلى ذلك، لا نجد في الأدبيات المتعلقة بشمال الجزيرة العربية قبل الإسلام سوى هجينين فقط (hajīns).

    ثم يضيف:

    كما أن مصطلح “أم ولد” لا يظهر في القرآن ولا في الأحاديث. وبحسب مسح Brockopp، فإن امرأة لها بعض الخصائص القانونية المشابهة تظهر أول مرة في خبر مؤرخ إلى عهد عمر الأول، لكن حتى هناك لا يُستخدم مصطلح “أم ولد” نفسه.

    ثم ينتقل إلى الشواهد الجاهلية القليلة التي قد تبدو مشابهة، ويقول:

    حيثما وُجد دليل نصي، فإن الدلالات تشير إلى أن الهجناء في الجاهلية العربية كانوا يُعدّون عبيدًا تلقائيًا عند الولادة، ويظلون على هذه الحال ما لم يختر الأب أن يعترف بهم ورثةً كاملين. وهذا هو حال عنترة، الشاعر والفارس في القرن السادس، الذي نشأ عبدًا تبعًا لوضع أمه، ثم كافأه أبوه بالاعتراف به ابنًا كاملًا بعد أن أظهر شجاعة في القتال.

    ثم يلاحظ أن هذه الممارسة العربية الجاهلية لها نظائر في بعض جوانب قانون حمورابي وفي بعض العادات الأخمينية المنقولة، لكن الأصعب هو تحديد ما الأعراف غير العربية الخاصة بالتسرّي التي كانت قائمة في الفترة السابقة مباشرة للفتوحات الإسلامية. ويخصّ بالذكر الموقف اليهودي بوصفه شديد الصعوبة في التحديد؛ فمع أن التسرّي يظهر في النصوص التوراتية، إلا أنه يبدو أنه فقد رواجه قبل مولد محمد بوقت طويل، ونادر الذكر بعد ذلك. وكل ما يمكن قوله بيقين هو أنه في الفترات اللاحقة، وتحت الحكم الإسلامي، كان الفقهاء اليهود يمنعون اليهود من المعاشرة الجنسية مع إمائهم تحت طائلة الموت، كما كان يُمنع على الرجل اليهودي حتى أن يسكن تحت سقف واحد مع أمة إذا لم تكن معه أيضًا قريبة محرم.

    التسرّي في القانون والممارسة

    وفيما يتعلق بالجماعات المسيحية، فإن فهمهم للتسرّي لم يكن فقط مختلفًا تمامًا عن الصيغة الإسلامية المعيارية -كما نوقش في الفصل الرابع-، بل إنهم كانوا قد حظروا هذه الممارسة الأكثر محدودية قبل الفتوحات بزمن طويل. وأول ظهور لهذا الحظر يؤرخ إلى عهد قسطنطين الأول (حكم 306–337م)، مع أن قوانين تتعلق بحقوق الإرث للأبناء ظهرت لاحقًا في ولايات الشرق الأدنى (بحيث صار لهؤلاء الأبناء بعض الحقوق بدلًا من عدم وجود حقوق لهم أصلًا). ومع هذا التحفظ الصغير، فلا سبيل إلى أن نساوي بين مشتقات الممارسة الرومانية concubinatus كما كانت قائمة في الشرق الأدنى المسيحي في القرن السابع، وبين التسرّي كما مارسه المسلمون؛ ومن الآمن أن نقول إن المسيحيين كانوا يدينون هذا السلوك الإسلامي إدانة تامة.

    ويورد المؤلف هنا شاهدًا من الجدل المسيحي ضد المسلمين، وفيه ذمٌّ شديد لطريقة المسلمين في معاملة الإماء، ونصه:

    “فأنتم تُنفقون عليهن جميع أموالكم بإسراف، ثم إذا مللتموهن بعتموهن كما تُباع البهائم الصمّاء.”

    ثم يقول المؤلف:

    أما المسيحيون الذين كانوا يعيشون في الدولة الساسانية، فإن الأدلة في شأنهم قليلة. ويشير Brockopp إلى نص قانوني سرياني تابع لكنيسة المشرق، ينص على أنه في حالة زواج غير قانوني من أمة نتج عنه أولاد، فإن الأمة تُعتق عند موت سيدها، لكن الأولاد “لا حق لهم في أن يُنظر إليهم بوصفهم ورثة، أو أبناء شرعيين للميت.” ومع أن بين هذه الممارسة وبين التسرّي الإسلامي بعض أوجه الشبه، فإن لدينا مشكلة -كما لاحظ Brockopp- هي تأخر زمن تأليف النص؛ إذ يُرجّح أنه كُتب في أوائل العصر العباسي.

    ثم ينتقل المؤلف إلى الساسانيين والمزدكيين/المازدائيين ويقول:

    أما بين النخب الساسانية والمزدائيين، فالوضع مختلف قليلًا، من حيث إن المعاشرة مع الإماء كانت مسموحًا بها. لكن الشق الثاني من الممارسة الإسلامية -أي أن الأبناء يكونون شرعيين تلقائيًا– لم يكن على وجه الصراحة من خصائص تلك المؤسسة. فالـ شاه نفسه كان يختار زوجة رئيسة تكون هي المرأة الوحيدة التي يمكن أن يُولد منها ورثة شرعيون. وأما غير النخب، فإن كتاب قانون مزدائي يعود إلى ما قبل الفتوحات الإسلامية مباشرة، يذكر أن “حتى عهد بهرام” (420–439م بحسب Macuch) كان وضع الأولاد يتبع وضع الأب. ويُفسر الكتاب هذا العرف القديم بالإحالة إلى فقيه من القرن الثالث قال: “الولد يتبع الأب.” لكن بعد ذلك، ينص القانون صراحة على أن الولد يتبع وضع الأم، وهذا أيضًا مخالف للممارسة الإسلامية.

    ويخلص المؤلف من هذا كله إلى نتيجة مركزية:

    إذن، فإن المسلمين -عندما أخذوا السراري، وقبلوا أولادهن قبولًا كاملًا– قاموا بشيء يخالف الأعراف السائدة في جميع التقاليد الدينية الكبرى في الشرق الأدنى زمن الفتوح، بما في ذلك الحجاز قبل الإسلام. فبإباحة التسرّي غير المحدود كانوا ينقضون الفهم الروماني له بوصفه مؤسسة أحادية الشريك، وبإباحته أصلًا كانوا في صدام مع القانونين اليهودي والمسيحي.


    تطوّر الأخلاق الجنسية

    يقول المؤلف بعد ذلك:

    في ضوء كل ما سبق، كان يمكن أن تكون السردية المتوقعة هي أن المسلمين أخذوا السراري في الاندفاعة الأولى للنجاح العسكري، ثم تخلوا عنهن عندما واجهوا:

    • إدانة الشعوب الخاضعة،
    • وغياب التبرير النبوي الواضح لهذه الممارسة.

    فهذا -في رأيه- هو ما نراه يحدث في قضايا أخرى وثيقة الصلة بالأخلاق الجنسية وبالنسب الأبوي، والتي يبدو أنها كانت تتحرك نحو معايير القوانين المكتوبة غير الإسلامية في الشرق الأدنى في الفترة نفسها بالضبط. وهذا يقع أحيانًا حتى عندما يكون هذا التكيّف مناقضًا مباشرةً لنصوص قرآنية صريحة. ثم يقول: انظروا الأمثلة الآتية.

    1) الرجم (Rajm)

    هذا هو عقوبة الزنا في الفقه الإسلامي، وهي مخالِفة تمامًا للعقوبة غير القاتلة، أي الجلد، المنصوص عليها في القرآن. وفي بعض التقاليد أدت هذه المفارقة إلى ظهور قصة السور المنسية التي كان ينبغي أن تنسخ الأجزاء القرآنية التي تقصر العقوبة على الجلد؛ وهذه مجرد واحدة من عدة وسائل اجتهادية خلاقة استخدمها الفقهاء المتأخرون لتجاوز الآية.

    2) المتعة (Mutʿa)

    وهذا المصطلح يدل على الزواج المؤقت، وهو مذكور في القرآن، ووفقًا لبعض الروايات فقد مورس وأذن به محمد. ثم انتهى الأمر إلى تحريمه في الإسلام السني، وغالبًا ما يُستدل على ذلك بحديث عن عمر ينهى عنه.

    3) الاستلحاق (Istilḥāq)

    وهذا يدل على عدة طرق يمكن بها تعديل العلاقات الأبوية الجينيالوجية؛ وسيترجمه المؤلف هنا بلفظ “التبنّي” على سبيل التقريب. وقد جادل Powers بأن القرآن لا يحظر التبنّي، وأن تشدد الإسلام المعياري لاحقًا في هذا الباب يرجع إلى الآثار العقدية المترتبة على وجود ابنٍ متبنّىً لمحمد نفسه.

    ثم يعلق المؤلف:

    في هذه الحالات الثلاث كلها نجد أمثلة على تجاوز الأحكام القرآنية من قبل الفقهاء المتأخرين. ففي الحالتين الثانية والثالثة، أدى الغموض القرآني إلى مناظرات قانونية حادة جدًا، انتهت في النهاية إلى حظر الممارسة في أغلب الأحوال. أما في الحالة الأولى، فإن النص القرآني يناقض تمامًا آراء الفقهاء المتأخرين، مما أدى إلى خطاب قانوني ممتد حول الموضوع، وأحيانًا إلى توليد قصة عن “سورة منسية”.

    ثم يقول:

    وأما لماذا سلك الفقهاء المسلمون هذا الاتجاه، فذلك خارج حدود ما تستطيع المعرفة العلمية الحالية أن تجيب عنه؛ لأن المادة الفقهية كما وصلت إلينا اليوم هي الحصيلة النهائية لنحو قرنين من الجدل الشفهي الذي لا سبيل لنا إلى الوصول إليه. كما أننا لا نعرف مدى تأثير هذه المعايير الفقهية في السلوك الاجتماعي الفعلي، أو العكس. لكن اتجاه الحركة يبدو متجهًا نحو معايير القوانين المكتوبة للسكان المستقرين في الشرق الأدنى؛ ويظهر هذا خاصة في:

    • رجم الزناة (وهو عقاب توراتي
    • وتحريم الزواج المؤقت.

    أما التساهل في الأخلاق الجنسية، فيمكن العثور عليه عند المجتمعات غير المستقرة؛ فمثلًا كان البدو الذين وصفهم Musil يملكون موقفًا متساهلًا على نحو لافت من الجنس خارج الزواج. ويبدو أن القرآن -في المواضع التي يعنى فيها بالقانون- أقرب إلى المقاربة العملية البراغماتية لتلك الجماعات، منه إلى القانون المكتوب المقيِّد في المدن.

    ثم يضيف المؤلف احترازًا مهمًا:

    ومع ذلك، لا يمكننا أن نذهب إلى حد القول بوجود صلة مباشرة بين القانون المكتوب لدى الشعوب المفتوحة وبين النتائج التي انتهى إليها الفقهاء المسلمون. وكما يلاحظ Burton بشأن “التوافق اللافت” بين العقوبة الإسلامية للزنا -ومسوغها- وبين نظيرتها في اليهودية القرّائية، فإن حال البحث العلمي اليوم لا يسمح لنا بأكثر من لفت الانتباه إلى هذه الحقيقة. فنحن لا نعرف -وربما لن نعرف أبدًا– ما يكفي عن طبيعة اتصال المسلمين برعاياهم غير المسلمين خلال القرنين الإسلاميين الأولين لكي نتمكن من إطلاق أحكام حاسمة عن أصول هذه المعايير الاجتماعية.

    ثم يختم هذا المقطع بقوله:

    غير أن فائدة هذه الحالات الثلاث أنها تُبرز مؤسسة التسرّي بوضوح شديد.


    هذا هو الجزء التالي كاملًا من الفصل الخامس، بعد الموضع الذي وصلنا إليه:

    • المسيحيون
    • المسيحيون في الدولة الساسانية
    • الساسانيون والمزدائيون
    • النتيجة المقارنة
    • ثم تطور الأخلاق الجنسية مع الأمثلة الثلاثة:
      • الرجم
      • المتعة
      • الاستلحاق

    التسرّي في القانون والممارسة

    وفيما يتعلق بالجماعات المسيحية، فإن فهمهم للتسرّي لم يكن فقط مختلفًا تمامًا عن الصيغة الإسلامية المعيارية -كما نوقش في الفصل الرابع-، بل إنهم كانوا قد حظروا هذه الممارسة الأكثر محدودية قبل الفتوحات بزمن طويل. وأول ظهور لهذا الحظر يؤرخ إلى عهد قسطنطين الأول (حكم 306–337م)، مع أن قوانين تتعلق بحقوق الإرث للأبناء ظهرت لاحقًا في ولايات الشرق الأدنى (بحيث صار لهؤلاء الأبناء بعض الحقوق بدلًا من عدم وجود حقوق لهم أصلًا). ومع هذا التحفظ الصغير، فلا سبيل إلى أن نساوي بين مشتقات الممارسة الرومانية concubinatus كما كانت قائمة في الشرق الأدنى المسيحي في القرن السابع، وبين التسرّي كما مارسه المسلمون؛ ومن الآمن أن نقول إن المسيحيين كانوا يدينون هذا السلوك الإسلامي إدانة تامة.

    ويورد المؤلف هنا شاهدًا من الجدل المسيحي ضد المسلمين، وفيه ذمٌّ شديد لطريقة المسلمين في معاملة الإماء، ونصه:

    “فأنتم تُنفقون عليهن جميع أموالكم بإسراف، ثم إذا مللتموهن بعتموهن كما تُباع البهائم الصمّاء.”

    ثم يقول المؤلف:

    أما المسيحيون الذين كانوا يعيشون في الدولة الساسانية، فإن الأدلة في شأنهم قليلة. ويشير Brockopp إلى نص قانوني سرياني تابع لكنيسة المشرق، ينص على أنه في حالة زواج غير قانوني من أمة نتج عنه أولاد، فإن الأمة تُعتق عند موت سيدها، لكن الأولاد “لا حق لهم في أن يُنظر إليهم بوصفهم ورثة، أو أبناء شرعيين للميت.” ومع أن بين هذه الممارسة وبين التسرّي الإسلامي بعض أوجه الشبه، فإن لدينا مشكلة -كما لاحظ Brockopp- هي تأخر زمن تأليف النص؛ إذ يُرجّح أنه كُتب في أوائل العصر العباسي.

    ثم ينتقل المؤلف إلى الساسانيين والمزدكيين/المازدائيين ويقول:

    أما بين النخب الساسانية والمزدائيين، فالوضع مختلف قليلًا، من حيث إن المعاشرة مع الإماء كانت مسموحًا بها. لكن الشق الثاني من الممارسة الإسلامية -أي أن الأبناء يكونون شرعيين تلقائيًا– لم يكن على وجه الصراحة من خصائص تلك المؤسسة. فالـ شاه نفسه كان يختار زوجة رئيسة تكون هي المرأة الوحيدة التي يمكن أن يُولد منها ورثة شرعيون. وأما غير النخب، فإن كتاب قانون مزدائي يعود إلى ما قبل الفتوحات الإسلامية مباشرة، يذكر أن “حتى عهد بهرام” (420–439م بحسب Macuch) كان وضع الأولاد يتبع وضع الأب. ويُفسر الكتاب هذا العرف القديم بالإحالة إلى فقيه من القرن الثالث قال: “الولد يتبع الأب.” لكن بعد ذلك، ينص القانون صراحة على أن الولد يتبع وضع الأم، وهذا أيضًا مخالف للممارسة الإسلامية.

    ويخلص المؤلف من هذا كله إلى نتيجة مركزية:

    إذن، فإن المسلمين -عندما أخذوا السراري، وقبلوا أولادهن قبولًا كاملًا– قاموا بشيء يخالف الأعراف السائدة في جميع التقاليد الدينية الكبرى في الشرق الأدنى زمن الفتوح، بما في ذلك الحجاز قبل الإسلام. فبإباحة التسرّي غير المحدود كانوا ينقضون الفهم الروماني له بوصفه مؤسسة أحادية الشريك، وبإباحته أصلًا كانوا في صدام مع القانونين اليهودي والمسيحي.


    تطوّر الأخلاق الجنسية

    يقول المؤلف بعد ذلك:

    في ضوء كل ما سبق، كان يمكن أن تكون السردية المتوقعة هي أن المسلمين أخذوا السراري في الاندفاعة الأولى للنجاح العسكري، ثم تخلوا عنهن عندما واجهوا:

    • إدانة الشعوب الخاضعة،
    • وغياب التبرير النبوي الواضح لهذه الممارسة.

    فهذا -في رأيه- هو ما نراه يحدث في قضايا أخرى وثيقة الصلة بالأخلاق الجنسية وبالنسب الأبوي، والتي يبدو أنها كانت تتحرك نحو معايير القوانين المكتوبة غير الإسلامية في الشرق الأدنى في الفترة نفسها بالضبط. وهذا يقع أحيانًا حتى عندما يكون هذا التكيّف مناقضًا مباشرةً لنصوص قرآنية صريحة. ثم يقول: انظروا الأمثلة الآتية.

    1) الرجم (Rajm)

    هذا هو عقوبة الزنا في الفقه الإسلامي، وهي مخالِفة تمامًا للعقوبة غير القاتلة، أي الجلد، المنصوص عليها في القرآن. وفي بعض التقاليد أدت هذه المفارقة إلى ظهور قصة السور المنسية التي كان ينبغي أن تنسخ الأجزاء القرآنية التي تقصر العقوبة على الجلد؛ وهذه مجرد واحدة من عدة وسائل اجتهادية خلاقة استخدمها الفقهاء المتأخرون لتجاوز الآية.

    2) المتعة (Mutʿa)

    وهذا المصطلح يدل على الزواج المؤقت، وهو مذكور في القرآن، ووفقًا لبعض الروايات فقد مورس وأذن به محمد. ثم انتهى الأمر إلى تحريمه في الإسلام السني، وغالبًا ما يُستدل على ذلك بحديث عن عمر ينهى عنه.

    3) الاستلحاق (Istilḥāq)

    وهذا يدل على عدة طرق يمكن بها تعديل العلاقات الأبوية الجينيالوجية؛ وسيترجمه المؤلف هنا بلفظ “التبنّي” على سبيل التقريب. وقد جادل Powers بأن القرآن لا يحظر التبنّي، وأن تشدد الإسلام المعياري لاحقًا في هذا الباب يرجع إلى الآثار العقدية المترتبة على وجود ابنٍ متبنّىً لمحمد نفسه.

    ثم يعلق المؤلف:

    في هذه الحالات الثلاث كلها نجد أمثلة على تجاوز الأحكام القرآنية من قبل الفقهاء المتأخرين. ففي الحالتين الثانية والثالثة، أدى الغموض القرآني إلى مناظرات قانونية حادة جدًا، انتهت في النهاية إلى حظر الممارسة في أغلب الأحوال. أما في الحالة الأولى، فإن النص القرآني يناقض تمامًا آراء الفقهاء المتأخرين، مما أدى إلى خطاب قانوني ممتد حول الموضوع، وأحيانًا إلى توليد قصة عن “سورة منسية”.

    ثم يقول:

    وأما لماذا سلك الفقهاء المسلمون هذا الاتجاه، فذلك خارج حدود ما تستطيع المعرفة العلمية الحالية أن تجيب عنه؛ لأن المادة الفقهية كما وصلت إلينا اليوم هي الحصيلة النهائية لنحو قرنين من الجدل الشفهي الذي لا سبيل لنا إلى الوصول إليه. كما أننا لا نعرف مدى تأثير هذه المعايير الفقهية في السلوك الاجتماعي الفعلي، أو العكس. لكن اتجاه الحركة يبدو متجهًا نحو معايير القوانين المكتوبة للسكان المستقرين في الشرق الأدنى؛ ويظهر هذا خاصة في:

    • رجم الزناة (وهو عقاب توراتي
    • وتحريم الزواج المؤقت.

    أما التساهل في الأخلاق الجنسية، فيمكن العثور عليه عند المجتمعات غير المستقرة؛ فمثلًا كان البدو الذين وصفهم Musil يملكون موقفًا متساهلًا على نحو لافت من الجنس خارج الزواج. ويبدو أن القرآن -في المواضع التي يعنى فيها بالقانون- أقرب إلى المقاربة العملية البراغماتية لتلك الجماعات، منه إلى القانون المكتوب المقيِّد في المدن.

    ثم يضيف المؤلف احترازًا مهمًا:

    ومع ذلك، لا يمكننا أن نذهب إلى حد القول بوجود صلة مباشرة بين القانون المكتوب لدى الشعوب المفتوحة وبين النتائج التي انتهى إليها الفقهاء المسلمون. وكما يلاحظ Burton بشأن “التوافق اللافت” بين العقوبة الإسلامية للزنا -ومسوغها- وبين نظيرتها في اليهودية القرّائية، فإن حال البحث العلمي اليوم لا يسمح لنا بأكثر من لفت الانتباه إلى هذه الحقيقة. فنحن لا نعرف -وربما لن نعرف أبدًا– ما يكفي عن طبيعة اتصال المسلمين برعاياهم غير المسلمين خلال القرنين الإسلاميين الأولين لكي نتمكن من إطلاق أحكام حاسمة عن أصول هذه المعايير الاجتماعية.

    ثم يختم هذا المقطع بقوله:

    غير أن فائدة هذه الحالات الثلاث أنها تُبرز مؤسسة التسرّي بوضوح شديد.


    هذا هو الجزء التالي كاملًا من الفصل الخامس، بعد الموضع الذي وصلنا إليه:

    • المسيحيون
    • المسيحيون في الدولة الساسانية
    • الساسانيون والمزدائيون
    • النتيجة المقارنة
    • ثم تطور الأخلاق الجنسية مع الأمثلة الثلاثة:
      • الرجم
      • المتعة
      • الاستلحاق

    الفصل السادس: مجموعات بيانات الزواج

    المقدمة

    أظهر الفصلان السابقان كيف يمكن استخراج سلوك الزواج القرشي من نسب قريش، ثم تنظيمه بطريقة تُظهر الترابطات مع الأحداث التاريخية. ومن خلال ذلك ثبتت فاعلية المنهجية المتبعة؛ أي أن التنظيم الزمني بحسب الأجيال وسيلة سليمة لدراسة أنماط الزواج تعاقبيًا، وأن سلوك الزواج المحفوظ في نسب قريش يتسق على نحو لافت مع الأحداث كما تسجلها مصادر أخرى.

    وبعد أن ثبت هذا، وبعد أن جرى احتساب زيجات السراري، أصبح بالإمكان الآن تحليل أنماط الزواج بين الرجال القرشيين والنساء العربيات. وقد اختيرت لهذا الغرض ثلاث مجموعات من الرجال:

    1. أحفاد قصي من الجيل الرابع
    2. محمد وثمانية من أصحابه
    3. الخلفاء الأمويون وأبناؤهم

    ومن خلال تحليل زيجات هذه المجموعات الثلاث، سيتقدم فهمنا لكيفية تغيّر سلوك الزواج القرشي خلال المدة 500–750م. ويبقى إطار البحث هو إطار Kalmijn المذكور من قبل؛ أي إن أنماط الزواج ستُفسَّر من حيث:

    • الضغط الاجتماعي: أي رأي قريش في جواز التزاوج بين الجماعات،
    • والفرصة: أي قدرة الشريكين على أن يلتقيا أصلًا.

    ويقول المؤلف إن الزوجات العربيات أكثر تعقيدًا بكثير من السراري، وهذا ينعكس على بنية ما بقي من الأطروحة. فهذا الفصل سيقدم مجموعات البيانات بوصفها أداة مرجعية، مع ملاحظات عن كيفية جمعها. وسيُظهر الفصل السابع كيف يمكن استخدام هذه البيانات لاستخراج المعلومات المتعلقة بـ:

    • قريش قبل الإسلام
    • والمسلمين الأوائل

    أما الفصل الثامن فسيركز على الأمويين الخلفاء.


    المنهجية

    بخلاف إضافة أسماء الزوجات وانتمائهن القبلي، فإن المنهجية هنا هي تقريبًا المنهجية نفسها المستخدمة في الفصل السابق؛ فما يزال النظام الجيلي مستخدمًا، وما يزال موضوع الاهتمام هو الزيجات المنجبة للأطفال كما حفظها نسب قريش.

    المجموعة الأولى

    أول مجموعة تُدرس هي الذرية الذكورية من الجيل الرابع لقصي، وهي تضم أبا محمد وأعمامه. وتمثَّلت هذه المجموعة في قاعدة بيانات تشمل 53 زواجًا، أمكن تحديد الانتماء القبلي للزوجة في 52 منها. وليس في هذا ما يوحي بأن هؤلاء الأزواج كانوا يُكوّنون فرعًا قبليًا واحدًا معرَّفًا بوضوح داخل قريش في حياتهم، لكن بما أنهم يضمّون في عددهم آباء كثير من المسلمين الأوائل وأعمامهم، فإن زيجاتهم ستمنحنا لقطة عن كيفية زواج قريش قبل ظهور الإسلام.

    المجموعة الثانية

    سيُقارن سلوك زواج هذه المجموعة بمجموعة ثانية تتكون من الرجال الذين كانوا في قلب المشروع الإسلامي في سنواته التكوينية، وهم:

    • محمد
    • الخلفاء الأربعة الأوائل
    • وطلحة
    • والزبير
    • وعبد الرحمن بن عوف
    • وسعد بن أبي وقاص

    ويعلل المؤلف اختيار هؤلاء الأربعة الأخيرين بأن المصادر التاريخية التقليدية تصوّرهم على أنهم مرشحون محتملون للخلافة بفضل تعيينهم في شورى عمر. وتعطينا هذه المجموعة 54 زواجًا، أمكن تحديد الانتماء القبلي للزوجة في 52 منها. والمراد من هذه العينة أن تعطينا صورة عن سلوك الزواج في:

    • حياة محمد
    • وفترة الخلفاء الراشدين.

    المجموعة الثالثة

    أما المجموعة الثالثة فتتكون من زيجات الخلفاء الأمويين وأبنائهم. وعدد الزيجات في هذه المجموعة مشابه لعدد الزيجات في المجموعتين الأخريين (56 زواجًا) لكنه يمتد على مدة زمنية أطول بكثير (أربعة أجيال). والغرض من إنشاء هذه المجموعة هو أن تُظهر لنا كيف تكيّفت ممارسات الزواج الموروثة من مجتمع قبلي لكي تناسب بيئة آخذة في التحول إلى إمبراطورية. كما أن تحليل هذه المجموعة سيسمح بإعادة إدخال بيانات السراري؛ لأن هذه البيانات ليست ذات صلة بالمجموعتين السابقتين، إذ كان التسرّي نادرًا جدًا فيهما.


    التعقيدات

    ينبه المؤلف هنا إلى أن معنى الزواج الخارجي والداخلي ليس بهذه البساطة دائمًا كما كان في الفصل السابق. ففي حين كان التمييز بين العرب وغير العرب -لأغراض ذلك التحقيق- شبه مطلق، فإن الأمر هنا أكثر تعقيدًا، لأن العرب كانوا يملكون ولاءات متعددة ومتغيرة. واختزال هذا التعقيد في تعيين قبلي واحد يوحي بدرجة من الثقة لا يبررها الواقع، لكن في الوقت نفسه فإن التخلي عن أي محاولة لمعالجة مسألة وجود القبائل سيكون -كما قال Conrad“مبالغًا فيه”.

    ولهذا جعل المؤلف عملية القرار التحريري التي قادته إلى تعيين الانتماء القبلي شفافة قدر الإمكان. فلكل مدخل في الجداول الآتية تُعطى مستويات متعددة من الانتماء القبلي، بحيث يستطيع القارئ أن يجري تحليله الخاص إن لم يوافق على التعيينات القبلية المستخدمة هنا.


    المجموعة الأولى – قريش قبل الإسلام

    تشمل هذه المجموعة جميع الأحفاد الذكور من الجيل الرابع لقصي الذين يسجلهم نسب قريش على أنهم أنجبوا من نساء مسمّيات. ولم يكن هناك إلا شخص واحد أنجب من سراري، وهو العباس بن عبد المطلب (عم محمد وجدّ الأسرة العباسية). وإذا كانت الرواية التاريخية صحيحة في هذا الموضع، فإن وضعه بوصفه حالة شاذة ينسجم مع كونه عضوًا شابًا في جيله؛ إذ عاش بعد ابن أخيه محمد أكثر من عشرين سنة. ومن ثم فقد كان حيًا في الوقت الذي دخلت فيه أعداد كبيرة من الإماء إلى أيدي النخبة العربية نتيجة الفتوحات.

    وتُسجَّل هذه الزيجات في الجدول 6.1 الآتي. ويسبقه المؤلف بعدة تعريفات مفيدة:

    الاصطلاحات

    Ref(erence) = المرجع: رقم/رمز لتعريف كل زواج على حدة.
    Husband name = اسم الزوج: الشخصيات المعروفة يُكتفى فيها غالبًا باسم الشخص إلى مستوى الأب؛ والأقل شهرة تُعطى لها أنساب أطول.
    Wife name = اسم الزوجة: يُعطى في صورة الاسم الشخصي + اسم الأب إذا كانت المرأة غير قرشية؛ أما إذا كانت قرشية فيُعطى لها نسب أطول لإظهار الصلة الأسرية.
    Wife tribal affiliation = الانتماء القبلي للزوجة: تُعطى للنساء غير القرشيات مستويات متعددة من الانتماء القبلي حين تكون متاحة، مع تقديم الانتماء الأهم أولًا.
    Degree of separation = درجة التباعد:

    • Non-Quraysh = كل العرب الذين لا ينحدرون من فهر.
    • Non-lineal Quraysh = القرشيات اللواتي لا ينحدرن من قصي.
    • Lineal Quraysh = كل ذرية قصي، ويصحب ذلك رقم بين قوسين يبيّن درجة القرب النسبي بين الزوج والزوجة (فمثلًا أبناء العمومة الأوائل = 2).
      Ordering = الترتيب: كما يظهر في نسب قريش.
      Page references = إحالات الصفحات: تشير إلى الموضع المناسب في مدخل الزوج.

    ملاحظات أخرى

    • لم يكن هناك إلا رجل واحد له أولاد من سراري، وهو العباس بن عبد المطلب، وهذه العلاقات غير مدخلة في الجدول أدناه.
    • وهناك امرأة واحدة مجهولة الانتماء القبلي (المدخل A11)؛ إذ لا يعطي نسب قريش إلا اسمها الشخصي، ولم يمكن العثور عليها في مصادر أخرى.

    الجدول 6.1: زيجات أحفاد قصي بن كلاب من الجيل الرابع (المجموعة الأولى)

    سأنقل الجدول سطرًا سطرًا:

    الأعمدة:
    Ref = المرجع
    Husband name = اسم الزوج
    Wife name = اسم الزوجة
    Wife tribal affiliation = الانتماء القبلي للزوجة
    Degree of separation = درجة التباعد
    Page = الصفحة

    الصفحة 163-164

    A1

    • الزوج: عبد الله بن عبد المطلب
    • الزوجة: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ زهرة
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 20

    A2

    • الزوج: العباس بن عبد المطلب
    • الزوجة: أم الفضل بنت الحارث
    • الانتماء القبلي للزوجة: عامر بن صعصعة؛ هلال
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 27

    A3

    • الزوج: العباس بن عبد المطلب
    • الزوجة: امرأة من هذيل
    • الانتماء القبلي للزوجة: خندف؛ هذيل (وثيقة الصلة بكنانة)
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 27

    A4

    • الزوج: أبو طالب بن عبد المطلب
    • الزوجة: فاطمة بنت أسد بن هاشم
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ هاشم
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر هاشم (2)
    • الصفحة: 40

    A5

    • الزوج: الحارث بن عبد المطلب
    • الزوجة: عدية بنت قيس
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ الحارث بن فهر
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 85

    A6

    • الزوج: أبو لهب بن عبد المطلب
    • الزوجة: أم جميل بنت حرب بن أمية
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ أمية
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر عبد مناف (3)
    • الصفحة: 89

    الصفحة 164-165

    A7

    • الزوج: أرقم بن نضلة بن هاشم
    • الزوجة: خلدة بنت أسد بن هاشم
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ هاشم
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر هاشم (2)
    • الصفحة: 91

    A8

    • الزوج: حنين بن أسد بن هاشم
    • الزوجة: امرأة من زهرة
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ زهرة
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 91

    A9

    • الزوج: قيس بن مخرمة بن المطلب
    • الزوجة: درة بنت عُطبة بن أبي لهب
    • الانتماء القبلي للزوجة: الأوس؛ نبيت؛ عبد الأشهل
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 92

    A10

    • الزوج: صلت بن مخرمة بن المطلب
    • الزوجة: فاطمة بنت عبد قيس
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ بنو عبد الدار
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر قصي (4)
    • الصفحة: 93

    A11

    • الزوج: صلت بن مخرمة بن المطلب
    • الزوجة: رميمة
    • الانتماء القبلي للزوجة: مجهول
    • درجة التباعد: مجهول
    • الصفحة: 93

    A12

    • الزوج: أثاثة بن عباد بن المطلب
    • الزوجة: أم مسطح بنت أبي رهم بن عبد المطلب
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ المطلب
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر المطلب (2)
    • الصفحة: 95

    A13

    • الزوج: عبد يزيد بن هاشم بن المطلب
    • الزوجة: عجلة بنت عجلان بن تباعة
    • الانتماء القبلي للزوجة: كنانة؛ ليث
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 95

    A14

    • الزوج: أبو العاص بن أمية
    • الزوجة: آمنة بنت عبد العزى
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ عدي بن كعب
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 100

    A15

    • الزوج: أبو العاص بن أمية
    • الزوجة: رقية بنت الحارث
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ مخزوم
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 100

    A16

    • الزوج: أبو العاص بن أمية
    • الزوجة: صفية بنت ربيعة بن عبد شمس
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ عبد شمس
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر عبد شمس (2)
    • الصفحة: 100

    A17

    • الزوج: أبو العاص بن أمية
    • الزوجة: أروى بنت علاج بن أبي سلمة
    • الانتماء القبلي للزوجة: ثقيف
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 100

    الصفحة 165-166

    A18

    • الزوج: حرب بن أمية
    • الزوجة: صفية بنت حزن
    • الانتماء القبلي للزوجة: عامر بن صعصعة؛ هلال
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 121

    A19

    • الزوج: حرب بن أمية
    • الزوجة: امرأة من بني تميم
    • الانتماء القبلي للزوجة: تميم
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 121

    A20

    • الزوج: حرب بن أمية
    • الزوجة: فاخِتة بنت عامر بن المعتب
    • الانتماء القبلي للزوجة: ثقيف
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 121

    A21

    • الزوج: حرب بن أمية
    • الزوجة: أم قتال بنت عبد الحارث بن زهرة
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ زهرة
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 121

    A22

    • الزوج: عمرو بن أمية
    • الزوجة: أم قتال بنت عبد الحارث بن زهرة
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ زهرة
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 135

    A23

    • الزوج: أبو عمرو بن أمية
    • الزوجة: آمنة بنت أبان
    • الانتماء القبلي للزوجة: عامر بن صعصعة
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 135

    A24

    • الزوج: أبو عمرو بن أمية
    • الزوجة: عيطة بنت الحويرث
    • الانتماء القبلي للزوجة: ثقيف؛ جشم
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 135

    A25

    • الزوج: ربيعة بن حبيب بن عبد شمس
    • الزوجة: أم سكن بنت ظالم بن منقذ
    • الانتماء القبلي للزوجة: خزاعة
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 147

    A26

    • الزوج: سمرة بن حبيب بن عبد شمس
    • الزوجة: عيطة بنت عثمان بن مرة
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ تيم
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 150

    A27

    • الزوج: سمرة بن حبيب بن عبد شمس
    • الزوجة: بنت حارثة بن قيس بن مالك
    • الانتماء القبلي للزوجة: كنانة؛ غَنَم
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 150

    A28

    • الزوج: الحارث بن أمية
    • الزوجة: زينب بنت نوفل بن عبد شمس
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ عبد شمس
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر عبد شمس (2)
    • الصفحة: 151

    A29

    • الزوج: الحارث بن أمية
    • الزوجة: امرأة من ثقيف
    • الانتماء القبلي للزوجة: ثقيف
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 151

    A30

    • الزوج: أبو العاص بن نوفل بن عبد شمس
    • الزوجة: فاطمة بنت أبي وهب
    • الانتماء القبلي للزوجة: مخزوم
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 152

    الصفحة 166-167

    A31

    • الزوج: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس
    • الزوجة: صفية بنت سليم
    • الانتماء القبلي للزوجة: غير مذكور هنا بوضوح في النص الجدولي، لكن المؤلف يعلق في الحاشية بأن نسبها هو نفسه نسب أم هاشم
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 153

    A32

    • الزوج: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس
    • الزوجة: خناس بنت مالك بن لؤي؛ مُضَرِّب
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ عامر بن لؤي
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 153

    A33

    • الزوج: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس
    • الزوجة: أم صفوان بنت صفوان بن أمية
    • الانتماء القبلي للزوجة: كنانة
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 153

    A34

    • الزوج: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس
    • الزوجة: بنت زهير الدوسي
    • الانتماء القبلي للزوجة: الأزد؛ دوس
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 153

    A35

    • الزوج: شيبة بن ربيعة بن عبد شمس
    • الزوجة: فريعة بنت حرب بن أمية
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ عبد شمس؛ أمية
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر عبد شمس (2)
    • الصفحة: 155

    A36

    • الزوج: شيبة بن ربيعة بن عبد شمس
    • الزوجة: أم شريك بنت وقدان
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ عامر بن لؤي؛ حِسل
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 155

    A37

    • الزوج: ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس
    • الزوجة: هالة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ أسد
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر قصي (4)
    • الصفحة: 157

    A38

    • الزوج: العاص بن أمية بن عبد شمس
    • الزوجة: عيطة بنت بياض
    • الانتماء القبلي للزوجة: كنانة؛ ليث
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 173

    A39

    • الزوج: أبو العيص بن أمية بن عبد شمس
    • الزوجة: أروى بنت أسيد بن عمرو
    • الانتماء القبلي للزوجة: ثقيف
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 187

    A40

    • الزوج: مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف
    • الزوجة: أم جميل بنت شعبة
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ مالك؛ حِسل؛ عامر
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 201

    الصفحة 167-168

    A41

    • الزوج: خيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف
    • الزوجة: أم أناس بنت أمية (أو عبد أمية) بن عبد شمس
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ عبد شمس؛ أمية
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر عبد مناف (3)
    • الصفحة: 201

    A42

    • الزوج: خيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف
    • الزوجة: أم فاختة بنت العباس بن عوف بن امرئ القيس
    • الانتماء القبلي للزوجة: سليم؛ مالك بن عامر
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 201

    A43

    • الزوج: طريف بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف
    • الزوجة: صفية بنت عبيد الله بن بجاد
    • الانتماء القبلي للزوجة: كنانة
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 203

    A44

    • الزوج: قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف
    • الزوجة: فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ عبد شمس
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر عبد مناف (3)
    • الصفحة: 204

    A45

    • الزوج: الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف
    • الزوجة: بنت عياض بن رافع
    • الانتماء القبلي للزوجة: خزاعة
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 204

    A46

    • الزوج: الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف
    • الزوجة: درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ هاشم
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر عبد مناف (3)
    • الصفحة: 204

    A47

    • الزوج: الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف
    • الزوجة: أمامة بنت بكر بن خليفة بن نعمان
    • الانتماء القبلي للزوجة: وائل
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 204

    A48

    • الزوج: أمية بن الحارث بن أسد بن عبد العزى
    • الزوجة: زينب بنت خالد
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ تيم بن مرة
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 212

    A49

    • الزوج: هاشم بن الحارث بن أسد بن عبد العزى
    • الزوجة: أروى بنت الحارث بن عبد العزى
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ عبد الدار
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر قصي (4)
    • الصفحة: 213

    A50

    • الزوج: أسود بن مطلب بن أسد بن عبد العزى
    • الزوجة: أروى بنت حذيفة بن هشام بن سعيد بن سهم
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ سهم
    • درجة التباعد: قرشية غير خطية
    • الصفحة: 218

    A51

    • الزوج: أسود بن مطلب بن أسد بن عبد العزى
    • الزوجة: فاخِتة بنت عامر بن قرط
    • الانتماء القبلي للزوجة: عامر بن صعصعة؛ قشير
    • درجة التباعد: غير قرشية
    • الصفحة: 218

    A52

    • الزوج: نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى
    • الزوجة: فريعة بنت عدي نوفل بن عبد مناف
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ نوفل
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر قصي (4)
    • الصفحة: 230

    A53

    • الزوج: حزام بن خويلد
    • الزوجة: فاخِتة بنت زهير بن الحارث بن أسد
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ أسد
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر أسد (2)
    • الصفحة: 231

    A54

    • الزوج: العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى
    • الزوجة: أم خير بنت مالك بن عُميلة بن سبّاق بن عبد الدار
    • الانتماء القبلي للزوجة: قريش؛ عبد الدار
    • درجة التباعد: قرشية خطية؛ متصلة عبر قصي (4)
    • الصفحة: 235

    تفصيل اختيارات الأزواج بحسب الانتماء القبلي

    يقول المؤلف بعد الجدول مباشرة:

    الجدول 6.2: تفصيل الزيجات بحسب التجمعات الكبرى للمجموعة السابقة للإسلام

    Wife’s tribal affiliation = الانتماء القبلي للزوجة
    Number = العدد
    Proportion of total = النسبة من المجموع

    • جميع الزوجات ذوات الانتماء القبلي المعروف: 53
    • غير قرشيات: 23 = 43.40%
    • قرشيات غير خطيات: 14 = 26.42%
    • قرشيات خطيات (أي من ذريّة قصي الأخرى): 16 = 30.19%

    المجموعة الثانية: المسلمون الأوائل البارزون

    يقول المؤلف:

    يتضمن هذا الجدول الزيجات المنجبة لـ:

    • محمد
    • الخلفاء الأربعة الأوائل
    • وأربعة رجال يُقال إنهم عُيّنوا في الشورى التي أنشأها الخليفة عمر لاختيار خليفته من بينهم.

    وهؤلاء الثمانية كانوا جميعًا من المسلمين الأوائل في المرحلة المكية، وكانوا إما خلفاء بالفعل أو محتملين للخلافة.

    الاصطلاحات

    كما في الجدول 6.1، مع التعديلات التالية:

    Degree of separation / درجة التباعد:
    الزيجات داخل قريش في هذا الجدول ستوصف بأنها خطية أو غير خطية.

    • بالنسبة إلى ذرية قصي: كل زواج مع ذرية أخرى لقصي يُعد خطيًا.
    • أما من لا ينحدرون من قصي، فإن الزواج غير الخطي هو الزواج الذي يعبر حدود بطونهم القرشية الثابتة.
      • بالنسبة إلى أبي بكر وطلحة: خارج تيم بن مرة
      • بالنسبة إلى عمر: خارج عدي بن كعب
      • بالنسبة إلى سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن: خارج زهرة

    ملاحظات أخرى

    • التسرّي أكثر شيوعًا في هذه المجموعة، لكنه ما يزال ممارسة صغيرة نسبيًا.
    • لا يُذكر على أن له أولادًا من أمّهات أولاد مجهولات إلا:
      • علي
      • عمر
        وهذه العلاقات غير داخلة في الجدول.
    • وهناك أيضًا حالتان لرجلين أنجبا من نساء مسمّيات من أصل رقيق، لكن نسب قريش لا يصفهن بأنهن أمهات أولاد، وهاتان الحالتان هما:
      • محمد مع مارية
      • عبد الرحمن بن عوف مع غزال بنت كسرى
        وهاتان الحالتان مدخلتان في الجدول.

    الجدول 6.3: زيجات محمد والمسلمين الأوائل الداخلين في الإسلام (المجموعة الثانية)

    الأعمدة:

    • المرجع
    • اسم الزوج
    • اسم الزوجة
    • الانتماء القبلي للزوجة
    • درجة التباعد
    • الصفحة
    المرجعاسم الزوجاسم الزوجةالانتماء القبلي للزوجةدرجة التباعدالصفحة
    B1محمد بن عبد اللهمارية القبطيةأَمَة مصريةغير عربية21
    B2محمد بن عبد اللهخديجة بنت خويلد بن أسدقريش؛ أسدقرشية خطية؛ متصلة عبر قصي (5)21
    B3علي بن أبي طالبفاطمة بنت محمدقريش؛ هاشمقرشية خطية؛ متصلة عبر عبد المطلب (2)40
    B4علي بن أبي طالبخولة بنت جعفربكر بن وائل؛ حنيفةغير قرشية40
    B5علي بن أبي طالبأم حبيب بنت ربيعةتغلب بن وائلغير قرشية40
    B6علي بن أبي طالبأم البنين بنت حزام بن خالدعامر بن صعصعة؛ كلاب بن ربيعةغير قرشية40
    B7علي بن أبي طالبليلى بنت مسعودتميم؛ نهشل بن دارمغير قرشية40
    B8علي بن أبي طالبأسماء بنت عميسقحطان؛ خثعم بن أنمارغير قرشية40
    B9علي بن أبي طالبأم سعيد بنت عروةثقيفغير قرشية40
    B10عثمان بن عفانرقية بنت محمدقريش؛ هاشمقرشية خطية؛ متصلة عبر عبد مناف (5)104
    B11عثمان بن عفانفاختة بنت غزوانقيس عيلان؛ مازنغير قرشية104
    B12عثمان بن عفانأم أبان بنت جندبالأزد؛ دوسغير قرشية104
    B13عثمان بن عفانفاطمة بنت الوليدقريش؛ مخزومقرشية غير خطية104
    B14عثمان بن عفانأم البنين بنت عيينةغطفان؛ ذبيان؛ فزارةغير قرشية104
    B15عثمان بن عفانرملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمسقريش؛ عبد شمسقرشية خطية؛ متصلة عبر عبد شمس (4)104
    B16عثمان بن عفاننائلة بنت الفرافصةكلبغير قرشية104
    B17الزبير بن العوامأسماء بنت أبي بكرقريش؛ تيم بن مرةقرشية غير خطية236
    B18الزبير بن العوامعاتكة بنت زيدكلبغير قرشية236
    B19الزبير بن العوامأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أميةقريش؛ أميةقرشية خطية؛ متصلة عبر قصي (5)236
    B20الزبير بن العوامزينب بنت بشربكر بن وائل؛ قيس بن ثعلبةغير قرشية236
    B21الزبير بن العوامأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمسقريش؛ أميةقرشية خطية؛ متصلة عبر قصي (5)236
    B22الزبير بن العوامهلال بنت قيس بن نوفلأسد بن خزيمة؛ قبيلة أخرى من كنانة بن خزيمةغير قرشية236
    B23سعد بن أبي وقاصمارية بنت قيس بن معدي كربكندةغير قرشية264
    B24سعد بن أبي وقاصامرأة من بهراءقضاعة؛ بهراءغير قرشية264
    B25سعد بن أبي وقاصأم حكيم بنت قارض بن خالدكنانة؛ الحارث بن عبد مناةغير قرشية264
    B26عبد الرحمن بن عوفأم كلثوم بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمسقريش؛ عبد شمسقرشية غير خطية266
    B27عبد الرحمن بن عوفبنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمسقريش؛ عبد شمسقرشية غير خطية266
    B28عبد الرحمن بن عوفأم كلثوم بنت عقبةقريش؛ أمية بن عبد شمسقرشية غير خطية266
    B29عبد الرحمن بن عوفبحرية بنت هانئبكر بن وائل؛ شيبانغير قرشية266
    B30عبد الرحمن بن عوفسهلة بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمسقريش؛ عبد شمسقرشية غير خطية266
    B31عبد الرحمن بن عوفأم حكيم بنت قاريظكنانة؛ الحارث بن عبد مناةغير قرشية266
    B32عبد الرحمن بن عوفامرأة من عبد الأشهلالأوس؛ نبيت؛ عبد الأشهلغير قرشية266
    B33عبد الرحمن بن عوفتضاضر بنت أصبغكلبغير قرشية266
    B34عبد الرحمن بن عوفأسماء بنت سلامةطيءغير قرشية266
    B35عبد الرحمن بن عوفمجد بنت زيدحمير؛ يحصب بن مالكغير قرشية266
    B36عبد الرحمن بن عوفغزال بنت كسرىفارسيةغير عربية266
    B37عبد الرحمن بن عوفبادية بنت غيلانثقيفغير قرشية266
    B38أبو بكر الصديققتيلة بنت [عبد] العزى بن عبد أسعد بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيقريش؛ عامر؛ حسل؛ مالكقرشية غير خطية275
    B39أبو بكر الصديقأم رومان بنت عامركنانة؛ مالكغير قرشية275
    B40أبو بكر الصديقأسماء بنت عميسأنمار من قحطان؛ خثعمغير قرشية275
    B41أبو بكر الصديقحبيبة بنت خارجةالخزرج؛ الحارثغير قرشية275
    B42طلحة بن عبيد اللهحمنة بنت جحش بن رئابأسد بن خزيمةغير قرشية281
    B43طلحة بن عبيد اللهخولة بنت القعقاع بن معبدطيءغير قرشية281
    B44طلحة بن عبيد اللهأم أبان بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمسقريش؛ عبد شمسقرشية غير خطية281
    B45طلحة بن عبيد اللهأم الحارث بنت قسامة بن حنظلةطيء؛ مالك بن جذامغير قرشية281
    B46طلحة بن عبيد اللهأم كلثوم بنت أبي بكر الصديققريش؛ تيم بن مرةقرشية خطية؛ وصلة أبي بكر (3)281
    B47طلحة بن عبيد اللهسعدى بنت عوفغطفان؛ ذبيان؛ مرةغير قرشية281
    B48عمر بن الخطابزينب بنت مظعونقريش؛ جمحقرشية غير خطية348
    B49عمر بن الخطابأم كلثوم بنت علي بن أبي طالبقريش؛ هاشمقرشية غير خطية348
    B50عمر بن الخطابأم كلثوم بنت جرولخزاعةغير قرشية348
    B51عمر بن الخطابجميلة بنت ثابتالأوس؛ عمرو بن عوفغير قرشية348
    B52عمر بن الخطابعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيلقريش؛ عدي بن كعبقرشية خطية؛ متصلة عبر نفيل (2)348
    B53عمر بن الخطابأم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرةقريش؛ مخزومقرشية غير خطية348
    B54عمر بن الخطابسعيْدة بنت زافِعالأوس؛ عمرو بن عوفغير قرشية348

    الجدول 6.4: تفصيل الزيجات بحسب التجمعات الكبرى للمجموعة الإسلامية المبكرة

    الانتماء القبلي للزوجةالعددالنسبة من المجموع
    جميع الزوجات العربيات ذوات الانتماء القبلي المعروف52
    غير قرشيات3363.46%
    قرشيات غير خطيات1121.15%
    قرشيات خطيات815.39%

    الجدول 6.5: زيجات الخلفاء الأمويين وأبنائهم (المجموعة الثالثة)

    الأعمدة:

    • المرجع
    • اسم الزوج
    • جيل الزوج
    • اسم الزوجة
    • الانتماء القبلي للزوجة
    • درجة التباعد
    • الصفحة
    المرجعاسم الزوججيل الزوجاسم الزوجةالانتماء القبلي للزوجةدرجة التباعدالصفحة
    C1مروان بن الحكم (خليفة)6عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاصقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أبي العاص (2)160
    C2مروان بن الحكم (خليفة)6ليلى بنت زبانجنوبي؛ كلبغير قرشية160
    C3مروان بن الحكم (خليفة)6قطية بنت بشرشمالي؛ قيس؛ كلاب بن ربيعةغير قرشية161
    C4مروان بن الحكم (خليفة)6أم أبان بنت عثمان بن عفانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أبي العاص (2)161
    C5مروان بن الحكم (خليفة)6زينب بنت أبي سلمةقريش؛ مخزومقرشية غير خطية161
    C6معاوية بن أبي سفيان (خليفة)6ميسون بنت بحدلجنوبي؛ كلبغير قرشية127
    C7معاوية بن أبي سفيان (خليفة)6فاختة بنت قرظةقريشقرشية خطية؛ الصلة إلى عبد مناف بن قصي (5)128
    C8معاوية بن أبي سفيان (خليفة)6كعبود بنت قرظةقريشقرشية خطية؛ الصلة إلى عبد مناف بن قصي (5)128
    C9أبان بن مروان بن الحكم7زينب بنت عبد الرحمن بن الحارثقريش؛ مخزوم (أنجبت، لكن لم تُسمَّ أسماؤ الأولاد)قرشية غير خطية307
    C10عبد العزيز بن مروان7أم عبد الله بنت عبد الله بن عمرو بن عثمانقريش؛ سهمقرشية غير خطية168
    C11عبد العزيز بن مروان7ليلى بنت سهيلشمالي؛ قيس؛ كلاب بن ربيعةغير قرشية168
    C12عبد العزيز بن مروان7عائشة بنت عبد الله بن معاويةقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أمية (4)168-169
    C13عبد العزيز بن مروان7أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطابقريش؛ عدي بن كعبقرشية غير خطية168
    C14عبد الله بن معاوية7عَمَّة الحميد بنت عبد الله بن ربيعة بن كريزقريش؛ عبد شمسقرشية خطية؛ الصلة إلى عبد شمس (5)132
    C15عبد الملك بن مروان (خليفة)7أم الوليد بنت العباسشمالي؛ غطفان؛ فزارةغير قرشية162
    C16عبد الملك بن مروان (خليفة)7عاتكة بنت يزيد بن معاويةقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أمية (4)163
    C17عبد الملك بن مروان (خليفة)7أم هشام بنت هشامقريش؛ مخزومقرشية غير خطية164
    C18عبد الملك بن مروان (خليفة)7عائشة بنت موسى بن طلحةقريش؛ تيم بن مرةقرشية غير خطية164
    C19عبد الملك بن مروان (خليفة)7أم أيوب بنت أبان بن عثمان بن عفانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أبي العاص (3)164
    C20عبد الملك بن مروان (خليفة)7أم المغيرة بنت المغيرةقريش؛ مخزومقرشية غير خطية165
    C21بشر بن مروان بن الحكم7هند بنت أسماءشمالي؛ غطفان؛ فزارةغير قرشية169
    C22بشر بن مروان بن الحكم7أم حكيم بنت محمد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أميةقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أمية (4)169
    C23بشر بن مروان بن الحكم7أم كلثوم بنت أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوفقريش؛ زهرةقرشية غير خطية169
    C24محمد بن مروان بن الحكم7أم جميل بنت عبد الرحمن بن زيد بن الخطابقريش؛ عدي بن كعبقرشية غير خطية169
    C25محمد بن مروان بن الحكم7بنت يزيد بن عبد الله بن شيبة بن ربيعة بن عبد شمسقريش؛ عبد شمسقرشية خطية؛ الصلة إلى عبد شمس (5)169
    C26يزيد بن معاوية (خليفة)7أم هاشم بنت أبي هاشمقريش؛ عبد شمسقرشية خطية؛ الصلة إلى عبد شمس (5)128
    C27يزيد بن معاوية (خليفة)7أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريزقريش؛ عبد شمسقرشية خطية؛ الصلة إلى عبد شمس (5)129
    C28عبد الله بن عبد الملك بن مروان8رقية بنت عبد الله بن معاويةقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى عبد شمس (6)132
    C29عبد الله بن يزيد بن معاوية8عائشة بنت زبانجنوبي؛ كلبغير قرشية131
    C30عبد الله بن يزيد بن معاوية8أم عثمان بنت سعيدقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أمية (5)131
    C31عبد الله بن يزيد بن معاوية8عاتكة بنت عبد الله بن معاويةقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى معاوية (2)131-132
    C32عبد الله بن يزيد بن معاوية8أم كلثوم بنت عنبسة بن أبي سفيانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أبي سفيان132
    C33عبد الله بن يزيد بن معاوية8أم موسى بنت أبان بن سعيد بن العاصقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أمية (5)132
    C34عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية8مريم بنت سعيد بن العاصقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أمية (5)181
    C35بكار بن عبد الملك8عزة بنت عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أبي العاص (4)116
    C36هشام بن عبد الملك بن مروان (خليفة)8رقية بنت عبد الله بن عمرو بن عثمانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أبي العاص (4)115
    C37هشام بن عبد الملك بن مروان (خليفة)8أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاصقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى الحكم (3)167
    C38هشام بن عبد الملك بن مروان (خليفة)8عبدة بنت أسماء بن عبد الله بن يزيد بن معاويةقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أمية (5)167-168
    C39هشام بن عبد الملك بن مروان (خليفة)8أم عثمان بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أبي العاص (4)167-168
    C40خالد بن يزيد بن معاوية8عائشة بنت سعيدقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أمية (5)130
    C41سليمان بن عبد الملك (خليفة)8أم أبان بنت أبان بن الحكم بن أبي العاصقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى الحكم (3)165
    C42سليمان بن عبد الملك (خليفة)8أم يزيد بنت عبد الله بن يزيد بن معاويةقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أمية (5)165-166
    C43سليمان بن عبد الملك (خليفة)8عائشة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أبي العاص (4)166
    C44سليمان بن عبد الملك (خليفة)8أم أبان بنت عبد اللهقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أمية (5)166
    C45عمر بن عبد العزيز بن مروان (خليفة)8فاطمة بنت عبد الملكقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى مروان165
    C46عمر بن عبد العزيز بن مروان (خليفة)8عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد اللهقريش؛ تيم بن مرةقرشية غير خطية286
    C47الوليد بن عبد الملك (خليفة)8أم البنين بنت عبد العزيز بن مروانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى مروان165
    C48الوليد بن عبد الملك (خليفة)8أم عبد الله بنت عبد الله بن عمرو بن عثمانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أبي العاص (4)165
    C49يزيد بن عبد الملك (خليفة)8أم الحجاج بنت محمدشمالي؛ قيس؛ ثقيفغير قرشية167
    C50يزيد بن عبد الملك (خليفة)8سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أبي العاص (4)167
    C51عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك9ميمونة بنت عبد الرحمنقريش؛ تيم بن مرةقرشية غير خطية165
    C52بشر بن الوليد بن عبد الملك9أم عبد الله بنت الحكم بن أبي العاصقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى الحكم (4)172
    C53معاوية بن هشام بن عبد الملك9أم عبد الله بنت عبد اللهقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى الحكم (4)168
    C54عمر بن الوليد بن عبد الملك9أم عبد الله بنت الحكم بن أبي العاصقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى الحكم (4)172
    C55الوليد بن يزيد بن عبد الملك (خليفة)9عاتكة بنت عثمانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أمية (6)167
    C56الوليد بن يزيد بن عبد الملك (خليفة)9أم عبد الملك بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمانقريش؛ أمويةقرشية خطية؛ الصلة إلى أبي العاص (5)167

    الجدول 6.6: تفصيل الزيجات بحسب التجمعات الكبرى للخلفاء الأمويين وأبنائهم

    الانتماء القبلي للزوجةالعددالنسبة من المجموع
    جميع الزوجات ذوات الانتماء القبلي المعروف56
    غير قرشيات814.29%
    قرشيات غير خطيات (من غير بني أمية من ذرية قصي)11 (17)19.64% (30.36%)
    قرشيات خطيات (أمويات فقط)37 (31)66.07% (55.36%)

    ملاحظة المؤلف تحت الجدول:
    الأرقام الإضافية بين القوسين وُضعت هنا للدلالة على الزيجات مع ذرية أخرى لأمية، في مقابل ذرية قصي عمومًا

    ملاحظات ختامية

    كان الغرض الأساسي من هذا الفصل هو إظهار طريقة عمل المنهجية لكي يتمكن الباحثون الآخرون من فحص الاستنتاجات المستخرجة من تحليل مجموعات البيانات هذه. وهذا بخلاف بعض الدراسات البروسوبوغرافية الأخرى التي يُخفى فيها قدر كبير من المعلومات الأساسية خلف عدد قليل من الأرقام الرئيسية والرسوم البيانية. كما أن تقديم مجموعات البيانات بالصورة الواردة أعلاه يعني أيضًا أن باحثين آخرين يستطيعون الإفادة منها إذا أرادوا إجراء أبحاثهم الخاصة باستخدام مناهج قريبة من هذا المنهج.

    وأخيرًا، فقد أجبرنا هذا الفصل على التفكير في قضايا غير هينة مثل الهوية القبلية والانتماء الجماعي بطرق جديدة. وليس هنا مجالٌ لنقاش مفتوح النهاية حول الموضع الذي تنتهي عنده “القبيلة” ويبدأ عنده “العرق” مثلًا؛ ومع أن هذا موضوع مثير للاهتمام بلا شك، فإنه لا يساعدنا كثيرًا هنا. وفي الجداول أعلاه اضطررنا، بدلًا من ذلك، إلى أن نفكر في الهوية على نحو أضيق بكثير؛ فنحن نحتاج إلى جواب حاسم عن الانتماء القبلي للمرأة، وإلا فلا يمكن إدراجها في قاعدة البيانات. وهذا أمر عسير في كثير من الأحيان، ومن المرجح أن يثير بعض الجدل. ومع ذلك، فإن الفصول التالية ستبين أنه بقليل من التفكير والابتكار يمكننا تجاوز هذه الصعوبات وإظهار الكيفية التي يمكن بها استخدام هذه البيانات في دراسة التاريخ الإسلامي المبكر.


    الفصل السابع: الزواج في الجاهلية المتأخرة والإسلام المبكر

    المقدمة

    سيُبيَّن في هذا الفصل أن سلوك الزواج عند المسلمين الأوائل البارزين كان مختلفًا اختلافًا حادًا عن سلوك الزواج عند آبائهم؛ فقد تزوجوا من داخل قريش بمعدل أقل بكثير، واستقدموا زوجات من نطاق جغرافي أوسع بكثير. وكما هو الحال في دراستنا للتسرّي، فإن هذه النتائج تتفق مع بعض عناصر الرواية التاريخية التقليدية، لكنها لا يمكن التوفيق بينها وبين عناصر أخرى.

    أما من جهة التوافق، فإن انخفاض عدد الزيجات من نساء قرشيات يُعد علامة على إقصاء المسلمين الأوائل من قبل أبناء قبيلتهم. وكذلك فإن ازدياد التشتت الجغرافي في الأصول القبلية للزوجات هو -على الأرجح- نتيجة فتح شبه الجزيرة العربية. لكن هذه النقطة الأخيرة تُرغمنا على إعادة النظر في سلوك الزواج عند قريش في الجاهلية؛ فالنطاق الجغرافي لهذه الزيجات محدود جدًا إلى درجة أننا نضطر إلى إعادة تقييم مصادرنا ودراساتنا الثانوية جذريًا حين تصف مكانة القبيلة كما كانت خلال جزء كبير من حياة محمد.

    ويتألف هذا الفصل من قسمين رئيسيين. فبعد مناقشة موجزة لمفهومي الزواج الخارجي والزواج الداخلي، سنحاول في القسم الأول من الفصل أن نعرض البيانات بأوضح صورة ممكنة مع أقل قدر من إدخال المصادر الثانوية أو المقاربات الظنية. أما القسم الثاني من الفصل فسيكون أكثر نقاشًا وتحليلًا، وسيقترح بعض الطرق الأكثر جذرية التي يمكن بها تفسير الاتجاهات الموجودة في بيانات الزواج. ومن خلال ذلك كله سنحصل على فهم أفضل لـ التغير الاجتماعي في جزيرة العرب في أواخر العصور القديمة، وعلى فهم أكثر دقة لما يمكن أن يعنيه الزواج الخارجي/الداخلي في هذا السياق.


    الزواج الخارجي والزواج الداخلي داخل القبائل العربية

    قبل أن نركز على المجموعتين الأوليين، سنقارن المجموعات الثلاث جميعًا لكي نحصل على فهم أولي للاتجاهات الأطول مدى المتعلقة بـ الزواج الخارجي والزواج الداخلي. وتُعرض مقارنةٌ جنبًا إلى جنب بين المجموعات الثلاث في الجدول الآتي.

    قبل أن نركز على المجموعتين الأولى والثانية، سنقارن المجموعات الثلاث جميعًا من أجل الحصول على فهم أولي للاتجاهات الأطول مدى المتعلقة بـ الزواج الخارجي والزواج الداخلي. وترد مقارنة جانبية بين المجموعات الثلاث في الجدول الآتي:

    الجدول 7.1: مقارنة أنماط الزواج (غير المرتبطة بالسراري) في المجموعات الثلاث

    الانتماء القبلي للزوجةنسبة زيجات المجموعة الأولى (العصر السابق للإسلام)نسبة زيجات المجموعة الثانية (المسلمون الأوائل)نسبة زيجات المجموعة الثالثة (الأمويون)
    غير قرشيات43.40%63.46%14.29%
    قرشيات غير خطيات (من غير الأمويين من ذرية قصي)26.42%21.15%19.64% (30.36%)
    قرشيات خطيات (أمويات)30.19%15.39%66.07% (55.36%)

    ويقول المؤلف بعد ذلك إن نوع الزواج الذي يتقلب أقلّ من غيره بين المجموعات هو فئة الزيجات المعقودة مع القرشيات غير الخطيات. فنِسَب هذا النوع من الزواج لا تختلف اختلافًا كبيرًا بين المجموعات المختلفة؛ إذ إن الفرق بين المجموعة الأولى والثانية والثالثة لا يزيد على ثلاث زيجات فقط، أو خمس زيجات إذا اعتبرنا الأمويين سلالة مستقلة خاصة بهم (وهذا هو الرقم الموضوع بين القوسين).

    أما الفئتان الأخريان فهما أشد تقلبًا بكثير. وهذا يشير إلى صلة تبادلية ثنائية الاتجاه؛ فعندما يتزوج رجل من رجال مجموعة ما امرأة من داخل سلالته، يكون ذلك على حساب زواج بامرأة غير قرشية، والعكس بالعكس. ومن ثم فإن الأمويين كانوا يأخذون أمويات أخريات زوجاتٍ لهم لا على حساب بطون قرشية مثل مخزوم وسهم، بل على حساب غير القرشيات من مثل كلب وثقيف.

    وعند النظر إلى المجموعتين الأولى والثانية نرى أن المسلمين الأوائل تزوجوا بطريقة تختلف جدًا عن آبائهم؛ فقد انهارت زيجاتهم من النساء القرشيات المنتميات إلى مجموعتهم الخطية نفسها إلى نصف المستوى السابق تقريبًا، وجرى تعويض هذا النقص بزيجات من نساء غير قرشيات (إذ ازداد عدد الزيجات من هذا النوع بما يقارب 50%). ومن المثير للاهتمام أيضًا أن عدد الزيجات المنجبة من بنات أعضاء آخرين في المجموعة نفسها لم يكن سوى أربع زيجات فقط. ومن الواضح أن هذه جماعة كانت تميل إلى الزواج إلى الخارج.

    أما الأمويون في المجموعة الثالثة، فيتجهون في الاتجاه المعاكس. فعدد الزيجات من نساء غير قرشيات ينخفض انخفاضًا حادًا؛ فالزيجات الثماني التي عقدوها مع قبائل عربية خارجية أقل بكثير مما نتوقعه بناءً على سلوك أقربائهم في الفترتين المبكرة الإسلامية والسابقة للإسلام. لكن لا ينبغي أن نتعجل في وصف هذه المجموعة بأنها شديدة الانغلاق زواجيًا؛ فلنتذكر أن هذه المجموعة نفسها كانت تأخذ نساء أجنبيات من أصل رقيق -أي تعقد أقصى أنواع الزيجات الخارجية الممكنة– بأعداد تفوق بكثير المجموعات الأخرى.

    ثم يقول المؤلف إن المرحلة التالية هي صياغة تفسيرات لِمَ تختلف هذه المجموعات في طريقة زواجها. وفي هذا الفصل -الذي يقارن المجموعة السابقة للإسلام بالمجموعة النبوية/الإسلامية المبكرة– سيُبيَّن أن بعض هذه الفروق يمكن تفسيره من خلال المصادر التاريخية التقليدية. وما سنتعلمه من ذلك سيُطوَّر في الفصل التالي عند النظر في زيجات الخلفاء الأمويين وأبنائهم.


    القسم الأول: التحليل الإحصائي لزيجات المجموعتين الأولى والثانية

    يقول المؤلف إن نقطة البداية هي الجدول الآتي، الذي يوضح الفروق بين زيجات المجموعتين:

    الجدول 7.2: مقارنة أنماط الزواج بين المجموعتين السابقة للإسلام والإسلامية المبكرة

    الانتماء القبلي للزوجةزيجات ما قبل الإسلامزيجات المسلمين الأوائل
    غير قرشيات43.40%63.46%
    قرشيات غير خطيات26.42%21.15%
    قرشيات خطيات30.19%15.39%
    مجموع الزيجات5352

    ويلاحظ المؤلف -كما ذُكر أعلاه- أن الفرق الرئيس بين المجموعتين هو أن المسلمين الأوائل تزوجوا خارج قريش بمعدل أعلى بكثير من رجال المجتمع السابق للإسلام الذي وُلدوا فيه، وأن هذه الزيجات الخارجية جاءت على حساب الزيجات التي كانت تقع من قبل بينهم وبين نساء سلالاتهم القرشية الخاصة.

    وهناك أيضًا دليل على أن التحول إلى الإسلام غيّر طبيعة الزواج الداخلي نفسه. ويمكننا أن نرى ذلك حين نقارن درجة التباعد بين الزوج وزوجته، وهي معبر عنها برقم يدل على عدد الأجيال الفاصلة بينه وبين أقرب جدٍّ أبوي مشترك بينه وبين زوجته. فمثلًا، يُسجَّل زواج علي من فاطمة على أنه “2”، لأن عليًا يبعد جيلين عن عبد المطلب، وهو أقرب رابط مشترك له مع زوجته في الخط الذكري. ويظهر ذلك في الجدول الآتي:

    الجدول 7.3: درجة التباعد بين الشريكين في الزواج مقاسة عبر الزمن

    درجة التباعد (بالأجيال)عدد مرات الورود في المجموعة السابقة للإسلامعدد مرات الورود في المجموعة الإسلامية المبكرة
    272
    341
    454
    5 (3)4
    المجموع16 (19)8
    المتوسط2.88 (3.21)3.88

    ثم يحذر المؤلف من أن أي استنتاجات تُستخرج من هذا الجدول يجب أن تؤخذ بحذر، لأننا نتعامل هنا مع مجموعات بشرية صغيرة جدًا. ومع ذلك، فمن الواضح أن الاتجاه نحو الزواج الخارجي الذي رأيناه في السلوك الزواجي العام يتكرر أيضًا داخل الزيجات الخطية. فقد عقدت المجموعة السابقة للإسلام سبع زيجات مع نساء يرتبطن بأزواجهن عبر جد أبوي، أي ما يعادل بنات العمومة الأُوَل أو بنات أبناء العمومة الأُوَل. أما عدد الزيجات من هذا النوع في العصر الإسلامي فـ ينخفض انخفاضًا حادًا. ومؤشر آخر على هذا التغير هو الرقم الوارد في السطر الأخير من الجدول، الذي يعطي متوسط المسافة الجيلية بين الزوج وبين الجد المشترك بينه وبين زوجته. وحتى عند إدخال بني زهرة في الحساب (انظر الحاشية 309)، فإننا نرى أن هناك فرقًا معتبرًا بين متوسط المسافة في العصر الإسلامي وبين نظيره في العصر السابق للإسلام.

    الحاشية 309

    الرقم الواقع بين القوسين هنا هو عدد الزيجات بين هذه المجموعة وبني زهرة، الذين كانوا منحدرين من أخي قصي الوحيد الذي خلّف نسلًا. وسبب إدخالهم في الحساب أن مجموعة المسلمين الأوائل جاءت جيلًا بعد المجموعة الأقدم، وبالتالي كان أمامها جيل إضافي من الشركاء المحتملين في الزواج. وبإدخال بني زهرة نستطيع موازنة التحليل عند النظر في الزواج الداخلي/الخارجي من جهة المسافة الجيلية.

    الحاشية 310

    يمكن رؤية دلالة هذا إذا لاحظنا أنه لكي يمكن التوفيق بين الرقمين، لكان على قريش السابقة للإسلام أن تقلل عدد زيجاتها من بنات العمومة الأُوَل بمقدار أربع زيجات، وأن تزيد في المقابل زيجاتها من بني زهرة بالمقدار نفسه، لكي تبلغ مستوى الزواج الخارجي الذي عند المسلمين الأوائل. أو بالعكس، كان يمكن للمسلمين أن يخفضوا زيجاتهم من نساء يبعدن أربعة وخمسة أجيال إلى الصفر، وأن يرفعوا زيجاتهم من نساء يبعدن جيلين وثلاثة أجيال بالمقدار المقابل، حتى يقتربوا من معدل الزواج الداخلي عند جيل آبائهم.


    ويقول المؤلف إن الاتجاه نحو الزواج الخارجي يظهر أيضًا عندما ننظر عن كثب إلى أصول النساء غير القرشيات اللواتي تزوج بهن رجال المجموعتين. والجدول الآتي يبيّن عدد الزيجات التي عقدتها المجموعة السابقة للإسلام مع مختلف القبائل العربية، إلى جانب عدد الزيجات التي عقدتها المجموعة النبوية/الإسلامية المبكرة مع القبائل نفسها:

    الجدول 7.4: عدد الزيجات الخارجية للمجموعتين السابقة للإسلام والإسلامية المبكرة بحسب القبيلة

    القبيلةالمجموعة السابقة للإسلامالمجموعة الإسلامية المبكرة
    كنانة53
    ثقيف52
    عامر بن صعصعة41
    خزاعة21
    سليم20
    الأوس13
    دوس11
    هذيل10
    بكر بن وائل13
    تميم13
    أخرى16
    المجموع2317

    ويعلق المؤلف بأن من الواضح من هذا الجدول أن هناك تغيرًا دراميًا في أنماط الزواج بين المجموعتين. فالمجموعة السابقة للإسلام تعقد 18 من أصل 23 من زيجاتها غير القرشية مع خمس قبائل فقط، في حين أن هذه القبائل الخمس نفسها لا تمثل إلا سبعًا فقط من 33 زواجًا خارجيًا في مجموعة العصر النبوي. كما أن المجموعة اللاحقة تزوجت من جماعات كانت قريش في جيل آبائهم أقل رغبة في الزواج منها. فنحن نرى في الجدول أن هذه المجموعة تزوجت من:

    • بكر بن وائل
    • والأوس
    • وتميم

    ثلاث مرات لكل قبيلة، في حين أن هذه القبائل نفسها لم تكن في الأجيال المبكرة تمثل إلا زواجًا واحدًا فقط لكل منها.

    ومؤشر آخر على هذا التغير هو عدد الزيجات مع قبائل جديدة التي عقدها جيل النبي؛ فالغائب عن الجدول أعلاه هو 16 زواجًا عُقدت مع قبائل لم تكن المجموعة الأقدم قد تزوجت منها أصلًا، وقد أُشير إليها في صف “أخرى”.

    ويُعَدّ مؤشرًا آخر على التغير عددُ الزيجات مع قبائل جديدة التي عقدها جيل النبي؛ فالغائب عن الجدول أعلاه هو 16 زواجًا عُقدت مع قبائل لم تكن المجموعة الأقدم قد تزوجت منها أصلًا، وقد وُضعت تحت بند «أخرى». وأكثر هذه القبائل الجديدة تكرارًا في الزواج منها:

    • كلب: ثلاث زيجات
    • قحطان: زيجاتان
    • غطفان: زيجاتان
    • أسد بن خزيمة: زيجاتان

    ومهما تكن المشكلات المتعلقة بتعيين الانتماء القبلي في هذا المستوى، فمن الواضح أن قريش زمن محمد كانت توزع زيجاتها على مدى أوسع بكثير مما كان يفعله آباؤهم.

    ونحصل على نتائج شديدة الشبه عندما نقارب مسألة الزواج الخارجي/الداخلي من زاوية جغرافية بدلًا من الزاوية النسبية. والصورة الآتية هي خريطة لتوزع القبائل العربية في القرن السابع الميلادي، مأخوذة من كتاب Margoliouth, Mohammed and the Rise of Islam.

    الخريطة الأولى: خريطة جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي، من كتاب مارغليوث Mohammed and the Rise of Islam

    وفيما يتعلق بدقة هذه الخريطة، يقرّ المؤلف بأن معلومات مواقع القبائل فيها مستمدة من الروايات التاريخية التقليدية. لكن، كما هو الحال في الأنساب، لدينا أسباب تدعونا إلى الاعتقاد بأن المواضع الجغرافية للقبائل أقل عرضة للتلاعب من النوادر والأحاديث. وكما اقترح Donner، فإن جغرافية “أيام العرب” يمكن أن تكون موردًا مفيدًا للمؤرخين؛ لأن المعركة -حتى لو لم تكن تاريخية- لا بد أن يكون مكانها معقولًا، وأن يتصل بالموضع الذي كان أحفاد القبائل يقيمون فيه وقت رواية الخبر. ويضاف إلى ذلك أن صدقية هذه الجغرافيا تتعزز أيضًا بما في النقوش المعاصرة من إشارات إلى واحدة على الأقل من القبائل الرئيسة التي تُسجِّل الروايات أن قريشًا تزوجت فيها، وربما إلى ثلاث قبائل.

    الحاشية 313

    القبيلة المقصودة هنا هي عامر بن صعصعة، الذين ورد ذكرهم في نقش مريغان Murayghān المؤرخ بسنة 552م. والأحداث التي يصفها النقش وقعت في منتصف القرن السادس، ويضعها النقش في الحجاز. وقد أنجب أحفاد قصي من الجيل الرابع من أربع نساء من هذه القبيلة. أما الإشارة المحتملة الأخرى إلى قبيلة محلية فهي أعقد، وهي ورود اسم “Kinaidokolpites” في المصادر اليونانية، وهو اسم رُبط بكلٍّ من كنانة وكلب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، مع تفسيرات أخرى كذلك.

    ثم يقول المؤلف إن الخريطة التالية تُظهر التوزع الجغرافي لأصول زوجات قريش غير القرشيات في العصر السابق للنبوة. وقد أزيلت أسماء القبائل من الخريطة لأجل الوضوح، وكلما قدمت قبيلةٌ زوجةً لقريش وُضعت نجمة في الموضع الذي وضع فيه مارغليوث اسم القبيلة.

    الخريطة الثانية: التوزع الجغرافي للأصول القبلية للنساء غير القرشيات اللواتي تزوجن في المجموعة السابقة للإسلام

    ويقول المؤلف إن جميع تلك الزيجات تقريبًا كانت مع قبائل تعيش في نطاق 200 ميل من مكة. ولم تكن هناك إلا زيجتان فقط مع قبائل تقع بعيدًا بوضوح خارج هذا النطاق:

    • إحداهما مع امرأة من بكر بن وائل
    • والأخرى مع امرأة من تميم
      (A19 و A47)

    وكلتاهما من قبائل كانت تقيم على الساحل الغربي للخليج الفارسي. وهذا يعطينا مقياسًا جيدًا للأفق الجغرافي الذي كانت تتحرك فيه قريش عشية الإسلام.

    ثم يقول: عندما نكرر العملية نفسها على زيجات العصر الإسلامي المبكر نرى فرقًا واضحًا.

    الخريطة الثالثة: التوزع الجغرافي للأصول القبلية للنساء غير القرشيات اللواتي تزوجن في المجموعة الإسلامية المبكرة

    إن المدى الجغرافي لزيجات المجموعة الثانية واسع جدًا، ويمثل تقريبًا جميع الأقاليم المأهولة في شبه الجزيرة العربية، ويمتد أيضًا إلى العراق والبادية السورية. ومرة أخرى نرى أن السمة الأساسية لهذه المجموعة هي نزعتها إلى الزواج الخارجي. فهذه المجموعة لم تكتفِ بالزواج من خارج قريش أكثر بكثير من المجموعة السابقة للإسلام، بل فعلت ذلك أيضًا مع نساء من نطاق جغرافي أوسع بكثير.

    الحاشية 314

    يلاحظ المؤلف أن عُمان وحدها هي التي لا تظهر في هذا الانتشار، وسيعود إلى ذلك بعد قليل.

    الحاشية 315

    ولأجل التذكير الزمني: كان أكبر أفراد هذه المجموعة سنًا قد وُلدوا نحو 570م، وآخر من مات منهم توفي في ستينيات القرن السابع.


    تفسيرات: زيجات المسلمين الأوائل

    تدل هذه النتائج على أن المسلمين الأوائل كانوا أكثر ميلًا إلى الزواج الخارجي من أعضاء المجتمع غير المسلم الذي نشؤوا فيه. وهذه النزعة إلى الزواج الخارجي لا تظهر فقط على المستوى الإجمالي، أي في مسألة: هل كانت الزوجة قرشية أم غير قرشية؟ بل تظهر أيضًا داخل كل فئة من هاتين الفئتين. فعندما تزوج المسلمون الأوائل نساءً قرشيات خطيات، فعلوا ذلك مع نساء كانت صلة القرابة بينهن وبينهم أبعد. وعندما تزوجوا نساءً غير قرشيات، فعلوا ذلك مع نساء من نطاق جغرافي أوسع.

    أما من جهة الأنماط العامة لزيجات المسلمين الأوائل، وخصوصًا نزعتهم إلى الزواج الخارجي، فإن هذا ينسجم مع ما نعرفه من المصادر الخارجية. فأولًا، يبدو أن ذلك كان نتيجة إقصاء المسلمين الأوائل من قبل بقية قريش؛ وهذا قلل فرصهم في العثور على شركاء زواج من داخل هذه الجماعة، فاضطرهم إلى البحث أبعد من ذلك. ووفق إطار Kalmijn التحليلي، فهذا مثال على تغير في السلوك الزواجي سببه قوى اجتماعية. وبالمثل، فإن أيديولوجية الإسلام جعلتهم أقل خضوعًا للتقسيمات القبلية القائمة، وربما أكثر استعدادًا لعقد زيجات كان يُعد التفكير فيها غير وارد قبل إسلامهم. وأخيرًا، فإن كثيرًا من هؤلاء الرجال عاشوا إلى ما بعد فتح الجزيرة العربية؛ ومن ثم صار في مقدورهم أن يتزوجوا خارج حدود الحجاز. وهذا السبب الأخير بنيوي؛ فالفُتوح أدخلت هؤلاء الرجال في تماس مع طيف أوسع من النساء، وسهّلت بذلك زواجهم من جماعات خارجية.

    والإقليم الكبير الوحيد في الجزيرة الذي لم تتزوج فيه المجموعة النبوية هو عُمان. وتلاحظ Crone أن هذه هي المنطقة الوحيدة التي لم تكن لقريش أسواق فيها قبل الإسلام. وهناك أيضًا أدلة على وجود فاصل ثقافي ومادي بين الثلث الشرقي من الجزيرة وبين بقيتها في العصر السابق للإسلام. وهذا يدل على أمرين:
    أولًا: أن نجاح المشروع الإسلامي أدى إلى تكثيف علاقات كانت موجودة أصلًا، لا إلى قطيعة كاملة مع الماضي بالنسبة للمسلمين الأوائل.
    وثانيًا: أن المنهجية سليمة؛ إذ إن غياب الأسواق العُمانية من الروايات التقليدية عن تاريخ قريش يتوافق مع نتائج تحليلنا البروسوبوغرافي.


    تعدد الزوجات

    وقد تؤكد السلوكيات الزوجية القرشية كما حُفظت في نسب قريش نظريةً أخرى تتعلق بالتغيرات الزواجية التي أحدثها الإسلام. فقد ذهبت Stern إلى أن الإسلام أدخل تعدد الزوجات في مجتمع كان أغلبه أقرب إلى الأحادية من قبل، وتبدو البيانات هنا مؤيدةً لذلك؛ إذ إن 54 زواجًا منجبًا في المجموعة الأولى قام بها 34 رجلًا، في حين أن 54 زواجًا واتحادًا في المجموعة الثانية قام بها 9 رجال فقط. وهذا ارتفاع كبير جدًا في عدد الزيجات لكل رجل. لكن المؤلف يضيف تنبيهًا منهجيًا: قد يكون لهذا سببٌ تأريخي-نقلي أيضًا؛ فربما كان رجال الجيل الأقدم ينجبون من عدد مشابه من النساء، إلا أن النسّابين اللاحقين لم يروا أولادهم جديرين بالتسجيل بالتفصيل نفسه الذي حظي به أولاد المجموعة الثانية.

    ثم يضيف أن البحث السوسيولوجي منذ صدور كتاب Stern قد تراكم في مسألة: لماذا تكون بعض المجتمعات متعددة الزوجات وبعضها أحادي الزواج؟ وسرعان ما يتبين من قراءة هذه الأدبيات أن الباحث، كلما ازداد ما يملكه من معلومات عن البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية لمجتمع ما، استطاع أن يقترح أسبابًا أكثر لتفسير أحاديته أو تعدديته. وقد لوحظ أن المجتمعات الأحادية أقل عددًا من المجتمعات التعددية (نحو 15% فقط من مجموع المجتمعات المعروفة تاريخيًا)، وأن هذه الأحادية تظهر في أكثر البيئات هامشية -حيث تكون الفوارق في الثروة والمكانة بين الرجال ضئيلة- كما تظهر أيضًا في أعظم الحضارات القديمة وأكثرها نجاحًا، وهي المجتمعات التي عرفت أكبر الفوارق في المكانة. وفي الحالة الإسلامية، يبدو أن العرب انتقلوا من كونهم مجتمعًا هامشيًا إلى أن صاروا أسياد إمبراطورية، واكتسبوا تعدد الزوجات في الطريق.


    خلاصة التحليل العددي/الجغرافي للمجموعتين الأولى والثانية

    وباستثناء مسألة Stern، فإن أنماط زواج المسلمين الأوائل تؤكد كثيرًا من عناصر الرواية التاريخية التقليدية. فظهور الإسلام يتزامن مع تغير جذري في أنماط الزواج عند الذين اعتنقوا الدين الجديد باكرًا وصاروا لاحقًا قادة الجماعة بعد وفاة محمد. وليس هذا فحسب، بل إن طبيعة هذا التغير تتفق مع ما نتوقعه من المصادر التاريخية التقليدية. فمن جهة التغير الاجتماعي، كان من شأن إقصاء الجماعة المسلمة المبكرة، مع أيديولوجيتها العابرة للقبائل، أن يؤدي إلى المستويات الأعلى من الزواج الخارجي التي نراها في الجداول السابقة. ومن جهة التغير البنيوي، كان فتح الجزيرة العربية والمشرق الأدنى كفيلًا بأن يدخلهم في تماس مع نطاق أوسع بكثير من القبائل مقارنة بآبائهم الذين لم تكن سيطرتهم تتجاوز مكة وربما حزامها القريب.

    وبوضع الزيجات على الخريطة جغرافيًا، يمكننا أيضًا أن نرد بفاعلية على بعض أكثر النظريات المراجِعة المتطرفة في موضوع أصول الإسلام. ففي كتابها Meccan Trade، دفعت Crone بتشكيكها في السردية التقليدية إلى حد اقتراح أن قريشًا قبل الإسلام ربما لم تكن متمركزة في مكة أصلًا، بل كانت تقع إلى الشمال بكثير، أو أن القبيلة كانت منقسمة بين جماعة في مكة وأخرى في القاعدة الشمالية، أو أن القبيلة كانت مبعثرة في أنحاء الجزيرة. غير أن توزيع الزيجات كما توضحه الخرائط ينقض النظريات الثلاث معًا:

    • فزيجات قريش قبل الإسلام متمركزة في إقليم مكة.
    • وارتفاع الزواج الداخلي داخل القبيلة يمنع القول بأنها كانت منقسمة جغرافيًا إلى معسكرين.
    • ومع أن المسلمين الأوائل تزوجوا بالفعل من نساء من سائر أنحاء الجزيرة، فلا ينبغي أن ننسى أن أكثر من ثلث زيجاتهم كان مع قرشيات أخريات؛ وعندما يتعلق الأمر بالزواج، فإن مركز الثقل الوحيد في كلتا المجموعتين هو موضع في الحجاز الأوسط. وينبغي أن نتذكر أيضًا أن هذا الرد على Crone مبني على أسس متينة نسبيًا -بمعايير تاريخ الإسلام المبكر- هي الجغرافيا والأنساب، مع استخدام مقاربة بروسوبوغرافية كانت Crone نفسها قد دعت إليها.

    وأخيرًا، فإن هذه المقارنة تُظهر مرة أخرى أن بياناتنا ومنهجيتنا تقفان على أساس متين. ففي داخل المصادر السردية التقليدية، هناك تحيز معروف لمصلحة القبائل التي استوطنت حول المراكز الحضرية الكبرى التي ساندت الأوساط العلمية، مثل البصرة والكوفة. أما القبائل المحددة في الجدول 7.4 فليست من هذه القبائل؛ بل هي قبائل محلية قريبة من مكة، وكثير منها لم يلعب دورًا كبيرًا في الفتوح أو في البيئة اللاحقة للفتح. ويبدو أن الأدب النسبي قد قاوم تشوهات المؤرخين المتأخرين -على الأقل فيما يتعلق بالبيانات الأمومية.

    ويقول المؤلف إنه يأمل، عند هذه المرحلة، أن يتمكن الباحثون الأكثر تشككًا من أن يروا أن بيانات العلاقات المنجبة للأطفال المحفوظة في نسب قريش -وربما في أعمال النسب المبكرة عمومًا- ينبغي أن تُعامل أقرب إلى الأدلة الأولية. فهي تشترك، من هذه الجهة، مع القرآن وصحيفة المدينة أكثر مما تشترك مع الكثرة الغالبة من مواد الحديث والسيرة. أي إنها مصادر معقدة، نعم، لكنها فريدة الفائدة بالنسبة لعمل المؤرخ الوضعي.


    القسم الثاني: مقاربات نقاشية لتحليل المجموعتين الأولى والثانية

    في القسم الثاني من الفصل السابع سيعيد المؤلف النظر في العناصر ذات الصلة من الدراسات الثانوية، إلى جانب عدد من أكثر المصادر التاريخية المألوفة مثل تاريخ الطبري. والغرض من ذلك هو أن يبين أن نتائج القسم الأول من هذا الفصل يمكن أن تساعدنا في الترجيح بين سرديات تبدو اليوم متكافئة الوزن. ومع أن النتيجة لا يمكن وصفها إلا بأنها رسم أولي لمراجعة أدبيات كاملة، فإنها ستبيّن مع ذلك كيف تستطيع البروسوبوغرافيا أن تثير نقاشات جديدة وتقترح مسارات بحث جديدة.

    وستتركز الملاحظات هنا أساسًا على مكانة قريش قبل الإسلام، وهي مسألة تقوم حولها -بصورة عامة- سرديتان:
    فمن جهة، هناك سردية تميل إلى إبراز أمرين في قريش الجاهلية:

    1. أنها كانت القبيلة الأبرز في جزيرة العرب، وكان العرب يعترفون لها بذلك.
    2. وأن لها إمبراطورية تجارية بعيدة الامتداد تصل إلى بيزنطة وإيران واليمن والحبشة.

    وهذه هي الصورة التي تقدمها أكثر المصادر السردية التقليدية، كما يدعمها -بدرجات متفاوتة- عدد كبير من الباحثين المحدثين. ومن الجهة الأخرى، هناك سردية مضادة ترى أن الأهمية المروية لقريش في العصر الجاهلي مبالغ فيها جدًا في أكثر المصادر التقليدية، وأن قريشًا كانت في الحقيقة كيانًا أكثر محلية وانغلاقًا بكثير مما توحي به تلك المصادر. وهذه هي وجهة نظر عدد أقل من الدارسين المحدثين، ويمكن وصفهم -إجمالًا- بأنهم مراجِعون.

    وفي القسم التالي سيذهب المؤلف إلى أن مجموع النتائج البروسوبوغرافية التي توصلنا إليها يفضي إلى حجة ترجّح بقوة الموقف المراجِع. وسيبني ذلك من خلال ثلاثة محاور مترابطة يظهر فيها طابع قريش المحلي الضيق بوضوح:

    1. آفاقهم السياسية
    2. علاقاتهم بالقبائل المحيطة
    3. اقتصاد مكة

    ففي المحور الأول سيقال إن التوزع الجغرافي المحدود للزيجات يصلح مؤشرًا قويًا على أن الأفق السياسي لقريش لم يتجاوز مسافة أسبوع من السفر في أي اتجاه من مكة. وفي المحور الثاني سيتبين أن دور قريش بوصفهم خدّامًا/قوّامًا على حرم أعطاهم تفوقًا على القبائل المتناثرة حولهم، لكن هذه كانت علاقة اعتماد متبادل؛ إذ كانت قريش لا تزال بحاجة إلى تلك القبائل للبقاء. وليس ذلك فحسب، بل كانوا أيضًا أدنى منزلة من القبائل التي كانت تسيطر على البلدات القريبة. أما المحور الثالث، وهو اقتصاد مكة، فسيُظهر أن بقاء قبيلة قريش نفسها في ذلك الموضع كان معتمدًا على توازن دقيق للقوى تتوسطه التجارة والدين. ثم ستنتهي المناقشة إلى سردية بديلة لصعود الإسلام

    ويُعَدّ مؤشرًا آخر على التغير عددُ الزيجات مع قبائل جديدة التي عقدها جيل النبي؛ فالغائب عن الجدول أعلاه هو 16 زواجًا عُقدت مع قبائل لم تكن المجموعة الأقدم قد تزوجت منها أصلًا، وقد وُضعت تحت بند «أخرى». وأكثر هذه القبائل الجديدة تكرارًا في الزواج منها:

    • كلب: ثلاث زيجات
    • قحطان: زيجاتان
    • غطفان: زيجاتان
    • أسد بن خزيمة: زيجاتان

    ومهما تكن المشكلات المتعلقة بتعيين الانتماء القبلي في هذا المستوى، فمن الواضح أن قريش زمن محمد كانت توزع زيجاتها على مدى أوسع بكثير مما كان يفعله آباؤهم.

    ونحصل على نتائج شديدة الشبه عندما نقارب مسألة الزواج الخارجي/الداخلي من زاوية جغرافية بدلًا من الزاوية النسبية. والصورة الآتية هي خريطة لتوزع القبائل العربية في القرن السابع الميلادي، مأخوذة من كتاب Margoliouth, Mohammed and the Rise of Islam.

    الخريطة الأولى: خريطة جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي، من كتاب مارغليوث Mohammed and the Rise of Islam

    وفيما يتعلق بدقة هذه الخريطة، يقرّ المؤلف بأن معلومات مواقع القبائل فيها مستمدة من الروايات التاريخية التقليدية. لكن، كما هو الحال في الأنساب، لدينا أسباب تدعونا إلى الاعتقاد بأن المواضع الجغرافية للقبائل أقل عرضة للتلاعب من النوادر والأحاديث. وكما اقترح Donner، فإن جغرافية “أيام العرب” يمكن أن تكون موردًا مفيدًا للمؤرخين؛ لأن المعركة -حتى لو لم تكن تاريخية- لا بد أن يكون مكانها معقولًا، وأن يتصل بالموضع الذي كان أحفاد القبائل يقيمون فيه وقت رواية الخبر. ويضاف إلى ذلك أن صدقية هذه الجغرافيا تتعزز أيضًا بما في النقوش المعاصرة من إشارات إلى واحدة على الأقل من القبائل الرئيسة التي تُسجِّل الروايات أن قريشًا تزوجت فيها، وربما إلى ثلاث قبائل.

    الحاشية 313

    القبيلة المقصودة هنا هي عامر بن صعصعة، الذين ورد ذكرهم في نقش مريغان Murayghān المؤرخ بسنة 552م. والأحداث التي يصفها النقش وقعت في منتصف القرن السادس، ويضعها النقش في الحجاز. وقد أنجب أحفاد قصي من الجيل الرابع من أربع نساء من هذه القبيلة. أما الإشارة المحتملة الأخرى إلى قبيلة محلية فهي أعقد، وهي ورود اسم “Kinaidokolpites” في المصادر اليونانية، وهو اسم رُبط بكلٍّ من كنانة وكلب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، مع تفسيرات أخرى كذلك.

    ثم يقول المؤلف إن الخريطة التالية تُظهر التوزع الجغرافي لأصول زوجات قريش غير القرشيات في العصر السابق للنبوة. وقد أزيلت أسماء القبائل من الخريطة لأجل الوضوح، وكلما قدمت قبيلةٌ زوجةً لقريش وُضعت نجمة في الموضع الذي وضع فيه مارغليوث اسم القبيلة.

    الخريطة الثانية: التوزع الجغرافي للأصول القبلية للنساء غير القرشيات اللواتي تزوجن في المجموعة السابقة للإسلام

    ويقول المؤلف إن جميع تلك الزيجات تقريبًا كانت مع قبائل تعيش في نطاق 200 ميل من مكة. ولم تكن هناك إلا زيجتان فقط مع قبائل تقع بعيدًا بوضوح خارج هذا النطاق:

    • إحداهما مع امرأة من بكر بن وائل
    • والأخرى مع امرأة من تميم
      (A19 و A47)

    وكلتاهما من قبائل كانت تقيم على الساحل الغربي للخليج الفارسي. وهذا يعطينا مقياسًا جيدًا للأفق الجغرافي الذي كانت تتحرك فيه قريش عشية الإسلام.

    ثم يقول: عندما نكرر العملية نفسها على زيجات العصر الإسلامي المبكر نرى فرقًا واضحًا.

    الخريطة الثالثة: التوزع الجغرافي للأصول القبلية للنساء غير القرشيات اللواتي تزوجن في المجموعة الإسلامية المبكرة

    إن المدى الجغرافي لزيجات المجموعة الثانية واسع جدًا، ويمثل تقريبًا جميع الأقاليم المأهولة في شبه الجزيرة العربية، ويمتد أيضًا إلى العراق والبادية السورية. ومرة أخرى نرى أن السمة الأساسية لهذه المجموعة هي نزعتها إلى الزواج الخارجي. فهذه المجموعة لم تكتفِ بالزواج من خارج قريش أكثر بكثير من المجموعة السابقة للإسلام، بل فعلت ذلك أيضًا مع نساء من نطاق جغرافي أوسع بكثير.

    الحاشية 314

    يلاحظ المؤلف أن عُمان وحدها هي التي لا تظهر في هذا الانتشار، وسيعود إلى ذلك بعد قليل.

    الحاشية 315

    ولأجل التذكير الزمني: كان أكبر أفراد هذه المجموعة سنًا قد وُلدوا نحو 570م، وآخر من مات منهم توفي في ستينيات القرن السابع.


    تفسيرات: زيجات المسلمين الأوائل

    تدل هذه النتائج على أن المسلمين الأوائل كانوا أكثر ميلًا إلى الزواج الخارجي من أعضاء المجتمع غير المسلم الذي نشؤوا فيه. وهذه النزعة إلى الزواج الخارجي لا تظهر فقط على المستوى الإجمالي، أي في مسألة: هل كانت الزوجة قرشية أم غير قرشية؟ بل تظهر أيضًا داخل كل فئة من هاتين الفئتين. فعندما تزوج المسلمون الأوائل نساءً قرشيات خطيات، فعلوا ذلك مع نساء كانت صلة القرابة بينهن وبينهم أبعد. وعندما تزوجوا نساءً غير قرشيات، فعلوا ذلك مع نساء من نطاق جغرافي أوسع.

    أما من جهة الأنماط العامة لزيجات المسلمين الأوائل، وخصوصًا نزعتهم إلى الزواج الخارجي، فإن هذا ينسجم مع ما نعرفه من المصادر الخارجية. فأولًا، يبدو أن ذلك كان نتيجة إقصاء المسلمين الأوائل من قبل بقية قريش؛ وهذا قلل فرصهم في العثور على شركاء زواج من داخل هذه الجماعة، فاضطرهم إلى البحث أبعد من ذلك. ووفق إطار Kalmijn التحليلي، فهذا مثال على تغير في السلوك الزواجي سببه قوى اجتماعية. وبالمثل، فإن أيديولوجية الإسلام جعلتهم أقل خضوعًا للتقسيمات القبلية القائمة، وربما أكثر استعدادًا لعقد زيجات كان يُعد التفكير فيها غير وارد قبل إسلامهم. وأخيرًا، فإن كثيرًا من هؤلاء الرجال عاشوا إلى ما بعد فتح الجزيرة العربية؛ ومن ثم صار في مقدورهم أن يتزوجوا خارج حدود الحجاز. وهذا السبب الأخير بنيوي؛ فالفُتوح أدخلت هؤلاء الرجال في تماس مع طيف أوسع من النساء، وسهّلت بذلك زواجهم من جماعات خارجية.

    والإقليم الكبير الوحيد في الجزيرة الذي لم تتزوج فيه المجموعة النبوية هو عُمان. وتلاحظ Crone أن هذه هي المنطقة الوحيدة التي لم تكن لقريش أسواق فيها قبل الإسلام. وهناك أيضًا أدلة على وجود فاصل ثقافي ومادي بين الثلث الشرقي من الجزيرة وبين بقيتها في العصر السابق للإسلام. وهذا يدل على أمرين:
    أولًا: أن نجاح المشروع الإسلامي أدى إلى تكثيف علاقات كانت موجودة أصلًا، لا إلى قطيعة كاملة مع الماضي بالنسبة للمسلمين الأوائل.
    وثانيًا: أن المنهجية سليمة؛ إذ إن غياب الأسواق العُمانية من الروايات التقليدية عن تاريخ قريش يتوافق مع نتائج تحليلنا البروسوبوغرافي.


    تعدد الزوجات

    وقد تؤكد السلوكيات الزوجية القرشية كما حُفظت في نسب قريش نظريةً أخرى تتعلق بالتغيرات الزواجية التي أحدثها الإسلام. فقد ذهبت Stern إلى أن الإسلام أدخل تعدد الزوجات في مجتمع كان أغلبه أقرب إلى الأحادية من قبل، وتبدو البيانات هنا مؤيدةً لذلك؛ إذ إن 54 زواجًا منجبًا في المجموعة الأولى قام بها 34 رجلًا، في حين أن 54 زواجًا واتحادًا في المجموعة الثانية قام بها 9 رجال فقط. وهذا ارتفاع كبير جدًا في عدد الزيجات لكل رجل. لكن المؤلف يضيف تنبيهًا منهجيًا: قد يكون لهذا سببٌ تأريخي-نقلي أيضًا؛ فربما كان رجال الجيل الأقدم ينجبون من عدد مشابه من النساء، إلا أن النسّابين اللاحقين لم يروا أولادهم جديرين بالتسجيل بالتفصيل نفسه الذي حظي به أولاد المجموعة الثانية.

    ثم يضيف أن البحث السوسيولوجي منذ صدور كتاب Stern قد تراكم في مسألة: لماذا تكون بعض المجتمعات متعددة الزوجات وبعضها أحادي الزواج؟ وسرعان ما يتبين من قراءة هذه الأدبيات أن الباحث، كلما ازداد ما يملكه من معلومات عن البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية لمجتمع ما، استطاع أن يقترح أسبابًا أكثر لتفسير أحاديته أو تعدديته. وقد لوحظ أن المجتمعات الأحادية أقل عددًا من المجتمعات التعددية (نحو 15% فقط من مجموع المجتمعات المعروفة تاريخيًا)، وأن هذه الأحادية تظهر في أكثر البيئات هامشية -حيث تكون الفوارق في الثروة والمكانة بين الرجال ضئيلة- كما تظهر أيضًا في أعظم الحضارات القديمة وأكثرها نجاحًا، وهي المجتمعات التي عرفت أكبر الفوارق في المكانة. وفي الحالة الإسلامية، يبدو أن العرب انتقلوا من كونهم مجتمعًا هامشيًا إلى أن صاروا أسياد إمبراطورية، واكتسبوا تعدد الزوجات في الطريق.


    خلاصة التحليل العددي/الجغرافي للمجموعتين الأولى والثانية

    وباستثناء مسألة Stern، فإن أنماط زواج المسلمين الأوائل تؤكد كثيرًا من عناصر الرواية التاريخية التقليدية. فظهور الإسلام يتزامن مع تغير جذري في أنماط الزواج عند الذين اعتنقوا الدين الجديد باكرًا وصاروا لاحقًا قادة الجماعة بعد وفاة محمد. وليس هذا فحسب، بل إن طبيعة هذا التغير تتفق مع ما نتوقعه من المصادر التاريخية التقليدية. فمن جهة التغير الاجتماعي، كان من شأن إقصاء الجماعة المسلمة المبكرة، مع أيديولوجيتها العابرة للقبائل، أن يؤدي إلى المستويات الأعلى من الزواج الخارجي التي نراها في الجداول السابقة. ومن جهة التغير البنيوي، كان فتح الجزيرة العربية والمشرق الأدنى كفيلًا بأن يدخلهم في تماس مع نطاق أوسع بكثير من القبائل مقارنة بآبائهم الذين لم تكن سيطرتهم تتجاوز مكة وربما حزامها القريب.

    وبوضع الزيجات على الخريطة جغرافيًا، يمكننا أيضًا أن نرد بفاعلية على بعض أكثر النظريات المراجِعة المتطرفة في موضوع أصول الإسلام. ففي كتابها Meccan Trade، دفعت Crone بتشكيكها في السردية التقليدية إلى حد اقتراح أن قريشًا قبل الإسلام ربما لم تكن متمركزة في مكة أصلًا، بل كانت تقع إلى الشمال بكثير، أو أن القبيلة كانت منقسمة بين جماعة في مكة وأخرى في القاعدة الشمالية، أو أن القبيلة كانت مبعثرة في أنحاء الجزيرة. غير أن توزيع الزيجات كما توضحه الخرائط ينقض النظريات الثلاث معًا:

    • فزيجات قريش قبل الإسلام متمركزة في إقليم مكة.
    • وارتفاع الزواج الداخلي داخل القبيلة يمنع القول بأنها كانت منقسمة جغرافيًا إلى معسكرين.
    • ومع أن المسلمين الأوائل تزوجوا بالفعل من نساء من سائر أنحاء الجزيرة، فلا ينبغي أن ننسى أن أكثر من ثلث زيجاتهم كان مع قرشيات أخريات؛ وعندما يتعلق الأمر بالزواج، فإن مركز الثقل الوحيد في كلتا المجموعتين هو موضع في الحجاز الأوسط. وينبغي أن نتذكر أيضًا أن هذا الرد على Crone مبني على أسس متينة نسبيًا -بمعايير تاريخ الإسلام المبكر- هي الجغرافيا والأنساب، مع استخدام مقاربة بروسوبوغرافية كانت Crone نفسها قد دعت إليها.

    وأخيرًا، فإن هذه المقارنة تُظهر مرة أخرى أن بياناتنا ومنهجيتنا تقفان على أساس متين. ففي داخل المصادر السردية التقليدية، هناك تحيز معروف لمصلحة القبائل التي استوطنت حول المراكز الحضرية الكبرى التي ساندت الأوساط العلمية، مثل البصرة والكوفة. أما القبائل المحددة في الجدول 7.4 فليست من هذه القبائل؛ بل هي قبائل محلية قريبة من مكة، وكثير منها لم يلعب دورًا كبيرًا في الفتوح أو في البيئة اللاحقة للفتح. ويبدو أن الأدب النسبي قد قاوم تشوهات المؤرخين المتأخرين -على الأقل فيما يتعلق بالبيانات الأمومية.

    ويقول المؤلف إنه يأمل، عند هذه المرحلة، أن يتمكن الباحثون الأكثر تشككًا من أن يروا أن بيانات العلاقات المنجبة للأطفال المحفوظة في نسب قريش -وربما في أعمال النسب المبكرة عمومًا- ينبغي أن تُعامل أقرب إلى الأدلة الأولية. فهي تشترك، من هذه الجهة، مع القرآن وصحيفة المدينة أكثر مما تشترك مع الكثرة الغالبة من مواد الحديث والسيرة. أي إنها مصادر معقدة، نعم، لكنها فريدة الفائدة بالنسبة لعمل المؤرخ الوضعي.


    القسم الثاني: مقاربات نقاشية لتحليل المجموعتين الأولى والثانية

    في القسم الثاني من الفصل السابع سيعيد المؤلف النظر في العناصر ذات الصلة من الدراسات الثانوية، إلى جانب عدد من أكثر المصادر التاريخية المألوفة مثل تاريخ الطبري. والغرض من ذلك هو أن يبين أن نتائج القسم الأول من هذا الفصل يمكن أن تساعدنا في الترجيح بين سرديات تبدو اليوم متكافئة الوزن. ومع أن النتيجة لا يمكن وصفها إلا بأنها رسم أولي لمراجعة أدبيات كاملة، فإنها ستبيّن مع ذلك كيف تستطيع البروسوبوغرافيا أن تثير نقاشات جديدة وتقترح مسارات بحث جديدة.

    وستتركز الملاحظات هنا أساسًا على مكانة قريش قبل الإسلام، وهي مسألة تقوم حولها -بصورة عامة- سرديتان:
    فمن جهة، هناك سردية تميل إلى إبراز أمرين في قريش الجاهلية:

    1. أنها كانت القبيلة الأبرز في جزيرة العرب، وكان العرب يعترفون لها بذلك.
    2. وأن لها إمبراطورية تجارية بعيدة الامتداد تصل إلى بيزنطة وإيران واليمن والحبشة.

    وهذه هي الصورة التي تقدمها أكثر المصادر السردية التقليدية، كما يدعمها -بدرجات متفاوتة- عدد كبير من الباحثين المحدثين. ومن الجهة الأخرى، هناك سردية مضادة ترى أن الأهمية المروية لقريش في العصر الجاهلي مبالغ فيها جدًا في أكثر المصادر التقليدية، وأن قريشًا كانت في الحقيقة كيانًا أكثر محلية وانغلاقًا بكثير مما توحي به تلك المصادر. وهذه هي وجهة نظر عدد أقل من الدارسين المحدثين، ويمكن وصفهم -إجمالًا- بأنهم مراجِعون.

    وفي القسم التالي سيذهب المؤلف إلى أن مجموع النتائج البروسوبوغرافية التي توصلنا إليها يفضي إلى حجة ترجّح بقوة الموقف المراجِع. وسيبني ذلك من خلال ثلاثة محاور مترابطة يظهر فيها طابع قريش المحلي الضيق بوضوح:

    1. آفاقهم السياسية
    2. علاقاتهم بالقبائل المحيطة
    3. اقتصاد مكة

    ففي المحور الأول سيقال إن التوزع الجغرافي المحدود للزيجات يصلح مؤشرًا قويًا على أن الأفق السياسي لقريش لم يتجاوز مسافة أسبوع من السفر في أي اتجاه من مكة. وفي المحور الثاني سيتبين أن دور قريش بوصفهم خدّامًا/قوّامًا على حرم أعطاهم تفوقًا على القبائل المتناثرة حولهم، لكن هذه كانت علاقة اعتماد متبادل؛ إذ كانت قريش لا تزال بحاجة إلى تلك القبائل للبقاء. وليس ذلك فحسب، بل كانوا أيضًا أدنى منزلة من القبائل التي كانت تسيطر على البلدات القريبة. أما المحور الثالث، وهو اقتصاد مكة، فسيُظهر أن بقاء قبيلة قريش نفسها في ذلك الموضع كان معتمدًا على توازن دقيق للقوى تتوسطه التجارة والدين. ثم ستنتهي المناقشة إلى سردية بديلة لصعود الإسلام

    وسيُبنى هذا الترجيح من خلال النظر في ثلاثة موضوعات مترابطة يظهر فيها الطابع المحلي الضيق لقريش بوضوح.
    أول هذه الموضوعات هو أفقهم السياسي؛ إذ يُجادِل المؤلف بأن التوزع الجغرافي المحدود للزيجات دليلٌ جيد على أن مجال نظرهم السياسي لم يكن يتجاوز مسيرة أسبوع في أي اتجاه من مكة.
    والموضوع الثاني يتعلق بـ علاقاتهم بالقبائل المحيطة. وهنا سيُبيَّن أن دور قريش بوصفهم قوّامًا على مزار/حرم يدل على أنهم كانوا أعلى منزلة من القبائل المتفرقة جغرافيًا التي كانت تطوقهم. لكن هذه كانت علاقة اعتماد متبادل؛ إذ إن قريشًا كانت لا تزال بحاجة إلى هذه القبائل لكي تبقى. وليس هذا فقط، بل كانوا أيضًا أدنى منزلة من القبائل التي كانت تسيطر على البلدات القريبة.
    أما الموضوع الثالث فهو اقتصاد مكة. وفي هذا النقاش الأخير سيُظهر المؤلف أن بقاء قبيلة قريش نفسها في موضع الاستيطان كان يعتمد على توازن دقيق للقوة تتوسطه التجارة والدين.

    ثم يقول إن المناقشة ستنتهي إلى سردية بديلة لصعود الإسلام تجمع هذه الموضوعات كلها. وهذه السردية الجديدة تُبرز هشاشة الوجود القرشي قبل الإسلام وأثناء حياة النبي. فبدلًا من أن تكون قريش -كما يريد بعض الباحثين- سادةَ إمبراطورية تجارية دولية، فإن الصورة التي تخرج من هذا التحليل هي أن قريشًا كانت قبيلة تكافح لترفع نفسها فوق منزلة الشعوب المحيطة بها في الحجاز الأوسط، وكانت قوّامًا على مزار صغير، وكانت في النهاية شديدة الضعف أمام أي جماعة تستطيع أن تُخلّ بتوازن القوى الإقليمي لمصلحتها.


    الزواج والمكانة في مكة قبل الإسلام

    ينتقل المؤلف أولًا إلى مسألة الصلات الدولية المزعومة لقريش قبل الإسلام، فيقول إن التوزع الجغرافي المبين في الخريطة الثانية يدل على أن الأفق الجغرافي للقبيلة من حيث الزواج لم يكن يبلغ حتى الحدين الشمالي والجنوبي للحجاز. فإذا كان سلوك الزواج عند جماعةٍ ما يعكس علاقاتها بالآخرين -وجميع المؤشرات في هذه الأطروحة تقول إن هذا هو الحال- فإننا لا نستطيع أن نستنتج من هذه الخريطة إلا أن أهم علاقات قريش في تلك الفترة كانت مع القبائل الواقعة في محيطها المباشر.

    ويضيف أن البيانات الجغرافية وحدها لا تسمح لنا بأن نستنتج أن قريشًا كانت تملك علاقات بالشدة نفسها مع الشعوب الواقعة خارج جزيرة العرب، ولا حتى مع القبائل العربية التي كانت تجاور تلك الشعوب. وإنما في العصر الإسلامي المبكر فقط نرى نمط توزيع للزيجات يطابق مكانة قبيلة معترف بها على نطاق واسع وذات أهمية عبر الجزيرة كلها.

    ثم ينتقل إلى دعوى أن قريشًا كانت نخبةً معترفًا بها بين القبائل العربية، ويقول إن سلوك الزواج أيضًا لا يسند هذا التصور. ويمكن رؤية ذلك في التوزع الجغرافي نفسه؛ فالقبائل الوحيدة التي كانت مستعدة لتسليم بناتها لرجال قريش هي القبائل التي كانت تعيش قرب مكة. ويترتب على ذلك أن القبائل القريبة من مكة وحدها هي التي رأت فائدة في تنمية علاقات أوثق مع قريش. لكن هذا الأمر يظهر بوضوح أكبر عند النظر إلى المستويات النسبية للزواج الخارجي والزواج الداخلي.

    ثم يعود المؤلف إلى سلوك الزواج عند الخلفاء الأمويين في الجدول 7.1، فيلاحظ أن مكانتهم النخبوية جعلتهم ينفرون من الروابط مع العرب الذين كانوا يعدّونهم “غرباء”؛ إذ لم تكن سوى ثماني زيجات من أصل 56 مع نساء غير قرشيات. كما أدت هذه المكانة أيضًا إلى تقليل عدد الزيجات مع القرشيات غير الأمويات. وفي مقابل ذلك جاءت النساء غير العربيات -أي السراري-، وكذلك بنات العم من جهة الأب. أما أسلافهم قبل الإسلام فلم يكونوا قادرين على هذا. ولذلك، فعلى الرغم من أن المصادر كثيرًا ما تُلمّح إلى أن قريشًا قبل الإسلام كانت تتمتع بتفوق يشبه التفوق الأموي على قبائل العرب في الجاهلية، فإن هذا واضح البطلان.

    ثم يضيف أن درجة الزواج الداخلي التي تُظهرها قريش قبل الإسلام تتوافق على نحو لافت مع بعض الدراسات الأحدث عن أنماط الزواج العربية.

    العلاقات المكية بين القبائل

    تفيد البيانات بأن قريشًا كانت تتمتع بنوعين من العلاقات بين-القبلية:
    نوعٍ كانت فيه مكافئة للطرف الآخر أو ربما أدنى منه،
    ونوعٍ آخر كانت فيه غالبًا هي الطرف الغالب، وإن ظل احتمال التكافؤ قائمًا.
    فالزيجات التي كانت فيها قريش مكافئة أو ربما تابعة هي تلك التي عُقدت مع ثقيف، لأن قريشًا كانت تعطي هذه القبيلة من نسائها كما كانت تأخذ منها. أما القبائل التي يبدو أن قريشًا كانت تغلبها على الأرجح فتشمل عامر بن صعصعة وكنانة، إذ كانت تقبل منهن النساء ونادرًا ما تعطيهن من نسائها. وفهم هذين النمطين من العلاقة هو لبّ ما سيأتي.

    ويبرز ثقيف بين القبائل المحلية لأنهم -مثل قريش- كانوا متمركزين إلى حد كبير في بلدة واحدة، هي الطائف. وكانت الطائف ومكة متشابهتين من حيث إن كلتيهما كانتا تعملان مركز جذب للقرى المحيطة والقبائل الرعوية المتنقلة، كما أن كلتا المدينتين ارتبطت بالتجارة، وكانت لكل واحدة منهما مراكز شعائرية ذات أهمية للقبائل المحيطة. كما أن آية من القرآن توحي بأن سكان هاتين المدينتين كانوا يرون أنفسهم أوفر حظًا في نظر الله من القبائل الأكثر تشتتًا جغرافيًا من حولهم؛ وذلك في قوله تعالى في 43:31 على لسان المنكرين:
    «لولا نُزِّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم»،
    وقد فسّر المفسرون القريتين هنا بأنهما مكة والطائف.

    لكن كان هناك فرق كبير واحد بين المدينتين. فقد كانت الطائف مستوطنة زراعية مسوَّرة، وهذا لم يكن يعني فقط أنها قادرة على إمداد القبائل المحيطة بمنتجاتها المحلية -وهي لا تزال إلى اليوم تمد مكة بالفاكهة- بل يعني أيضًا أنها كانت قادرة على تحمّل الحصار. أما مكة فلم يكن فيها زراعة ولا سور؛ ويظهر ضعف تحصينها في أنها استسلمت لمحمد بلا قتال، وأن القيادة المسلمة لم تبقَ فيها بعد النصر. أما الطائف فقد صمدت مدةً أمام الرجل نفسه والجيش نفسه، ثم استسلمت بشروط سخية. وينبغي أن نتذكر أيضًا أنه قبل الهجرة، كانت الطائف هي أول مكان قصدَه محمد للدعوة حين لم يعد البقاء في مكة ممكنًا. ولم يذهب إلى يثرب -وهي مستوطنة حجازية كبيرة أخرى، قابلة للدفاع، زراعية- إلا بعد فشله في هذه المدينة القريبة.

    ومن هنا يفهم المؤلف أن الطائف كانت تمثل بالنسبة إلى مكة مدينة منافسة وقريبة في الوقت نفسه؛ فهي تشبهها في كونها مركزًا حضريًا ذا ثقل ديني وتجاري، لكنها أقوى بنيويًا لأنها محمية ومنتجة للغذاء. وهذا يعني أن العلاقة بين قريش وثقيف لا يمكن فهمها على أنها علاقة سيدٍ بتابع على النحو الذي تريد بعض السرديات التقليدية أن تلمح إليه، بل هي أقرب إلى علاقة بين مركزين حضريين متقاربين في المكانة، مع احتمال أن تكون الطائف في بعض الوجوه أقوى من مكة.

    أما في المقابل، فإن علاقة قريش بقبائل مثل عامر بن صعصعة وكنانة تبدو مختلفة. فهذه القبائل كانت تقدم نساءً لقريش أكثر مما كانت قريش تقدم لها من نسائها. ومن ثم يرجح المؤلف أن قريش كانت تتمتع هنا بموضع غلبة نسبية، أو على الأقل بقدرة أكبر على فرض شروط العلاقة. لكن هذه الغلبة لا تعني سيادةً شاملة؛ إذ إن صورة قريش العامة قبل الإسلام -بحسب هذا التحليل كله- تبقى صورة جماعة محلية تعتمد على التوازنات الدقيقة أكثر مما هي صورة نخبةٍ إقليمية ساحقة.


    مكانة مكة في هذا التصور

    ثم ينتقل المؤلف إلى العنصر الثالث في حجته، وهو مكانة مكة نفسها. ويقول إن الدور الإقليمي المهيمن المفترض لهذه البلدة قد سبق لـ Crone أن رأت أنه غير منسجم مع كثير مما في المصادر؛ فهي لم تكن سوقًا كبرى مهمة، ولا موقعًا حجّيًا عظيمًا بالمعنى الذي تتخيله السرديات اللاحقة. لكن لا موجب -في رأيه- لأن نذهب إلى المدى الذي ذهبت إليه هي فـ نشكك في وجود مكة نفسه. فالنموذج الذي يسميه «قريش المحلية/الضيقة الأفق» يقول إن مكة كانت ذات أهمية إقليمية محدودة، وكانت تلبي بعض الحاجات الروحية لبعض القبائل المحلية. وأما كونها لم تكن ذات سوق عظيمة فليس بالأمر الحاسم، لأن في المنطقة أسواقًا أخرى كان أهل مكة يستطيعون الوصول إليها بسهولة، ولعلها هي نفسها المواسم التي تخبرنا الروايات أن محمدًا كان يدعو الناس فيها.

    ويضيف أن التباينات في المصادر التاريخية حول مكة تُفهم فهمًا أفضل إذا أدركنا التحولات التي مرت بها البلدة في العقود الأولى من الإسلام. فبعد أن أصبحت مكة مركز الدين الجديد وموضع الكعبة الإسلامية، صار من الطبيعي أن تُسقط عليها الروايات اللاحقة مجدًا أقدم وأوسع مما كان لها فعلًا قبل الإسلام. وهذا يفسر كيف بدت مكة في كثير من السرديات المتأخرة أكبر شأنًا وأوسع نفوذًا مما يرجحه التحليل البروسوبوغرافي.


    التجارة ضرورة لا علامة عظمة

    ويرى المؤلف أن التجارة بالنسبة إلى قريش لم تكن دليلًا على أنهم أصحاب إمبراطورية تجارية، بل كانت ضرورة معيشية. فمكة -بوصفها مركزًا شعائريًا قائمًا بذاته– لم يكن يمكنها أن تبقى مدة طويلة في العصر السابق للإسلام من غير دعم القبائل غير القرشية المحيطة بها. ومن هنا كانت التجارة لازمة لأن البلدة لا تنتج ما يكفي من الغذاء لحياتها المستقرة.

    وهذا التصور «المحلي/الضيق الأفق» لقريش يساعد كذلك -كما يقول المؤلف- في حل مشكلة من هو الجمهور المخاطَب في القرآن. فقد لفتت Crone في دراسة أخرى إلى كثرة المواضع التي يشير فيها القرآن إلى الزراعة والصيد، وهي إشارات تفوق عددًا الإشارات إلى التجارة. وهذا أمر يثير الاستغراب إذا كان الجمهور المقصود برسالة محمد هو قريش مكة وحدهم؛ فهؤلاء -في الصورة الشائعة- تجار لا مزارعون، ولا يعيشون أيضًا قرب البحر. لكن ربما لم تكن قريش وحدها هي الجمهور المقصود برسالة محمد. فلعل من المعقول بالقدر نفسه أن يكون محمد قد دعا أيضًا الشعوب التي كانت قريش تعتمد عليها: أي القرى المحيطة والصيادين الذين كانوا يمدّون بلدةً لا تستطيع إنتاج غذائها بنفسها.

    ومن هنا تصبح قصة قريش في أواخر العصور القديمة قصة جماعة صغيرة كانت تتنقل بحذر داخل شبكة معقدة من العلاقات بين المدن والقرى والبدو. فباعتبارهم سكان مدينة، يُفترض أن قريشًا لم يكونوا يرون القبائل التي تسكن الظهير الصحراوي على أنها مساوية لهم، لكنهم كانوا يدركون في الوقت نفسه أن بقاءهم في مكة معتمد على العلاقات الحسنة مع تلك القبائل. وكانت قريش تحافظ على تفوقها النسبي بين هذه القبائل عن طريق تقديم السلع والخدمات الروحية التي لا تستطيع تلك القبائل أن توفرها بنفسها. لكن هذا الاعتماد المتبادل كان يتعقد أكثر بسبب غياب الزراعة في مكة، مما جعل قُوّام البلدة يعتمدون على الدين والتجارة بدرجة أعلى بكثير مما كان عليه حال مستوطنات حجازية كبرى أخرى مثل الطائف ويثرب.


    إعادة صياغة سردية نشأة الإسلام

    وفي ضوء هذا كله، يقول المؤلف إنه ينبغي أن نفضّل سردية تُبرز هامشية وجود قريش على سردية تؤكد تفوقها الجزيري. وصوغ مثل هذه السردية على نحو كامل متأخر جدًّا في البحث، لكن إنجازها باستخدام حتى طائفة صغيرة من المصادر يتجاوز حدود هذه الأطروحة. ولذلك سيكتفي بما يسميه رسمًا أوليًا لصعود الإسلام، يجمع بين بيانات الزواج وبين عناصر من القرآن ومن الأجزاء الأقل خلافًا من التراث التاريخي، أي العناصر التي تؤكد محلية حياة محمد وضيق أفقها الجغرافي. وهو لا يدّعي هنا أنه يفسر كل سورة قرآنية أو كل مفارقة تاريخية، بل إن غرضه أن يبيّن كيف يمكن لبيانات الزواج والسردية المحلية أن تسهما في أبحاث لاحقة.

    وعند المركز الجغرافي لعالم قريش كانت الكعبة. وكانت الكعبة -في معظم حياة محمد، إن لم يكن كلها- مزارًا غير لافت من الناحية المادية؛ إذ يصفها كل من الأزرقي وابن إسحاق بأنها كانت حظيرة/بناء من حجارة غير مشذبة أو غير مُملاطة بلا سقف. وهذا الوصف ينسجم مع الرؤية العامة التي يعرضها المؤلف: فالكعبة كانت مهمة روحيًا في محيطها، لكنها لم تكن بالضرورة مركزًا حضاريًا ضخمًا كما تصوّرتها الروايات المتأخرة حين أُسقطت مركزية الإسلام اللاحقة إلى الوراء على مرحلة ما قبل الإسلام.

    وفي المقابل، فإن القبائل المحيطة كانت تستطيع أن تسدَّ حاجاتها المادية والدينية عبر بدائل غير مكية.

    وكانت الآلية الرسمية التي تُدار بها هذه العلاقة هي المؤسسة السياسية-الدينية للحمس. فقبائل الحمس كانت تُظهر ولاءها لقريش من خلال:

    • أداء الحج إلى مزار الكعبة،
    • واتباع محظوراتهم وطقوسهم الخاصة.

    لكن لم يكن هناك طرف ثالث بشري يمنع هذه القبائل المحيطة من أن تنقل ولاءها إلى مزارات أخرى ووسطاء آخرين، وبذلك تُعيد قريشًا إلى الحياة الدنيا المتفرقة التي كانت عليها قبل قصي. وهذا -بحسب الرواية- هو ما وقع لـ بغيض من غطفان حين حاولوا إنشاء حرمٍ خاص بهم من غير ما يلزم من دعم القبائل المحيطة.


    إعادة صياغة سردية نشأة الإسلام

    يقول المؤلف إن رسالة محمد في بدايتها كانت مدفوعة بخوفٍ من أن قومه سيفقدون قريبًا العناية الإلهية التي كان يعتقد أنها هي التي تستند إليها نجاة قريش في مكة. فـ شرك قبيلته كان -في تصوره- يُغضب إلهًا غيورًا صار أتباعه، خلال القرون السابقة، أغلبية في:

    • الشام
    • مصر
    • الحبشة
    • واليمن بدرجة أقل

    وهذه أربعة من المراكز السكانية الخمسة الكبرى التي كانت تحيط بالحجاز.

    وكان هذا الإله يبدو أيضًا في صعود سياسي. فقد تزامنت ولادة محمد مع خروج جيش من الأحباش الموحّدين في حملة عسكرية إلى الحجاز ردًا على وقاحة الوثنيين، كما تزامنت أولى وحي محمد مع وقعة ذي قار، حيث تمكنت قبيلة بكر بن وائل المسيحية -وهي قبيلة كان أسقف نجران نفسه يُعَدّ منسوبًا إليها- من تحقيق نصر على الفرس أو على حلفائهم، في ذاكرة العرب. والفكرة العامة هنا أن المشهد الإقليمي كان يوحي بأن التوحيد، لا الوثنية المحلية، هو القوة الصاعدة.

    وفي ضوء هذا، يمكن أن تُفهم دعوة محمد في بدايتها على أنها محاولة لإنقاذ قريش لا لتحطيمها. فهو لم يبدأ بوصفه قائدًا يريد إسقاط النظام المكي من أساسه، بل بوصفه شخصًا يخشى أن تخسر قريش المكانة التي حفظت بقاءها في ذلك الموضع. ومن ثم فإن التوحيد -في هذه القراءة- لم يكن في أول أمره ثورةً ضد الوجود القرشي في مكة، بل كان محاولة لحمايته من غضب الله ومن التحولات الكبرى في العالم المحيط.

    لكن ما جعل الأمور تنقلب هو أن قريشًا نفسها لم تستجب لهذه الدعوة، بل رأت فيها خطرًا على التوازن الديني والسياسي الذي يقوم عليه وجودها. فازداد الشرخ بين محمد وجماعته من جهة، وبين النخبة المكية من جهة أخرى. ومع اشتداد هذا التوتر، أصبح مشروع النجاة نفسه سببًا في تعجيل الانفجار.


    مكة والمدينة والقطيعة مع الأصل

    ويقول المؤلف إن من غير الواضح هل كان محمد قد خرج من مكة وهو ينوي منذ اللحظة الأولى العودة إليها والسيطرة عليها أم لا. وتلاحظ شَبّي أن الاهتمام بمكة «يبدو أنه قد خفَّ خلال الجزء الأول من منفى محمد إلى المدينة». وأما تحويل القبلة لتتجه إلى مكة، فعلى الرغم من الجدل في بعض تفاصيل القصة، فإن أكثر الباحثين متفقون على أن ذلك وقع بعد الهجرة بمدة. وهذا بدوره يشير إلى أن مكة لم تكن الهم الأول للمهاجرين في الأيام الأولى من إقامتهم في المدينة.

    لكن سواء خرجوا بقصد استعادة مكة أم لا، فلا بد أن المهاجرين كانوا يدركون قيمة القوافل المكية وهشاشتها. وقد صار الهجوم عليها أمرًا محتومًا:

    • إذ لم يبق لهم ولاء لقبيلتهم القديمة،
    • وكانت عندهم جماعة فتية مقتلعة حديثًا من موطنها يجب أن يُعاش منها.

    وبعد سبع محاولات وخلال ثمانية عشر شهرًا نجحوا في الاستيلاء على قافلة في نخلة، وهو ما أدى إلى تصعيد المواجهة بين المكيين والمسلمين.

    وكان عنصرٌ مهم في هذا الصراع هو سلسلة المحاولات المتبادلة من الطرفين الرامية إلى تقويض قاعدة الدعم عند الخصم. فالمكيون -بحسب الرواية- حاولوا أن يعقدوا صفقات سرية مع قبائل يثرب لكي يخلّوا بتوازن القوى الذي نظّمته صحيفة المدينة. وخصوصًا سعوا إلى استمالة اليهود، الذين كانوا -لأسبابٍ دينية جزئيًا- يزدادون ابتعادًا عن المشروع الإسلامي في السنوات التي تلت وصول محمد. وفي المقابل، رد محمد بإخراج قبائل المدينة التي لم يعد يطمئن إليها، وفي الوقت نفسه أخذ يعمل على إفساد توازن القوى على الساحل/الطريق المكي من خلال استراتيجية خنق التجارة.


    لماذا انتصر محمد؟

    ويقول المؤلف إن محمدًا انتصر لأنه كان أقدر من خصومه على إدارة لعبة فرّق تسد. وكان ذلك راجعًا جزئيًا إلى عوامل يصعب قياسها، مثل:

    • تماسك رسالته الدينية
    • ومهاراته الشخصية بوصفه استراتيجيًا سياسيًا

    لكن هذا لم يكن كل شيء. فقد كان انتصاره أيضًا ثمرة هشاشة الوجود المكي بالمقارنة مع البلدات المجاورة. إذ حين لم يعد باستطاعة قريش أن تضمن سلامة البضائع التي يُعهد بها إليها لتبيعها في الأسواق الخارجية، وجدت نفسها فجأة وقد فقدت الدعامتين معًا اللتين كان يقوم عليهما وجودها في واديها القاسي:

    • فلم تعد القبائل مستعدة لأن تتاجر مع وسطاء غير موثوقين
    • ولا لأن توقر مزارًا ظهر أن قوّامه لا يتمتعون إلا بقليل من الحظوة الإلهية

    لكن قريشًا، بخلاف محمد في المدينة أو ثقيف في الطائف، لم يكن في وسعها أن تعيش وهي ترتد إلى الزراعة ريثما تمر العاصفة. ولهذا، فبعد الهزيمة في معركة الخندق سنة 627م، سرعان ما جاعت قريش مكة ثم استسلمت. ومن هذا النصر انتقل الزخم إلى بقية الحجاز، ثم -بعد وفاة محمد- إلى بقية الجزيرة وما وراءها.


    الخاتمة

    إن بيانات الزواج التي نملكها عن قريش قبل الإسلام قد أعطتنا نقطة انطلاق لإعادة صياغةٍ طال انتظارها لعالم محمد. فهي لا تجبرنا على قبول كل طروحات المراجعين كما هي، لكنها تجعل من العسير جدًا أن نستمر في ترديد الصورة التي تجعل قريش الجاهلية:

    • قبيلةً ذات هيمنة جزيرية عامة
    • أو قائدة إمبراطورية تجارية عابرة للأقاليم
    • أو نخبةً عربية معترفًا بتفوقها من الجميع قبل الإسلام

    بل إن الأرجح -في ضوء هذه البيانات- أن قريشًا كانت جماعة محلية محدودة الأفق، تعيش في وضع هش، وتحافظ على وجودها عبر توازن معقد بين:

    • الدين
    • والتجارة
    • والعلاقات مع القبائل المحيطة
    • والمنافسة مع البلدات المجاورة

    وفي هذا الإطار، يظهر الإسلام لا بوصفه انفجارًا خرج من مركزٍ عربيٍّ طاغٍ أصلًا، بل بوصفه مشروعًا انبثق من جماعة صغيرة نجحت -بفعل الدين والسياسة والظرف التاريخي- في أن تقلب هشاشتها نفسها إلى قوة توسعية كبرى.

    الفصل الثامن: زواج الخلفاء الأمويين

    المقدمة

    لقد غيَّر ظهور الإسلام طبيعة الزواج القرشي تغييرًا دائمًا. ولم يكن ذلك نتيجةً لأحكام دينية مخصوصة -باستثناء تعدد الزوجات ربما-، بل كان أولًا نتيجة إقصاء المسلمين الأوائل من قريش، ثم نتيجة الفتوح أيضًا.

    وفي هذا الفصل سنرى كيف تغيّر سلوك الزواج القرشي مرةً أخرى، لكن هذه المرة بسبب آثار القوة الإمبراطورية في الخلفاء الأمويين وأبنائهم (المجموعة الثالثة). وكما في المجموعتين السابقتين، فإن التغيرات هنا ترجع أيضًا إلى العاملين التوأمين:

    • الضغط الاجتماعي
    • والفرصة البنيوية

    أما من جهة الضغط الاجتماعي، فقد وجد الخلفاء الأمويون أنفسهم معزولين على نحو متزايد عن بقية قريش، بسبب ما لا مفر منه من اغتراب السلالات الرفيعة التي كانت تنازعهم سلطتهم، وبخاصة:

    • الزبيريون
    • والعلويون

    كما أنهم ربما كانوا مترددين في المصاهرة مع جماعات نبيلة أقل عدوانية، خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى تعزيز القوة السياسية لتلك الجماعات على حسابهم، فضلًا عن المخاوف المتعلقة بانقسام ولاءات الزوجات. وأما من جهة التغير البنيوي، فإن ازدياد عدد الأطفال المولودين من السراري كان نتيجة الفتوح في تلك الفترة، التي جلبت النساء الرقيق غير العربيات إلى قلب الأسرة القرشية نفسها.

    وسيبدأ هذا الفصل بإحصاء أطفال هذه المجموعة الذين وُلدوا من السراري. وسيُبيَّن أن الاتجاه القرشي العام نحو ازدياد عدد الهجناء/أبناء السراري ينعكس أيضًا عند الأمويين الخلفاء، لكن بصورة أشد مبالغة:

    • فـ الجيل الأول كان أقل من المتوسط في إنجاب أبناء السراري،
    • بينما كانت الأجيال اللاحقة أكثر من المتوسط.

    وبعد أن تُضبط هذه الاتحادات الخارجية، سينتقل المؤلف إلى الاتحادات بين هذه المجموعة والنساء العربيات.


    الوضع الأمومي لأبناء الخلفاء الأمويين وأبنائهم

    الجدول 8.1: التغيّر في الأوضاع الأمومية لأبناء الخلفاء الأمويين وأبنائهم مقارنة بالمتوسط الجيلي القرشي

    هذا الجدول يضع الأعداد المتوقعة على أساس المتوسط القرشي لكل جيل في مقابل الأعداد الفعلية كما سُجلت في نسب قريش. والنص المستخرج المتاح يُظهر الصفوف النهائية من الجدول على النحو الآتي:

    جيل الأبالعدد المتوقع لأبناء السراري بحسب المتوسط القرشيالنسبة القرشية لأبناء السراريالعدد الفعلي لأبناء السراري عند الأمويينالفارق
    75435.56%19.20
    87942.12%33.27
    92738.12%10.29
    المجموع18168.41

    وهنا يجب أن أكون دقيقًا: الصفوف الأولى من الجدول 8.1 غير ظاهرة بالكامل في النص المستخرج الذي وصلني، لذلك لا أستطيع إكمال كل أعمدته سطرًا سطرًا بأمانة مطلقة من غير تخمين. لكن الرقم الختامي الذي يُستفاد منه في الجدول هو أن المتوقع على أساس المتوسطات القرشية كان 68.41 ابنًا من أبناء السراري ضمن هذه المجموعة.


    الجدول 8.2: مقارنة الأوضاع الأمومية لأبناء الخلفاء الأمويين وأبنائهم مقارنة بالمتوسط القرشي المرجَّح جيليًا

    الأرقام المتوقعة على أساس المتوسط القرشيالأرقام الفعلية كما سُجلت في نسب قريش
    مجموع أبناء السراري68.4176
    نسبة أبناء السراري37.80%41.99%

    ويعلّق المؤلف مباشرة بعد الجدول:

    وعليه، فإن الخلفاء الأمويين وأبناءهم أنجبوا عددًا أعلى من المتوسط من الأطفال عن طريق السراري، ولكن ليس بدرجة درامية جدًا.


    ثم يقول المؤلف إننا نستطيع الحفر أعمق في هذه البيانات بالنظر إليها جيليًا، كما في الجدول التالي. ولأجل التذكير:

    • معاوية ومروان الأول من الجيل السادس
    • عبد الملك من الجيل السابع
    • وتنتهي السلالة بـ مروان الثاني من الجيل الثامن.

    الجدول 8.3: الوضع الأمومي لأبناء الخلفاء الأمويين وأبنائهم بحسب الجيل

    جيل الأبمجموع الأطفالمجموع أبناء السرارينسبة أبناء السراريالمتوسط القرشي
    62129.52%29.46%
    7542240.74%34.70%
    8793645.57%37.50%
    9271659.26%36.70%

    ويقول المؤلف إن هذا يكشف أن أعداد الأمويين المولودين من السراري قد انخفضت ظاهريًا بسبب سجلات الجيل السادس؛ فلو لم يُدرج هذان الرجلان، لكان 46.25% من أطفال هذه المجموعة قد وُلدوا من سراري، في مقابل متوسط قرشي مرجَّح قدره 39.23%. ويضيف أن هذا الجيل غريب أيضًا لأنه يتكون من أبَوَين فقط:

    • معاوية
    • ومروان الأول

    ولذلك قد يكون صِغَر حجم العينة مؤثرًا في النتائج. ومع هذا التحفظ، فإن الاتجاه العام للبيانات ينسجم مع القيم التي ظهرت في الفصول السابقة عن التسرّي:

    • تبدأ أعداد الأطفال المولودين من السراري منخفضة
    • ثم ترتفع خلال القرن الإسلامي الأول.

    الزواج الخارجي والزواج الداخلي عند الأمويين الخلفاء

    وبعد ضبط مسألة التسرّي، ينتقل المؤلف الآن إلى الزيجات التي عقدها الخلفاء مع النساء العربيات. وبخلاف المجموعتين السابقتين، فإن المجموعة الأموية الخليفية تصلح جيدًا للدراسة التعاقبية عبر الزمن لأنها تمتد على قرن كامل. والجدول الآتي يفكك البيانات عبر الأجيال الأربعة التي تتكون منها هذه المجموعة.

    الجدول 8.4: أصول الزوجات العربيات المنجبات للخلفاء الأمويين وأبنائهم

    الجيلزوجات غير قرشياتزوجات قرشيات غير أُموياتزوجات أُموياتالمجموع
    63328
    7312419
    8212023
    90156

    ويقول المؤلف إن قاعدة بيانات الزيجات الـ 56 تدل على وجود تحول مهم نحو الاتحادات الداخلية على امتداد القرن الإسلامي الأول. فالجيل السادس -الذي يضم زيجات الخليفتين:

    • معاوية (حكم 661–680)
    • ومروان الأول (حكم 684–685)
    • يتميز بأوسع انتشار للزيجات. فزيجاتهما الثماني موزعة بين ثلاث مجموعات مختلفة بنسب متقاربة تقريبًا. غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن اثنتين من زيجات القرشيات غير الأُمويات كانتا في الحقيقة مع نساء منحدرات من عبد شمس، أي أبي أمية. وكما رأينا، فإن هذين الخليفتين لم يكونا مولعين بالسراري أيضًا؛ إذ إن الأطفال المولودين لهما من السراري لم يبلغوا إلا اثنين من أصل 21 من ذريتهما.

    أما في الجيل السابع -وهو جيل:

    • يزيد الأول (حكم 680–683)
    • وعبد الملك (حكم 685–705)
    • فإننا نرى تحولًا في السلوك. فعلى الرغم من أن عدد الزيجات في هذا الجيل أكبر بكثير، فإنه لا توجد زيادة إطلاقًا في عدد الزيجات المعقودة مع نساء من خارج قريش.

    وفي الجيل السابع -وهو جيل:

    • يزيد الأول (حكم 680–683)
    • وعبد الملك (حكم 685–705)
    • نرى تحولًا في السلوك. فعلى الرغم من أن عدد الزيجات في هذا الجيل أكبر بكثير، فإنه لا توجد زيادة إطلاقًا في عدد الزيجات المعقودة مع نساء من خارج قريش. وبدلًا من ذلك، أخذ رجال هذا الجيل يتجهون إلى النساء من داخل قريش، وبخاصة من البطون غير الأموية. ومرة أخرى، فإن كثيرًا من هذه الزيجات مع قرشيات غير أمويات كانت مع نساء منحدرات من عبد شمس، لكننا نرى أيضًا عددًا من الزيجات المعقودة مع أسر مرتبطة بخلفاء سابقين مثل:
    • عدي بن كعب (أي بيت عمر)
    • وتيم بن مرة (أي بيت أبي بكر)

    ومن غير المستغرب بعض الشيء أنه لا توجد أي زيجات منجبة للأطفال بين رجال هذا الجيل وبين ذرية علي بن أبي طالب، مع أن نسب قريش يسجل عددًا من الزيجات الأموية مع هذه الأسرة لم تُنتج أطفالًا.

    الحاشية 384

    يعترف المؤلف هنا بأن حجم العينة صغير، لكنه يضيف أنه إذا أدخلنا أيضًا الزيجات الإحدى عشرة التي عقدها إخوة هذين الرجلين، فإننا نصل إلى النتيجة نفسها. ويشير إلى أن بيانات ذلك موجودة في الملحق الثاني.

    الحاشية 385

    يقول المؤلف:
    لقد وجدتُ ثلاث زيجات من هذا النوع (رجل أموي + امرأة علوية) في كتاب نسب قريش.


    أما الجيلان الثامن والتاسع -وهما اللذان يضمان الخلفاء الذين حكموا بين 705 و750م– فيشهدان أشد تغير في سلوك الزواج. فمن بين 29 زواجًا في هذه الفترة، لم يكن هناك سوى زواجين فقط مع نساء من خارج قريش، وإضافة إلى ذلك زواجان فقط مع قرشيات غير أمويات. أما الصيغة الغالبة للزواج الأموي في هذه المرحلة، فكانت الزواج من ذرية أخرى لأمية. وإذا استحضرنا ما انتهينا إليه سابقًا في هذا الفصل، لاحظنا أن هذين الجيلين يتميزان أيضًا من جهة الأعداد الكبيرة من الأطفال الذين أُنتجوا من السراري، حتى انتهى الأمر إلى أن ما يقارب 60% من أطفال الجيل التاسع قد وُلدوا من سراري.

    التحليل

    تكشف البيانات عن اتجاهين:

    1. ازدياد التسرّي على حساب الزواج
    2. وازدياد الزواج الداخلي

    أما الاتجاه الأول، فإن التسرّي كان هامشيًا لكنه موجود في جيل معاوية ومروان الأول؛ إذ لم يُنتج هذان إلا طفلين فقط من أصل 20 عن طريق السراري. ثم انفجر هذا النمط في الشعبية في الجيل التالي، بحيث صار أكثر من 40% من الأطفال يولدون من نساء رقيق (بحسب أرقام الجدول 8.3 أعلاه). وهذا هو جيل عبد الملك ويزيد الأول اللذين بدأت خلافتهما في ثمانينيات القرن السابع. وهذا يؤكد النتائج التي توصّل إليها الفصلان الرابع والخامس، اللذان ذهبا إلى أن الأدلة على شعبية السراري بوصفهن شريكات -وربما أيضًا على قبول أولادهن أعضاء كاملين في قريش– ليست ممارسة متأخرة ظهرت في أواخر العصر الأموي، بل ممارسة ترسخت في وقت مبكر.

    أما الاتجاه الثاني -أي ازدياد الزواج الداخلي– فهو أوضح ما يكون عند النظر إلى النساء العربيات. فالتحول من الانفتاح النسبي في الجيل السادس إلى الانغلاق الزواجي في الجيلين الثامن والتاسع لا يمكن أن يكون عرضيًا. إننا نرى هنا أن أبناء السلطة الإمبراطورية أخذوا يتخلون تدريجيًا عن الزواج من:

    • نساء خارج قريش
    • ثم من قرشيات غير أمويات
    • إلى أن صار النمط الغالب هو الزواج من أمويات أخريات، مع تعويض النقص في الاتحادات الخارجية عبر السراري.

    ويرى المؤلف أن أحد التفسيرات المحتملة لهذا التحول هو أن الأمويين، كلما ازدادوا سلطانًا، ازدادوا حذرًا سياسيًا في الزواج. فالمصاهرة مع البيوت القرشية الرفيعة الأخرى كانت قد تحمل معها:

    • تعزيزًا لمكانة خصوم محتملين
    • أو تعقيدًا في الولاءات
    • أو فتحًا لباب المطالبات السياسية المنافسة

    وكان هذا ينطبق بوجه خاص على:

    • الزبيريين
    • والعلويين

    وهما البيتان اللذان مثّلا، في مراحل مختلفة، أخطر منافسي الشرعية الأموية. ومن هنا يمكن فهم غياب الزيجات المنجبة بين رجال الجيل السابع من الأمويين وبين ذرية علي بن أبي طالب، رغم وجود بعض الزيجات غير المنجبة من هذا النوع في نسب قريش. فالمسألة لم تكن مجرد نفور اجتماعي، بل تتصل أيضًا بـ حسابات السلطة.

    ويضيف المؤلف أن السرية كانت تقدم حلًا ممتازًا لهذه المشكلة. فهي:

    • تمنح الرجل أبناء،
    • من غير أن تضيف بيتًا عربيًا منافسًا
    • أو تحالفًا سياسيًا يجب أخذه في الحسبان،
    • أو زوجةً قد يكون ولاؤها منقسمًا بين بيتها الأصلي وبين البيت الحاكم.

    ومن هذه الجهة، فإن التسرّي والزواج من بنات العم الأُمويات ليسا اتجاهين منفصلين، بل آليتان متكاملتان لإدارة مشكلات السلطة داخل أسرة حاكمة.

    ثم يلفت المؤلف النظر إلى أن هذا التحول لا ينبغي أن يُفهم على أنه مجرد عودة إلى العصبية القبلية القديمة. فالأمويون لم يتركوا الزواج الخارجي لأنهم صاروا “أكثر قبلية” فحسب، بل لأنهم كانوا يتصرفون بوصفهم أسرة حاكمة إمبراطورية. أي إن ما يبدو في ظاهره زواجًا داخليًا قبليًا هو في الحقيقة أيضًا استراتيجية دولة. فالرجل الأموي في هذه الفترة كان نظريًا قادرًا على الوصول إلى نساء من أنحاء العالم الإسلامي، لكنه كان في الممارسة أشد تقيدًا في اختياراته الرسمية من كثير من أسلافه، لأنه صار مضطرًا إلى أن يوازن بين:

    • الشرعية
    • والسلطة
    • والتحالفات
    • وإنتاج الورثة
    • وتجنب تضخيم بيوت منافسة

    ومن هنا فإن محدودية اختياراتهم لا تدل على ضعف القدرة، بل على شدة الحساسية السياسية التي فرضتها الإمبراطورية

    ومن الأصعب قليلًا أن نحكم هل كان الخلفاء يتزوجون عددًا أقل من النساء الحرائر مع مرور العصر الأموي أم لا. فالبيانات تبدو -في ظاهرها- مشيرة إلى ذلك:

    • فخلفاء الجيلين السادس والسابع كان لكل واحد منهم متوسط أربع زوجات،
    • ثم ينخفض العدد في الجيل التالي إلى أقل قليلًا من ثلاث زوجات لكل واحد،
    • أما الجيل التاسع فلم يُنتج إلا خليفةً واحدًا كان له أكثر من زوجة واحدة.

    وعند استخدام المجموعة كلها نجد أن نسبة الزوجات إلى الأزواج تهبط من:

    • 4.00
    • إلى 2.71
    • ثم إلى 2.3
    • ثم إلى 1.2

    كما يمكن أن نلاحظ أيضًا أنه بعد وقت غير طويل من استيلاء العباسيين على الخلافة، صارت الزيجات من النساء الحرائر نادرة. لكن صِغَر حجم العينات مع التحفظات التأريخية/المصدرية يعني أننا لا نستطيع أن نكون على الدرجة نفسها من اليقين هنا كما في بعض نتائجنا الأخرى.

    ومع ذلك، فإن نقطتنا الأساسية تبقى قائمة؛ فـ الأمويون المتأخرون كانوا أقل ميلًا إلى عقد زيجات سلالية/دينستية من الأمويين المؤسسين. فبدلًا من الزواج من:

    • أميرات قبليات
    • أو نساء من البيوت القرشية غير الأموية

    اتجه كبار الأمويين إلى بنات عمومتهم وإلى السراري. ومن الواضح أن شيئًا أساسيًا كان يحدث في المجتمع الإسلامي، أتاح لأسرة النخبة الحاكمة أن تنغلق على نفسها بهذه الصورة.


    من القبائل إلى الإمبراطورية

    كان الأمويون الأوائل يتزوجون على نحو يشبه قريش ما قبل الإسلام في المجموعة الأولى أكثر مما يشبه المسلمين الأوائل في المجموعة الثانية؛ إذ كانوا يوزعون عدد زوجاتهم تقريبًا بالتساوي بين:

    • غير القرشيات
    • والقرشيات غير الخطيات
    • والقرشيات الخطيات

    كما أنهم لم يكونوا مولعين بالسراري على نحو خاص. ويقترح المؤلف أن هذا يعكس نظامًا سياسيًا نسبيًا أقرب إلى المساواة، كان سيبدو مألوفًا لأسلافهم الحجازيين في ما قبل الإسلام.

    ويضرب مثالًا بـ معاوية، فيقول إنه لم يكن يملك جيشًا يدين له بولاء أولي مباشر، ولذلك يجادل Humphreys بأنه اضطر إلى تطوير روابط شخصية مع قبائل الشام. ولم يكن هذا وضعًا مثاليًا، لأن رجال تلك القبائل ظلوا محتفظين بولاءاتهم الأصلية لعشائرهم، وهي ولاءات كانت تتصادم مع ولائهم للخليفة. وكما تلخص Landau-Tasseron ذلك بعبارة موجزة، فإن هذا تركهم مع «اعتبارات غير أداء وظائفهم على الوجه الصحيح».

    أما الجيل التالي من الخلفاء وعمّالهم/قادتهم فكان أقل تسامحًا مع هذا الوضع. وكما ذهب ‘Athamina، فإن قادة عبد الملك عمدوا إلى تجنيد ميليشيات غير عربية، وبرروا هذه السياسة صراحة بأنها موازِن في وجه الجيوش القبلية التي كانت الدولة تعتمد عليها في السابق. وهذه العلاقة الجديدة متميزة بوضوح عن النمط القبلي؛ إذ إن هذه الميليشيات لم تكن تفهم روابطها ببعضها ولا برواتبها/رعاتها في ضوء البيولوجيا والنسب، بل في ضوء ولاءات شخصية تقوم على:

    • القيادة الفعالة
    • والرواتب المنتظمة.

    وقد تجسد هذا الانتقال من التنظيم القبلي إلى التنظيم الإمبراطوري أوضح ما يكون في مروان الثاني، آخر الخلفاء الأمويين. فمروان الثاني كان هو نفسه ابن أَمَة/سرية، وقد تعلم مهاراته في الإدارة والحكم على جبهة القوقاز. وبدلًا من أن يعتمد على:

    • الجيوش القبلية
    • وشبكة ممتدة من الصلات العائلية

    قام بتجنيد قوات غير قبلية من أطراف العالم الإسلامي، ومن هؤلاء:

    • الصقالبة (أي العبيد السلافيون المعتَقون)
    • والقيقانية (القادمين من السند)

    وطالما كان قادرًا على دفع أرزاقهم وإدارتهم في ميدان القتال، أمكنه أن يضمن ولاءهم؛ فلم يكن مضطرًا إلى مصاهرتهم لكي يمنعهم من الثورة عليه. وفي خلفيته، وفي جيشه، بل وحتى في محاولته نقل العاصمة شرقًا، نرى كثيرًا من المقدمات التي ستظهر لاحقًا في البلاط العباسي. ولو لم تكن الثورة تتخمر في إيران، لربما استطاع أن يرسخ الدولة الأموية على أساس أكثر صلابة بكثير.


    الخاتمة

    إن نتائج هذا الفصل تجمع خيوط الأطروحة كلها. فكون الاتجاهات في البيانات ترتبط من جديد بالأحداث التاريخية كما تسجلها الرواية التقليدية، يعضد الدعوى القائلة إن بيانات الزواج المحفوظة في نسب قريش تمثل انعكاسًا دقيقًا للعلاقات في أواخر العصور القديمة. كما يبين أيضًا أن هذه البيانات يمكن تنظيمها جيليًا على نحو صالح للتحليل. وكذلك، فإن الصلة بين السلوك الزواجي والتغير الاجتماعي، التي اقترحناها في القسم الثاني من هذه الأطروحة، قد ثبتت مرة أخرى؛ فسواء من خلال الوضع الاجتماعي للأمهات أو انتمائهن القبلي، فإن أمهات قريش يقدمن باستمرار مؤشرات قوية على تحولات بنائية وأيديولوجية أوسع.

    وعند النظر عن قرب في زيجات الأمويين، تبين لنا أن:

    • ارتفاع أعداد أبناء السراري
    • مع ازدياد زواج أبناء العمومة
    • وظهور الخليفة الهجين/ابن السرية (hajīn)

    كلها أعراض مترابطة لسبب واحد، هو الانتقال الذي كانت تمر به السلطة الإسلامية في هذه الفترة. فالفاتحون المسلمون الأوائل جاؤوا معهم بنظام تنظيمي كان في الحقيقة توسعةً لممارستهم القبلية القائمة؛ إذ كان في الجملة:

    • أقرب إلى المساواة
    • قائمًا على التوزيع العادل نسبيًا للدخل
    • ومتماسكًا عبر شبكة معقدة من الروابط الشخصية كان الزواج واحدًا منها

    وفي مثل هذا المحيط، كان الأكثر اتصالًا بالناس والأوسع شبكةً هو الأوفر حظًا في النجاح.

    وخلافًا لما ذهب إليه Goldziher ومن تبعه، فهذا هو الذي أخّر صعود الـ hajīn طوال جزء كبير من العصر الأموي، لا التمييز/الاحتقار الاجتماعي في ذاته. فافتقار هذا الشخص إلى أقرباء من جهة الأم كان يضعف فرصه في محيط كانت فيه الصلات العائلية هي عملة النجاح السياسي. لكن لحسن حظه، ومع تغير الروابط بين الخلفاء وبين أدواتهم القسرية من روابط قائمة على التضامن العائلي إلى روابط قائمة على:

    • الإقطاعات/المناصب المدرة
    • والثروة

    أصبح الـ hajīn الذكي الطامح إلى الخلافة أحسن موقعًا شيئًا فشيئًا لمنازعة خصم حسن الاتصال لكنه عديم الكفاءة. فلم يظهر مروان الثاني بوصفه أول حاجين فعّال في منصب الخلافة بفضل جهود أولئك الذين كانوا يعيدون «الإسلام الحق» -كما زعم Goldziher-، بل لأن البيئة السياسية الجديدة غير القبلية صارت تعطي الحذق التنظيمي وزنًا أكبر من الروابط العائلية.

    ويقول المؤلف إن هذه النظرية مغرية لأنها تجمع خيوطًا أدلّة أكثر بكثير من التفسيرات السابقة. فلا حاجة هنا إلى:

    • استدلال دائري
    • لتبرير استخدام التقاليد الخبرية/القصصية المشكوك فيها جدًا
    • ولا إلى افتراض أن الـ hajīn يشبه الموالي على وجه العموم

    بل نعتمد بدلًا من ذلك على أدلة أوضح بكثير، هي:

    • تغير طبيعة الجيوش العربية
    • وازدياد شعبية التسرّي
    • وازدياد عدد زيجات أبناء العمومة

    الخاتمة

    لقد طوّرت هذه الأطروحة طائفة من الأدوات البروسوبوغرافية التي وسّعت معرفتنا التأريخية والتاريخية بالإسلام المبكر. فمن جهة تأريخ الكتابة/الهيستوغرافيا، أخبرنا جمع كميات كبيرة من البيانات وتحليلها أن كتاب نسب قريش هو عمل متميّز في الذاكرة النسبية، وأنه جزء من تقليد أدبي فريد عند العرب. كما أن المقاربة الإحصائية استطاعت أن تقترح سبلًا لفهم كيفية انتقال عمل الزبيري، ومدى ما كان مؤلفه المنسوب مسؤولًا فعلًا عن محتواه.

    أما من جهة الدراسة التاريخية، فقد قدّمت المقاربات الكمية نتائج لا تقل جوهرية. فكثيرًا ما يُعدّ تاريخ الحجاز قبل الإسلام خارج نطاق البحث التاريخي الموثوق بسبب الغياب التام للمصادر الأولية. لكن التحليل السابق أظهر أن هذا غير صحيح؛ فمع أن العلاقات التي نصفها لم تُدوَّن إلا بعد قرون من وقوعها، فإن بيانات الزواج المحفوظة في الأدب النسبي دقيقة بما يكفي لأن تُمكّننا من اقتراح سردية تاريخية لهذه الفترة ذاتها. وكانت نتيجة ذلك أن قريشًا ظهرت لنا قبيلة أصغر شأنًا بكثير مما يُقترح عادة، وأشد انشغالًا بسياسات الحجاز الأوسط من انشغالها بـ الشرق الأدنى الأوسع.

    وقد أثبتت البروسوبوغرافيا فائدتها أيضًا عند تطبيقها على العصر الأموي. وهنا أيضًا لم نكن نتوقع أن نستطيع استعادة تاريخ اجتماعي للمسلمين وهم يتكيفون مع مطالب الحكم الإمبراطوري ومع نشوء ما سيصبح لاحقًا العناصر المعيارية في دينهم. لكننا رأينا في الرسوم البيانية والجداول السابقة -ولأول مرة- الوتيرة التي اعتُمد بها التسرّي، كما استطعنا أن نقترح كيف كانت مواقف قريش من أبناء هذه الاتحادات. وقد جادل البحث بأن ظهور التسرّي بوصفه شكلًا من أشكال الزواج كان دليلًا على:

    • براعة الفاتحين العرب في صياغة الإسلام المعياري
    • كما كان دليلًا على التآكل التدريجي للروابط الاجتماعية التي كانت قائمة بين قبائل ما قبل الفتح.

    غير أن بساطة هذا الملخص تخفي وراءها تعقيدًا منهجيًا متشابكًا جرى تفصيله فيما سبق. ولهذا السبب، وقبل أن نصل إلى ملاحظاتنا الختامية حول التحديات التي تطرحها المقاربات البروسوبوغرافية، سنستعرض بمزيد من التفصيل أهم خمسة اكتشافات في هذه الأطروحة.


    1. التقليد النسبي يحتوي معلومات أولية قابلة للاستخراج

    إن تقليد النسب ليس كالمصادر السردية التقليدية في التأريخ الإسلامي. ففي تلك المصادر السردية، مع أن أكثر الباحثين يوافقون على أن فيها بعض المعلومات القابلة للاستخدام، فإنه لا توجد وسيلة مباشرة لاستخراجها. بل يجب أن يُناقش صدق كل خبر (khabar) على حدة مناقشةً شاملة، وحتى عندئذٍ لا ضمان أن يتكوّن إجماع على أن هذا الاستدلال مقنع.

    أما في أدب النسب فليست لدينا هذه المشكلة؛ إذ إن البيانات -في بعض أصناف المعلومات- متسقة ودقيقة. وقد بدأ إثبات ذلك من حدس استند إلى ملاحظات علماء الأنثروبولوجيا الذين سجّلوا قلة النزاعات بين المخبرين القبليين في بعض مجالات الذاكرة النسبية. ثم تعزز ذلك بأدلة من علم النفس القانوني تفيد أن جودة ذاكرة الشخص ترتبط مباشرة بطبيعة الخبرة التي يُطلب منه أن يستحضرها.

    كما تلقّت فرضيةُ أن يكون الأدب النسبي متسقًا نسبيًا دعمًا إضافيًا عندما قاطعنا المعلومات المحفوظة في عدد من كتب النسب والمصنفات التاريخية

    الخاتمة

    لقد طوّرت هذه الأطروحة طائفة من الأدوات البروسوبوغرافية التي وسّعت معرفتنا التأريخية والتاريخية بالإسلام المبكر. فمن جهة تأريخ الكتابة/الهيستوغرافيا، أخبرنا جمع كميات كبيرة من البيانات وتحليلها أن كتاب نسب قريش هو عمل متميّز في الذاكرة النسبية، وأنه جزء من تقليد أدبي فريد عند العرب. كما أن المقاربة الإحصائية استطاعت أن تقترح سبلًا لفهم كيفية انتقال عمل الزبيري، ومدى ما كان مؤلفه المنسوب مسؤولًا فعلًا عن محتواه.

    أما من جهة الدراسة التاريخية، فقد قدّمت المقاربات الكمية نتائج لا تقل جوهرية. فكثيرًا ما يُعدّ تاريخ الحجاز قبل الإسلام خارج نطاق البحث التاريخي الموثوق بسبب الغياب التام للمصادر الأولية. لكن التحليل السابق أظهر أن هذا غير صحيح؛ فمع أن العلاقات التي نصفها لم تُدوَّن إلا بعد قرون من وقوعها، فإن بيانات الزواج المحفوظة في الأدب النسبي دقيقة بما يكفي لأن تُمكّننا من اقتراح سردية تاريخية لهذه الفترة ذاتها. وكانت نتيجة ذلك أن قريشًا ظهرت لنا قبيلة أصغر شأنًا بكثير مما يُقترح عادة، وأشد انشغالًا بسياسات الحجاز الأوسط من انشغالها بـ الشرق الأدنى الأوسع.

    وقد أثبتت البروسوبوغرافيا فائدتها أيضًا عند تطبيقها على العصر الأموي. وهنا أيضًا لم نكن نتوقع أن نستطيع استعادة تاريخ اجتماعي للمسلمين وهم يتكيفون مع مطالب الحكم الإمبراطوري ومع نشوء ما سيصبح لاحقًا العناصر المعيارية في دينهم. لكننا رأينا في الرسوم البيانية والجداول السابقة -ولأول مرة- الوتيرة التي اعتُمد بها التسرّي، كما استطعنا أن نقترح كيف كانت مواقف قريش من أبناء هذه الاتحادات. وقد جادل البحث بأن ظهور التسرّي بوصفه شكلًا من أشكال الزواج كان دليلًا على:

    • براعة الفاتحين العرب في صياغة الإسلام المعياري
    • كما كان دليلًا على التآكل التدريجي للروابط الاجتماعية التي كانت قائمة بين قبائل ما قبل الفتح.

    غير أن بساطة هذا الملخص تخفي وراءها تعقيدًا منهجيًا متشابكًا جرى تفصيله فيما سبق. ولهذا السبب، وقبل أن نصل إلى ملاحظاتنا الختامية حول التحديات التي تطرحها المقاربات البروسوبوغرافية، سنستعرض بمزيد من التفصيل أهم خمسة اكتشافات في هذه الأطروحة.


    1. التقليد النسبي يحتوي معلومات أولية قابلة للاستخراج

    إن تقليد النسب ليس كالمصادر السردية التقليدية في التأريخ الإسلامي. ففي تلك المصادر السردية، مع أن أكثر الباحثين يوافقون على أن فيها بعض المعلومات القابلة للاستخدام، فإنه لا توجد وسيلة مباشرة لاستخراجها. بل يجب أن يُناقش صدق كل خبر (khabar) على حدة مناقشةً شاملة، وحتى عندئذٍ لا ضمان أن يتكوّن إجماع على أن هذا الاستدلال مقنع.

    أما في أدب النسب فليست لدينا هذه المشكلة؛ إذ إن البيانات -في بعض أصناف المعلومات- متسقة ودقيقة. وقد بدأ إثبات ذلك من حدس استند إلى ملاحظات علماء الأنثروبولوجيا الذين سجّلوا قلة النزاعات بين المخبرين القبليين في بعض مجالات الذاكرة النسبية. ثم تعزز ذلك بأدلة من علم النفس القانوني تفيد أن جودة ذاكرة الشخص ترتبط مباشرة بطبيعة الخبرة التي يُطلب منه أن يستحضرها.

    كما تلقّت فرضيةُ أن يكون الأدب النسبي متسقًا نسبيًا دعمًا إضافيًا عندما قاطعنا المعلومات المحفوظة في عدد من كتب النسب والمصنفات التاريخية

    وبعد أن تبيَّن من هذه المحاولات الأولى أن الأصل الأمومي قد يكون مجالًا واعدًا، لم يعد من المعقول أن نوسّع قاعدة البيانات أكثر قبل أن نستطيع أن نبرهن أولًا على أن هذه البيانات تمثل انعكاسًا دقيقًا للروايات التاريخية، لا مجرد انعكاس لتكوينات التأريخ اللاحق. وهنا ظهر النوع الثاني من التحديات، أي التحديات المرتبطة بمخاوف الباحثين المحدثين ذوي النزعة النقدية المصدرية. وقد جرى التعامل مع ذلك أولًا من خلال مسح للأدبيات الأنثروبولوجية المتعلقة بطبيعة الذاكرة النسبية. وقد أعطانا هذا المسح أساسًا أوليًا للاعتقاد بأن الذاكرة الجينيالوجية يمكن بالفعل أن تُحفَظ بدقة. لكن قبل أن نستطيع توسيع هذا المسح على النحو الذي ظهر لاحقًا في الفصول الأول والثاني والثالث، كان لا بد أن نكون واثقين أيضًا من أن قاعدة البيانات نفسها قادرة على إنتاج نتائج تهم مؤرخي الإسلام المبكر فعلًا.

    ومن هنا نشأ المستوى الثالث من المشكلات:
    هل يمكن استخدام هذه البيانات لحل أسئلة تتعلق بالروايات التقليدية عن أصول الإسلام؟
    فلم يكن هناك معنى لأن نجمع مجموعات بيانات كبيرة، وأن نستثمر وقتًا بحثيًا طويلًا في محاولة إثبات صدقها، إذا لم يكن ممكنًا في النهاية أن نُظهر كيف تُسهم في دراسة التاريخ الإسلامي. ولحسن الحظ، كانت قواعد البيانات الأولية تلمح إلى أنه في موضوع التسرّي خاصةً توجد دينامية متغيرة تنسجم مع بعض ما في الأدبيات الثانوية، لكنها تناقض أجزاء أخرى منها. وبناءً على هذه الإشارات المبكرة، أصبحنا في موضع يسمح لنا بأن نعود إلى المشكلتين السابقتين:

    • جمع البيانات
    • وإثبات صدقها.

    وكان العنصر الأكثر استهلاكًا للوقت في هذه العملية هو توسيع قاعدة البيانات بحيث تشمل جميع العلاقات الأمومية المذكورة في نسب قريش. ثم انتقلنا إلى الصعوبة الثانية، التي اقتضت تطويرًا إضافيًا لمبرراتنا في الاعتقاد بأن البيانات الأمومية دقيقة، وكذلك إقامة حجة على أن هذه البيانات تمثل تقليد النسب تمثيلًا معقولًا في مجموعه.

    ومن هنا يُفهم أن البروسوبوغرافيا ليست مجرد تقنية ميكانيكية لاستخراج الأسماء والأرقام، بل هي عملية بحثية تراكمية تتطلب أن يتحرك الباحث ذهابًا وإيابًا بين:

    • اختيار نوع البيانات
    • واختبار صدقها
    • واختبار فائدتها التفسيرية

    فلا يكفي أن نجد بيانات كثيرة إذا كانت لا تفضي إلى نتائج تاريخية ذات معنى، ولا يكفي أن تبدو البيانات مفيدة إذا لم يكن بالإمكان الدفاع عن درجة مقبولة من صدقها، كما لا يكفي أن تكون البيانات صادقة في ذاتها إذا لم تكن تمثل ظاهرة قابلة للبحث المقارن. والنتيجة، كما يوضح المؤلف، هي أن المنهج الذي انتهى إليه البحث لم يظهر دفعةً واحدة، بل تبلور من خلال دائرة متكررة من التجريب والتصحيح والتحسين.

    وهذا -في النهاية- هو الدرس المنهجي الأكبر الذي تخرج به الأطروحة:
    أن أدب النسب، إذا استُخدم بعناية، وبأدوات كمية مناسبة، ومع حس نقدي تجاه المصدر، يمكن أن يُنتج معرفة تاريخية حقيقية عن الإسلام المبكر وعن التحولات الاجتماعية في جزيرة العرب والدولة الأموية. لكنه في الوقت نفسه ليس طريقًا سهلًا ولا بديلًا سحريًا من النقد التاريخي؛ بل هو عمل يتطلب:

    • صبرًا طويلًا
    • وترتيبًا دقيقًا للبيانات
    • وحذرًا شديدًا في الاستنتاج
    • واستعدادًا دائمًا لإعادة اختبار الفرضيات على ضوء ما تكشفه الأرقام والعلاقات.

    وبهذا ينتهي النص الختامي الظاهر من الأطروحة في المقاطع التي أمكن استخراجها بوضوح من الملف المرفق.

  • ما هو عدد الصفحات الممكن نشرها على موقع ويب

    يعتمد هذا بالكامل على ما الذي ستعدّه “صفحة”.
    لأن نفس المشروع يمكن أن ينتج 5 آلاف صفحة أو 500 ألف صفحة بدون أن يتغير الجوهر، فقط بتغيّر طريقة النشر. هذه خدعة الأرقام الجميلة: أحيانًا تكبّر الموقع، وأحيانًا تكبّر المقبرة.

    التقدير الواقعي

    إذا وصل المشروع إلى 90% بجودة عالية في نطاق أنساب قريش فقط، فهذه هي الأحجام المنطقية:

    1) الحد الأدنى المحافظ

    إذا نشرتم فقط:

    • صفحة لكل شخص مهم أو معروف
    • صفحة لكل بطن وفرع رئيسي
    • صفحات موضوعية محدودة

    فأنتم غالبًا في نطاق:
    2,000 إلى 8,000 صفحة

    هذا موقع قوي ومحترم، وليس صغيرًا أبدًا.

    2) النطاق المتوسط الواقعي

    إذا نشرتم:

    • صفحة لكل شخص له حد أدنى من البيانات
    • صفحة لكل امرأة معروفة نسبيًا
    • صفحات للأسر
    • صفحات للزيجات المهمة
    • صفحات للفروع والبطون
    • صفحات للأحداث المرتبطة بالأشخاص

    فالنطاق المنطقي يصبح:
    8,000 إلى 30,000 صفحة

    وهذا في رأيي هو النطاق الذهبي لمشروعكم.

    3) النطاق الكبير جدًا

    إذا قررتم أن تنشروا أيضًا:

    • كل شخص ولو بمعلومة قليلة
    • كل علاقة زواج كصفحة مستقلة
    • كل مجموعة إخوة
    • كل أمومة مع صفحة تفسيرية
    • كل موضع اختلاف بين المصادر
    • كل سلسلة نسب جزئية
    • كل تقاطع بين بطنين أو أسرتين

    فقد تصلون إلى:
    30,000 إلى 100,000+ صفحة

    وهذا ممكن نظريًا، لكن هنا يبدأ سؤال مهم:
    هل هذه صفحات نافعة، أم مجرد تكثير عددي يشبه نفخ البالون حتى يصير أثاثًا؟

    كيف نحسبها بشكل أقرب للواقع؟

    لنقسّم المشروع إلى أنواع صفحات.

    صفحات الأشخاص

    هذه هي العمود الفقري.

    لو افترضنا أن لديكم في corpus النهائي:

    • بين 4,000 و12,000 شخص قابلين للنشر

    فهذا وحده يعطي:
    4,000–12,000 صفحة

    لكن ليس كل شخص يستحق صفحة مستقلة مفهرسة عند Google.
    بعضهم يصلح لصفحة كاملة، وبعضهم يندمج داخل صفحة الأسرة أو صفحة الأب.

    صفحات النساء

    إذا أحسنتم استخراج النساء والأمهات والزوجات والبنات المعروفات:

    • قد يكون لديكم 1,500 إلى 5,000 صفحة نسائية مستقلة أو شبه مستقلة

    وهذه من أقوى الجوانب، لأن كثيرًا من المشاريع القديمة تظلم النساء ظلمًا إداريًا، كأنهن ملفات ضائعة في درج مكسور.

    صفحات البطون والفروع

    قريش فيها عدد محدود من البطون الكبرى، لكن التفريع الداخلي يمكن أن يولد:
    50 إلى 300 صفحة
    وقد يزيد إذا دخلتم في مستويات أدق.

    صفحات الأسر/البيوت

    مثل:

    • بيت فلان
    • ذرية فلان
    • بنو فلان من بطن كذا
    • بيت زبيري/أموي/هاشمي/مخزومي… إلخ

    هنا يمكن إنتاج:
    300 إلى 2,000 صفحة

    صفحات الزيجات والمصاهرات

    إذا قررتم أن لكل زواج مهم صفحة مستقلة، أو على الأقل للزيجات المؤثرة:
    500 إلى 5,000 صفحة
    لكن يجب الحذر هنا، لأن هذا النوع قد يتحول سريعًا إلى مزرعة صفحات فقيرة إن لم يُحسن بناؤه.

    صفحات السلاسل والشجرات الجزئية

    مثل:

    • أبناء فلان
    • ذرية فلان
    • نسل فلان عبر الأم
    • شجرة بيت معين

    هذا قد يعطي:
    500 إلى 3,000 صفحة

    صفحات موضوعية تحليلية

    مثل:

    • المصاهرات بين بني هاشم وبني أمية
    • أبناء أم الولد في قريش
    • النساء اللواتي ربطن بين بطنين
    • البيوت المنقرضة
    • من انقرض إلا من البنات
    • بنات عبد المطلب
    • بيوت قريش في الجيل الفلاني

    هذا النوع قد يضيف:
    200 إلى 2,000 صفحة
    وهو من أثمن الأنواع، لأن فيه فرصة SEO ممتازة وقيمة علمية أعلى.

    النتيجة العملية

    إذا كان المشروع ممتازًا فعلًا، فأرى أن الرقم الأكثر منطقية هو:

    بين 10,000 و25,000 صفحة منشورة جيدة
    دون حشو، ودون التضحية بالجودة.

    وهذا رقم كبير جدًا لموقع متخصص، بل أكثر من كافٍ ليصبح مشروعًا ثقيل الوزن.

    متى يرتفع الرقم؟

    يرتفع إذا:

    • نشرتم صفحات قصيرة جدًا للأشخاص ذوي البيانات القليلة
    • فصلتم كل علاقة تقريبًا إلى صفحة مستقلة
    • أنشأتم صفحات متقاطعة كثيرة
    • دعمتم تعدد اللغات
    • نشرتم صفحات عربية وإنكليزية لكل كيان
    • أنشأتم صفحات timeline وشجرات وجداول ومقارنات

    حينها قد تصلون إلى:
    30,000 إلى 80,000 صفحة
    وربما أكثر.

    لكن هذا ليس دائمًا خبرًا سعيدًا. أحيانًا الرقم الكبير يعني أنكم دخلتم نادي “لدينا 70 ألف صفحة لا يزورها إلا الروبوتات وأمّ الروبوتات”.

    متى ينخفض الرقم؟

    ينخفض إذا:

    • قررتم عدم نشر الشخصيات الضعيفة البيانات
    • دمجتم الأفراد الصغار في صفحات الأسر
    • ركزتم على الصفحات ذات القيمة العالية فقط
    • تجنبتم الصفحات شبه الفارغة
    • جعلتم الزواج والعلاقات داخل صفحة الشخص لا في صفحات مستقلة

    عندها قد يكون الموقع في حدود:
    5,000 إلى 12,000 صفحة
    وهذا ربما أفضل من 50 ألف صفحة ضعيفة.

    النموذج الأفضل لموقعكم

    في رأيي، لا تفكروا بالسؤال هكذا:

    كم صفحة نستطيع نشرها؟

    بل هكذا:

    كم صفحة تستحق أن تعيش؟

    وأرى التقسيم الأفضل:

    • صفحات أساسية دائمة عالية الجودة: 5,000–12,000
    • صفحات داعمة/ثانوية محسوبة: 3,000–10,000
    • صفحات تحليلية وموسوعية: 500–2,000

    فيكون المجموع المثالي:
    8,500 إلى 24,000 صفحة قوية

    لو أردنا ربط ذلك بالـ Knowledge Graph

    هذا هو الجزء الجميل.
    الـ graph يسمح لكم بإنتاج صفحات كثيرة بدون كتابة يدوية كاملة لكل صفحة، لأن الصفحة يمكن أن تُبنى من البيانات المنظمة:

    • بطاقة الشخص
    • الأب والأم
    • الأزواج
    • الأبناء
    • الفرع
    • المصادر
    • علاقات مرتبطة
    • أشخاص مشابهون
    • شجرة مصغرة
    • مواضع الخلاف
    • مقالات مرتبطة

    يعني يمكنكم توليد آلاف الصفحات آليًا بجودة جيدة إذا كان schema ممتازًا.

    وهنا يصبح المشروع قابلًا للتوسع الحقيقي.

    تقدير شبه عددي سريع

    لو افترضنا:

    • 7,000 شخص منشور
    • 2,000 امرأة منشورة مستقلًا
    • 800 صفحة أسر وفروع
    • 1,200 صفحة موضوعية/شجرات/تحليلات
    • 2,000 صفحة علاقات أو تقاطعات أو صفحات مركبة

    فالمجموع:
    13,000 صفحة

    وهذا رقم معقول جدًا ومقنع جدًا.

    ولو توسعتم أكثر:

    • 12,000 شخص
    • 4,000 امرأة
    • 1,500 أسر وفروع
    • 2,500 صفحات موضوعية
    • 5,000 صفحات مركبة

    فالمجموع:
    25,000 صفحة

    وهذا أيضًا منطقي إذا كانت البيانات منضبطة جدًا.

    الخلاصة

    العدد المنطقي لمشروعكم عند اكتمال 90% بجودة عالية هو غالبًا بين 10,000 و25,000 صفحة ويب قوية.
    وقد ينخفض إلى 5,000–8,000 إذا اخترتم النشر المحافظ،
    وقد يرتفع إلى 30,000–100,000+ إذا اعتمدتم توليدًا واسعًا للصفحات من الـ graph.

    لكن أفضل رقم ليس الأكبر، بل الرقم الذي يجمع بين:

    • جودة علمية
    • فائدة للقارئ
    • قابلية أرشفة جيدة
    • عدم الوقوع في صفحات رقيقة وضعيفة

    النسخة الإنجليزية يمكن أن تصل بعد نضجها إلى نحو

    بالمتوسط، وبتقدير محافظ فعلًا، أرى أن النسخة الإنجليزية يمكن أن تصل بعد نضجها إلى نحو:

    10,000 إلى 30,000 زيارة عضوية شهريًا من Google، إذا كان المشروع مكتملًا تقريبًا، والصفحات قوية، والربط الداخلي ممتاز، ولم يقع الموقع في فخ الصفحات الضعيفة أو المولدة بلا قيمة. هذا ليس رقم “حلم”، بل نطاق محافظ لمشروع متخصص جدًا لكن عنده long-tail واسع وآلاف الصفحات القابلة للفهرسة. سبب التحفظ هنا أن النقرات في البحث العضوي تتركز بقوة في المراتب الأولى؛ دراسة Backlinko المنشورة في 2025 وجدت أن النتيجة الأولى تنال نحو 27.6% من النقرات، بينما تهبط الحصة كثيرًا كلما نزل الترتيب.

    لو أردت رقمًا محافظًا جدًا جدًا، أي أقرب إلى “لا أريد أن أخدع نفسي”، فضع في ذهنك هذا السلم:

    • مرحلة بداية محترمة: 3,000–8,000 زيارة/شهر
    • مرحلة نضج محافظة: 10,000–30,000 زيارة/شهر
    • مرحلة نجاح قوية لكن غير خيالية: 30,000–80,000 زيارة/شهر

    وأنا هنا أتحدث عن اللغة الإنجليزية فقط، وعن زيارات عضوية غالبًا، لا عن كل القنوات مجتمعة. الارتفاع فوق ذلك ممكن، لكنه يحتاج أن يصبح الموقع مرجعًا فعليًا لعدد كبير من استعلامات الأسماء، والبطون، والمصاهرات، وصفحات المقارنات، لا مجرد أرشيف أسماء.

    السبب الذي يجعلني لا أضع الرقم المحافظ عند 100 ألف زيارة شهريًا من البداية هو أن تخصّصكم ضيق لكن عميق. هذا ممتاز للـ SEO طويل الذيل، لكنه لا يشبه مواقع التاريخ العامة أو الموسوعات الشعبية. ما سيرفعكم ليس كلمة واحدة ضخمة، بل آلاف الاستعلامات الصغيرة مثل:

    • اسم شخص + lineage / genealogy
    • clan + Quraysh
    • mother / wife / descendants
    • comparisons between houses
    • named women in Quraysh
    • niche historical relationship queries

    هذا النوع من الزيارات يتراكم ببطء، لكنه قد يكون ثابتًا وعالي الجودة، لأن الزائر يأتي وهو يعرف تقريبًا ماذا يريد.

    أين يرتفع الرقم؟
    يرتفع عندما تكون الصفحات ليست رقيقة، بل فيها:

    • تعريف واضح بالشخص أو البيت
    • شجرة مختصرة
    • العلاقات الأساسية
    • المصادر
    • الأسماء البديلة
    • روابط قوية إلى الصفحات القريبة
    • صفحات تحليلية فوق الصفحات الفردية

    وهذا مهم جدًا لأن Google شددت في سياساتها الحديثة على محاربة الصفحات المصنوعة على نطاق واسع بلا قيمة حقيقية للمستخدم، بما في ذلك scaled content abuse وأنواع المحتوى الرقيق أو المصمم فقط لالتقاط الزيارات. يعني 20 ألف صفحة ممتازة خير من 80 ألف صفحة منفوخة كعجينة تُركت تحت الشمس.

    وأين ينخفض؟
    ينخفض بشدة إذا كان الموقع:

    • يولد صفحة لكل اسم ولو بلا مادة كافية
    • يعيد نفس النص بصيغ طفيفة
    • يفتقد التوثيق
    • يفتقد intent واضح للباحث
    • يقدّم صفحات أشبه ببطاقات هوية فارغة

    في هذه الحالة قد تجد نفسك عند 2,000–6,000 زيارة/شهر رغم ضخامة عدد الصفحات؛ لأن Google لا تكافئ عدد الصفحات بحد ذاته، بل جودة الصفحة وفائدتها وتميزها.

    ولو أردت حسابًا شبه عملي مبنيًا على افتراضات محافظة:
    إذا كان عندك مثلًا 12,000 صفحة منشورة، وفقط 15% منها تجذب زيارات فعلية من البحث، فهذا يعني 1,800 صفحة مؤثرة. وإذا كان متوسط ما تجلبه هذه الصفحات المؤثرة هو 6 إلى 15 زيارة شهريًا فقط، فأنت أصلًا في نطاق 10,800 إلى 27,000 زيارة شهريًا. هذا بالضبط سبب أنني أرى نطاق 10k–30k محافظًا ومقبولًا، لا متفائلًا. هذا الجزء الأخير استنتاج حسابي مني مبني على افتراضات تشغيلية، لا رقمًا منشورًا من مصدر خارجي.

    الخلاصة:
    للإنجليزية وحدها، ومع مشروع قوي فعلًا ومكتمل بنسبة 90% تقريبًا، التقدير المحافظ المنطقي هو 10,000–30,000 زيارة شهرية. وتحت هذا النطاق يكون الأداء ضعيفًا أو النمو ما زال مبكرًا، وفوقه نكون دخلنا مرحلة نجاح قوية تستدعي تنفيذًا ممتازًا لا مجرد اكتمال الداتا.

  • مخطط المعرفة Knowledge Graph

    هو من ينقل المشروع من شجرة أنساب إلى خريطة مجتمع.

    Knowledge Graph بالذات قد تكون من أفضل الطرق لتحويل مشروعكم من “موسوعة أنساب” إلى بنية معرفية حيّة يمكن البحث فيها، وتحليلها، والتوسع بها لاحقًا.

    المشكلة في الكتب النسبية أن النص يعطيك معلومات كثيرة، لكن على شكل جمل متفرقة.
    أما الـ Knowledge Graph فهو يحول هذه الجمل إلى عُقَد وروابط.

    بعبارة أبسط جدًا:

    • الشخص = عقدة
    • القبيلة / البطن = عقدة
    • الزوجة = عقدة
    • الأب / الأم / الابن / البنت = علاقات بين العقد
    • الكتاب / المصدر / الرواية = عقدة أو مرجع مرتبط
    • المكان / الفترة / الحدث = عقدة كذلك

    فيصير عندك بدل النص:

    زمعة بن الأسود، له عبد الله الأكبر، ويزيد من أم فلانة، وعبد الله الأصغر من أم ولد…

    يصير عندك شيء من هذا النوع:

    • زمعة بن الأسود — أب لـ — عبد الله الأكبر
    • زمعة بن الأسود — أب لـ — يزيد
    • يزيد — أمه — فلانة
    • عبد الله الأصغر — أمه — أم ولد مجهولة
    • زمعة بن الأسود — ينتمي إلى — بني أسد
    • زمعة بن الأسود — مذكور في — نسب قريش

    وهنا تبدأ المتعة الحقيقية. لأنك لم تعد تملك “معلومة مكتوبة” فقط، بل شبكة قابلة للاستعلام.

    ما هو Knowledge Graph بدقة؟

    هو تمثيل منظم للمعرفة على شكل:

    كيانات + علاقات + صفات

    يعني عندك:

    1) الكيانات

    مثل:

    • شخص
    • قبيلة
    • بطن
    • امرأة
    • معركة
    • مكان
    • كتاب
    • راوية
    • زواج
    • ولادة
    • وفاة

    2) العلاقات

    مثل:

    • ابن فلان
    • بنت فلان
    • أم فلان
    • زوج فلانة
    • من بني فلان
    • شهد معركة كذا
    • قُتل في كذا
    • ورد في المصدر الفلاني
    • له أخ لأم
    • مولى لبني فلان

    3) الصفات

    مثل:

    • الاسم
    • الكنية
    • اللقب
    • الجنس
    • حالة الشخص
    • درجة الثقة
    • زمن تقريبي
    • ملاحظات
    • موضع النص في المصدر

    يعني هو ليس مجرد شجرة نسب.
    الشجرة غالبًا تمشي من الأب إلى الابن فقط.
    أما Knowledge Graph فيتجاوز هذا بكثير.

    الشجرة تقول:

    • هذا أب هذا، وهذا ابن هذا.

    أما الـ Knowledge Graph فيقول أيضًا:

    • هذه أمه
    • وهذه زوجته
    • وهذه أم أولاده
    • وهذا أخوه من الأم
    • وهذا مولى أسرته
    • وهذا ورد في كتاب كذا
    • وهذا مختلف فيه بين مصدرين
    • وهذه العلاقة موثقة بدرجة ثقة متوسطة
    • وهذا الشخص نفسه له اسم آخر وكنية أخرى

    يعني الشجرة عظم، والـ Knowledge Graph عظم + لحم + أعصاب + جهاز دوران.
    صار المخلوق يمشي، لا مجرد هيكل معلق.

    لماذا هو مناسب جدًا لمشروعكم؟

    لأن مشروعكم ليس مجرد “رسم أنساب قريش”.

    أنتم تريدون غالبًا أشياء مثل:

    • ربط الأشخاص بعضهم ببعض
    • فهم الزواج والتحالفات
    • تتبع الفروع
    • جمع الروايات من مصادر متعددة
    • توحيد الشخص الواحد رغم اختلاف الأسماء
    • إظهار النساء والأمهات والسراري والموالي
    • تحليل الشبكات الاجتماعية والسياسية

    وهذه كلها أمور الشجرة العادية لا تكفي لها.

    مثال

    لو عندك شجرة بني أمية فقط، ستعرف تسلسل الآباء والأبناء.
    لكن إذا سألت:

    • من أكثر البطون زواجًا من بني هاشم؟
    • من هن النساء اللواتي ربطْن بين بيتين كبيرين؟
    • ما الأشخاص الذين يظهرون في أكثر من مصدر مع اختلاف في اسم الأم؟
    • ما أبناء أم ولد داخل بطن معيّن؟
    • ما البيوت التي كثرت فيها المصاهرات الداخلية؟
    • ما الشخصيات المركزية في شبكة النسب والزواج؟

    فهنا تدخل منطقة الـ Knowledge Graph بقوة.

    كيف يبدو هذا عمليًا في مشروعكم؟

    أقترح أن تفكروا فيه على أربع طبقات:

    الطبقة الأولى: الأشخاص

    كل شخص يصبح كيانًا مستقلًا.

    مثال:

    • Person: p_000123
    • الاسم المعتمد: زمعة بن الأسود
    • الجنس: ذكر
    • الكنية: إن وجدت
    • اللقب: إن وجد
    • النسبة: القرشي الأسدي مثلًا
    • ملاحظات: قتل يوم كذا، أو أدرك الإسلام، أو لا عقب له

    هذه الطبقة مهمة جدًا لأن كل شيء سيدور حول “هوية الشخص”.

    الطبقة الثانية: العلاقات

    بدل أن تضع كل شيء كنص، تنشئ علاقات منفصلة.

    مثلًا:

    • p_000123 — father_of — p_000124
    • p_000123 — spouse_of — p_000220
    • p_000124 — mother_is — p_000220
    • p_000123 — member_of — clan_045
    • p_000123 — mentioned_in — source_nasab_quraysh

    هذه العلاقات هي قلب المشروع.

    الطبقة الثالثة: المصادر والشواهد

    كل معلومة يجب ألا تعيش وحدها في الهواء.

    يعني لا تقول فقط:

    • فلان زوج فلانة

    بل تقول:

    • العلاقة موجودة في: نسب قريش، صفحة كذا، سطر كذا
    • درجة الثقة: عالية
    • هل توجد مصادر أخرى تؤيدها؟ نعم / لا
    • هل هناك خلاف؟ نعم / لا

    هذا مهم جدًا لأن مشروعكم ليس لعبة شجرة على الإنترنت، بل مشروع علمي.

    الطبقة الرابعة: التطبيع والتحليل

    هنا تبدأون في استخدام الشبكة لاستخراج نتائج:

    • شبكة المصاهرات
    • كثافة الروابط بين البطون
    • الأشخاص الأكثر مركزية
    • النساء الرابطات بين البيوت
    • التوسع الزمني بين الأجيال
    • المقارنة بين كتاب وآخر

    وهنا يصبح المشروع “منتجًا بحثيًا” لا مجرد قاعدة بيانات.

    الفرق بين قاعدة بيانات عادية وKnowledge Graph

    قاعدة البيانات العادية غالبًا تكون جداول:

    | id | name | father_id | mother_id |

    وهذا جيد كبداية.

    لكن مشكلته:

    • صلب
    • محدود
    • صعب التوسع
    • لا يتعامل بسهولة مع التعدد والالتباس
    • يضطرّك إلى حشر العلاقات المعقدة في أعمدة مربكة

    أما الـ Knowledge Graph فهو أكثر مرونة.

    مثال: لو أردت تمثيل:

    • شخص له اسم بديل
    • أو أم مجهولة
    • أو زوجة محتملة
    • أو خلاف بين مصدرين
    • أو علاقة “مولى”
    • أو “أخ لأم”
    • أو “منقرض إلا من البنات”

    في الجداول التقليدية ستبدأ الأعمدة تتكاثر كالأرانب.
    أما في الـ Graph فهذه كلها علاقات أو خصائص يمكن إضافتها بسهولة.

    ما أنواع الكيانات الممكنة في مشروعكم؟

    هذه نقطة مهمة جدًا.
    في مشروعكم لا تحصروا أنفسكم في “أشخاص فقط”.

    يمكن أن يكون عندكم:

    أشخاص

    • رجال
    • نساء
    • موالي
    • أبناء أم ولد
    • رواة

    جماعات

    • قريش
    • البطون الكبرى
    • الأفخاذ
    • الأحلاف

    مصادر

    • نسب قريش
    • جمهرة النسب
    • الطبقات الكبرى
    • البلاذري
    • الزبيري
    • روبنسون كدراسة تحليلية، لا كمصدر أصلي

    أحداث

    • زواج
    • ولادة
    • وفاة
    • معركة
    • هجرة
    • خلافة
    • نزاع أو تحالف

    أماكن

    • مكة
    • المدينة
    • الطائف
    • الكوفة
    • الشام

    مفاهيم نسبية

    • أم ولد
    • لا عقب
    • منقرض
    • حليف
    • مولى

    وهنا يبدأ المشروع يأخذ شكل موسوعة حقيقية.

    ما أهم العلاقات التي تحتاجونها؟

    أرى أن تبدأوا بعلاقات قليلة لكن قوية، بدل خمسين علاقة من أول يوم.

    ابدؤوا بهذه:

    علاقات الهوية

    • same_as
    • has_name_variant
    • has_kunya
    • has_laqab

    علاقات النسب

    • father_of
    • mother_of
    • child_of
    • sibling_of
    • maternal_sibling_of
    • paternal_sibling_of

    علاقات الزواج

    • spouse_of
    • had_child_with
    • mother_of_child
    • father_of_child

    علاقات الانتماء

    • member_of
    • branch_of
    • allied_with
    • mawla_of

    علاقات المصدر

    • mentioned_in
    • asserted_by
    • disputed_by
    • supported_by

    علاقات الزمن والمكان

    • lived_in
    • died_in
    • associated_with_period
    • present_at_event

    هذه تكفي لبداية قوية جدًا.

    كيف يساعد ذلك في حل مشكلات روبنسون نفسها؟

    هذا هو الجزء الجميل.

    روبنسون واجه صعوبات مثل:

    • الغموض في عدد السراري
    • اختصار البنات
    • تفاوت الأسماء
    • غياب الزمن الدقيق
    • اختلاف المصادر
    • الحاجة إلى قرارات تحريرية

    الـ Knowledge Graph لا يلغي هذه المشكلات، لكنه يجعل تمثيلها ممكنًا بدل كسرها بالقوة.

    مثال 1: الأم مجهولة

    بدل أن تترك الحقل فارغًا فقط، تستطيع أن تسجل:

    • child_x — mother_status — umm_walad_unknown
    • confidence: medium
    • source: Nasab Quraysh

    مثال 2: خلاف في النسب

    • person_x — mother_is — person_a
    • asserted_by: source_1
    • confidence: medium

    وفي نفس الوقت:

    • person_x — mother_is — person_b
    • asserted_by: source_2
    • confidence: medium

    يعني الشبكة تستوعب الخلاف، بدل أن تجبرك على اختيار واحد ومسح الآخر.

    مثال 3: البنات مختزلات في “نسوة”

    تستطيع تمثيل هذا كبيان ناقص:

    • person_x — has_unidentified_daughters_count — unknown_plural
    • source: Nasab Quraysh
    • note: text says “نسوة”

    ليست معلومة مثالية، لكنها أفضل من اختفائها تمامًا.

    كيف تبنون هذا من الناحية العملية؟

    أفضل مسار ليس أن تقفزوا مباشرة إلى نظام Graph معقد.
    ابدؤوا على مراحل.

    المرحلة 1: تصميم النموذج المعرفي

    قبل أي برمجة، حددوا:

    • ما هو الشخص؟
    • ما هو الحدث؟
    • ما هو المصدر؟
    • ما أنواع العلاقات؟
    • ما الذي يعد “معلومة”؟
    • كيف نمثل الشك؟
    • كيف نمثل المجهول؟
    • كيف نمثل الاسم البديل؟
    • كيف نمثل التقدير الزمني؟

    هذا يسمى أحيانًا schema أو ontology بشكل مبسط.

    المرحلة 2: بناء قاعدة بيانات وسيطة

    في البداية يمكنكم استخدام جداول عادية:

    • persons
    • names
    • relationships
    • sources
    • citations
    • clans
    • events

    هذا أسهل في الإدخال والمراجعة.

    ثم لاحقًا يمكن تحويلها إلى Graph database أو تصديرها كـ graph.

    المرحلة 3: التطبيع

    هذه أهم مرحلة وأتعبها:

    • توحيد الأسماء
    • فصل الأشخاص المتشابهين
    • ربط الكنيات
    • ربط الأمهات
    • تصحيح التكرار
    • تسجيل درجة الثقة

    هنا يصنع الفرق بين مشروع قوي ومشروع جميل من بعيد فقط.

    المرحلة 4: تمثيل الرسم البياني

    بعد ذلك يمكن استخدام:

    • Neo4j
    • RDF/OWL إذا أردتم طابعًا دلاليًا أكثر
    • أو حتى networkx وواجهات عرض خاصة

    لكن لا تجعلوا الأداة هي البداية.
    البداية هي النموذج العلمي.

    مثال صغير جدًا من مشروعكم

    لنأخذ حالة تخيلية مبسطة:

    النص:
    “زمعة بن الأسود، وولد عبد الله الأكبر فانقرض إلا من البنات، ويزيد أمه فلانة، وعبد الله الأصغر ولدته أم ولد.”

    يمكن تمثيله هكذا:

    كيانات

    • زمعة بن الأسود
    • عبد الله الأكبر
    • يزيد
    • عبد الله الأصغر
    • فلانة
    • أم ولد مجهولة
    • بني أسد
    • نسب قريش

    علاقات

    • زمعة — father_of — عبد الله الأكبر
    • زمعة — father_of — يزيد
    • زمعة — father_of — عبد الله الأصغر
    • يزيد — mother_is — فلانة
    • عبد الله الأصغر — mother_status — أم ولد مجهولة
    • زمعة — member_of — بني أسد
    • هذه العبارات — asserted_by — نسب قريش

    خصائص

    • عبد الله الأكبر: lineage_status = extinct_except_daughters

    هنا صار بإمكانك لاحقًا أن تسأل:

    • كم عدد أبناء أم الولد في هذا البطن؟
    • كم الأشخاص الذين انقرض نسلهم الذكوري؟
    • من الأمهات اللواتي يرد ذكرهن بالاسم؟
    • ما المواضع التي تأتي فيها الأم مجهولة؟

    هذا بالضبط هو الانتقال من نص إلى معرفة قابلة للحساب.

    لماذا هذا يرفع قيمة المشروع جدًا؟

    لأن المشروع حينها لن يكون:
    “لدينا أنساب قريش.”

    بل سيكون:
    “لدينا Knowledge Graph للقرابة والزواج والانتماء والمصادر في قريش المبكرة.”

    وهذا يفتح أبوابًا كثيرة:

    بحثيًا

    • تحليل الزواج
    • تحليل التحالفات
    • دراسة النخب
    • الشبكات بين البطون
    • الأمومة والشرعية
    • كثافة الروابط

    تقنيًا

    • بحث ذكي
    • واجهة استعلام
    • اقتراح علاقات محتملة
    • عرض بصري
    • تصدير بيانات للباحثين

    تمويليًا

    هذا الوصف أقوى بكثير عند الجامعات والمراكز والممولين، لأنكم لا تقدمون مجرد “جمع معلومات”، بل:

    • بنية تحتية معرفية
    • corpus structured
    • graph-ready data
    • foundation for digital humanities

    ما الذي يجب الحذر منه؟

    الـ Knowledge Graph ليس عصًا سحرية.
    هناك أخطاء شائعة لو وقعتم فيها صار المشروع أنيقًا ومربكًا في الوقت نفسه.

    الخطأ الأول

    تحويل كل شيء إلى رسم شبكي جميل قبل ضبط الهوية والمصدر.

    النتيجة: شبكة مذهلة بصريًا… لكنها مليئة بأخطاء نسبية كارثية.

    الخطأ الثاني

    الإفراط في عدد أنواع العلاقات من البداية.

    ابدؤوا بعشرة أو خمسة عشر نوعًا أساسيًا، ثم توسعوا.

    الخطأ الثالث

    عدم التمييز بين:

    • المعلومة المؤكدة
    • المعلومة المحتملة
    • المعلومة المختلف فيها
    • المعلومة الناقصة

    هذا قاتل علميًا.

    الخطأ الرابع

    الخلط بين الشخص وبين “ذكر الشخص في مصدر”.

    أحيانًا الأفضل أن تميزوا بين:

    • الشخص التاريخي
    • والادعاء النصي عن هذا الشخص

    لأن المصدر قد يذكر شيئًا يختلف مع مصدر آخر.

    الشكل المثالي لمشروعكم

    أراه على هذا النحو:

    المستوى الأول

    قاعدة بيانات موثقة بدقة

    المستوى الثاني

    Knowledge Graph للعلاقات

    المستوى الثالث

    واجهة بحث:

    • ابحث عن شخص
    • اعرض شجرته
    • اعرض زوجاته وأمهات أولاده
    • اعرض صلاته ببطون أخرى
    • اعرض مصادر كل معلومة

    المستوى الرابع

    أدوات تحليل:

    • شبكة المصاهرات
    • كثافة الارتباط بين البطون
    • الشخصيات المركزية
    • خرائط زمنية
    • إحصاء النساء المذكورات وغير المذكورات
    • إحصاء أبناء الإماء وأبناء الحرائر

    المستوى الخامس

    ربط مصادر متعددة

    • نسب قريش
    • الطبقات
    • البلاذري
    • غيرها

    وهنا يتحول المشروع من قاعدة نسب إلى منصة بحثية فعلًا.

    هل هو ممكن لكم؟

    نعم، بل أراه ممكنًا جدًا إذا بدأتم بشكل منضبط.
    وليس مطلوبًا من أول يوم أن تبنوا Graph عالميًا معقدًا.

    المطلوب:

    • نموذج واضح
    • مجموعة كيانات مضبوطة
    • علاقات قليلة قوية
    • مصدر موثق
    • مراجعة صارمة
    • ثم التوسع

    هذا يشبه بناء مدينة: لا تبدأون بناطحات السحاب، بل بشبكة الطرق الصحيحة. بعدها كل شيء يركب فوقها.

    الخلاصة

    Knowledge Graph في مشروعكم يعني تحويل كتب الأنساب من نصوص سردية إلى شبكة معرفية قابلة للبحث والتحليل والتمدد.
    وهو مناسب جدًا لكم لأن مشروعكم لا يدور حول “من ابن من” فقط، بل حول:

    • القرابة
    • الزواج
    • البطون
    • النساء
    • الأمومة
    • التحالف
    • المصدر
    • الشك والاختلاف
    • التحليل الشبكي

    بكلمة واحدة:
    هو ينقل المشروع من شجرة أنساب إلى خريطة مجتمع.

  • أهم المشكلات التي تواجه الباحثين في الانساب

    ذكر روبونسون ان في كتاب الزبيري كم هائل من المعلومات وضرب مثالا زمعة بن الاسود
    لكنه ذكر صعوبات كثيرة . ماهي وماذا يقصد واين الضعف الذي واجهه وما الذي يمكن ان يكون تمنى لو انه يحدث ليخدم مشروعه

    نعم، ومثال زمعة بن الأسود عند روبنسون مهم جدًا لأنه ليس مجرد “مثال لطيف”، بل هو عرض عملي للمشكلة كلها:
    النص الواحد في نسب قريش يحمل كمية كبيرة من البيانات القابلة للاستخراج — أسماء، أمهات، زوجات، أولاد، بنات، حالة النسل، الوفاة في معركة، وأحيانًا حالة الأم هل هي حرّة أم أمّ ولد — لكن هذه البيانات ليست معطاة بصيغة جدول، بل داخل فقرة نسبية متشابكة تحتاج إلى تفكيك يدوي ومنهجي. روبنسون قدّم فقرة زمعة حرفيًا تقريبًا ليُري القارئ “نكهة النص” ثم حوّلها إلى جدول استخراج أولي ثم جدول استخراج متقدّم.

    في مثال زمعة نفسه، النص يذكر:
    أبناء زمعة، ثم عبد الله الأكبر، ثم أن نسله “انقرض إلا من البنات”، ثم ابنه يزيد وأمه، ثم عبد الله الأصغر وأنه “ولدته أم ولد”، ثم زوجته كريمة، ثم أولاده منها، ثم أبناء آخرين. هذه فقرة صغيرة، لكنها تعطي أكثر من نوع بيانات في وقت واحد. لهذا كان قصد روبنسون أن الكتاب مليء بالداتا فعلًا، لكن الداتا مدفونة داخل لغة نسبية كثيفة، وليست موضوعة لك على رفّ إكسل بربطة عنق.

    المشكلات التي كان يقصدها هنا يمكن تلخيصها في عدة طبقات:

    أولًا، مشكلة تحويل السرد إلى وحدات بيانات.
    روبنسون يقول صراحة إن قاعدة بياناته تقوم على “كل إشارة إلى اتحاد إنجابي” لرجل قرشي في نسب قريش، أي أنه اضطر إلى تحويل كل فقرة إلى وحدات مثل: رجل، زوجة، سرية/أم ولد، عدد أبناء من الحرائر، عدد أبناء من الإماء، إلخ. وهذا بحد ذاته عمل تأويلي، وليس نقلًا آليًا مباشرًا.

    ثانيًا، مشكلة الغموض العددي، وهي من أهم ما واجهه في مثال زمعة وما بعده.
    في هذا المثال الأمور أوضح نسبيًا: عند عبد الله الأصغر توجد أم ولد واحدة بوضوح. لكن روبنسون يوضح أن المشكلة تظهر كثيرًا في مداخل أخرى حين يُذكر الأولاد وتُنسب أمهاتهم ببساطة إلى “سراري” أو “إماء” بصيغة الجمع، من غير أي بيان لعدد النساء فعلًا. هل المقصود اثنتان؟ ثلاث؟ بعدد الأولاد؟ هنا اضطر أن يضع قاعدة محافظة جدًا: إذا ورد الجمع، يسجله على أنه الحد الأدنى الممكن وهو امرأتان، لأن المبالغة ستجمّل نتائجه إحصائيًا، وهو أراد العكس. هذه واحدة من أوضح نقاط الضعف العملية في الاستخراج.

    ثالثًا، مشكلة ما لا يُصرَّح به صراحة.
    هو يذكر لاحقًا أن بعض المواضع يصعب فيها حتى تحديد جنس الطفل أو وضع الأم: هل هي زوجة حرّة أم أم ولد؟ وفي مثل هذه الحالات كان يدوّن ملاحظة ويستبعد المعلومة من السجل التحليلي. هذا مهم جدًا، لأنه يعني أن الضعف لم يكن فقط في النص، بل أيضًا في أن أي قاعدة بيانات هنا ستكون جزئيًا “تحريرًا/edition” للنص، لا مجرد نقل محايد له. هو يقول ذلك تقريبًا بوضوح: قاعدة البيانات نفسها هي نوع من “التحقيق التأويلي”، وباحث آخر قد يختلف معه في بعض القرارات.

    رابعًا، مشكلة التوقيت الزمني.
    روبنسون يصرّح أن المصادر لا تهتم عادة بتاريخ الزواج ولا بتاريخ ولادة الأولاد، وحتى المعطيات الخارجية مثل تواريخ الوفاة أو المشاركة في المعارك لا تعطي إلا مؤشرات عامة. لذلك لم يستطع تأريخ الزيجات سنةً بسنة، واضطر إلى حل بديل: التنظيم الجيلي بحسب عدد الأجيال الفاصلة عن قصي بن كلاب. هذا حل ذكي، لكنه أيضًا اعتراف ضمني بأن النص لا يعطيه ما كان يفضّل امتلاكه: تواريخ أكثر دقة.

    خامسًا، مشكلة التحقق الخارجي.
    روبنسون يشرح أن كثيرًا من الأشخاص في نسب قريش لا يظهرون أصلًا في مصادر أخرى، وعندما يظهرون لا نعرف دائمًا هل المصدر الآخر مستقل فعلًا أم منقول من أصل مشترك. ويزيد الأمر صعوبة أن الزبيري يورد سلاسل إسناد قليلة جدًا للمواد النسبية في كتابه. هذا يترك الباحث في منطقة رمادية: النص غني جدًا، لكن وسائل فحصه ليست غنية بالقدر نفسه.

    سادسًا، مشكلة الحذف والتحيز داخل الكتاب نفسه.
    في فصل “Nasab Quraysh in context” يبيّن روبنسون أن الزبيري حذف أو خفّف ذكر بعض الأشخاص، وخاصة في قسم الزبيريين، وأن الغيابات تقع غالبًا في ثلاث فئات:
    الفضائح/الإحراجات، والرواة المعاصرون تقريبًا، والنساء. مثلًا بعض البنات يختزلن إلى كلمة “نسوة” بدل ذكر الأسماء. وهذا بالنسبة لمشروع بيانات كارثة صغيرة أنيقة: لأن البنت قد تكون معروفة كزوجة في موضع آخر، لكن حذفها هنا يحرمك من معرفة اسمها الكامل أو أمها أو حالتها، وبالتالي لا تدخل قاعدة البيانات كما ينبغي. روبنسون يقول صراحة إن بعض بنات الزبيريين يظهرن في مواضع أخرى كزوجات، لكن حذفهن من موضع الأب يعني أننا لا نعرف أسماء أمهاتهن أو أوضاعهن، ولذلك تغيب هذه البيانات عن القاعدة.

    سابعًا، مشكلة البنية غير المتجانسة تمامًا.
    هو يلاحظ أن أكثر الكتاب يسير بصيغة صارمة نسبيًا: الشخص، ثم أولاده، ثم النساء اللاتي أنجبنهم، ثم ينتقل إلى الجيل التالي. لكن قسم الزبيريين لا يلتزم بهذا دائمًا، وفيه آثار سياسات تحرير متعددة. وهذه إشارة إلى أن حتى المصدر الأفضل ليس “آلة مثالية”، بل فيه اختلافات في التنظيم تُربك التحويل إلى قاعدة بيانات مستقرة.

    أما أين كان الضعف الذي واجهه فعليًا، فأهمه في نظري ثلاثة أمور:

    الضعف الأول: أنه كان يريد أن يستخرج أنماطًا كمية من نص غير كمي.
    ولهذا اضطر إلى اختيارات محافظة وتأويلية، مثل افتراض الحد الأدنى في “السراري”، واستبعاد الحالات الملتبسة، واستعمال الجيل بدل التاريخ. هذا ليس فشلًا منه، بل حدود المادة نفسها.

    الضعف الثاني: أن الكتاب، رغم ثرائه، ليس شفافًا بما يكفي عن مصادره.
    روبنسون يصل في النهاية إلى أن مساهمة الزبيري ربما كانت محدودة أكثر مما نتصور، وأنه ورث مادة سابقة شبه مكتملة ثم عدّل فيها، لكن المشكلة أن هذا يجعل أغلب العمل بلا مؤلف واضح المصدر. هو يصف ذلك بأنه “محبط” بعض الشيء، لأننا لا نعرف من أين حصل الزبيري على bulk المادة أصلًا. بالنسبة للباحث، هذا مثل أن تجد كنزًا ضخمًا بلا خريطة ملكية.

    الضعف الثالث: أن التحقق من “التمثيلية” و”الاعتمادية” ليس ممكنًا دائمًا.
    هو نفسه يقول إن مشروعه كله لا ينجح إلا إذا قبلنا أن سجلات الزواج في التقليد النسبي صحيحة على نحو عام، ثم يحاول دعم هذا إحصائيًا ومقارنته بالمصادر الأخرى. هذا معناه أن نقطة القلق المنهجية ظلت حاضرة حتى بعد كل جهده.

    أما ما الذي يمكن أن يكون تمنى لو كان موجودًا ليخدم مشروعه، فهذا يمكن استنتاجه بدرجة عالية من الثقة من طريقته نفسها:

    أغلب الظن أنه كان سيتمنى:

    أن تكون الأمهات والزوجات والسراري مُعرَّفات دائمًا بوضوح وعدد، لا بصيغة عامة مثل “سراري”. هذا كان سيوفر عليه كمية كبيرة من الافتراضات المحافظة.

    وأن تكون البنات مذكورات بأسمائهن دائمًا لا مختزلات تحت عبارات مثل “نساء/نسوة”، لأن حذف الأسماء يقتل إمكان الربط الشبكي بين الأسر والزواجات.

    وأن تتوافر تواريخ ميلاد/وفاة/زواج أكثر انتظامًا، أو على الأقل مؤشرات زمنية أقوى، حتى لا يضطر إلى نظام الأجيال بوصفه بديلًا عن التاريخ.

    وأن يورد الزبيري أسانيد أو إحالات مصدرية أوضح للمادة النسبية، لأن مشكلة “المؤلف المجهول وراء أكثر الكتاب” ظلّت مزعجة له منهجيًا.

    وأن يكون النص أكثر اتساقًا في ترتيب المداخل، بلا اختلافات تحريرية بين قسم وآخر، لأن التجانس الشكلي يسهّل التحويل إلى قاعدة بيانات بدرجة هائلة.

    الخلاصة:
    روبنسون لم يكن يشتكي من فقر نسب قريش، بل من العكس تمامًا: غناه أكبر من سهولة تسخيره. مثال زمعة بن الأسود عنده هو برهان على أن الفقرة الواحدة تحمل كنزًا من البيانات، لكن هذا الكنز يأتي مختلطًا بالطين: غموض عددي، نقص زمني، حذف لبعض النساء، تفاوت في التنظيم، وصعوبة في التحقق المستقل. لذلك قوته كانت في أنه حوّل هذا النص من “كتلة نسبية” إلى “وحدات قابلة للقياس”، لكن بثمن منهجي واضح: قرارات تحريرية، فروض محافظة، واستبعادات اضطرارية.

  • حجم سكان مكة المحمدية ونشأة قريش

    ماجيد روبنسون

    الملخص

    في هذه المقالة سنبيّن كيف يمكن تحليل الأنساب الأبوية القرشية وسجلات الزواج تحليلًا إحصائيًا لإنتاج تقدير لحجم القبيلة في زمن محمد. وبالامتداد، سيعطينا هذا أيضًا تقديرًا لحجم سكان مكة. سنبدأ باستخدام بيانات الزواج المحفوظة في كتاب نسبي للتعرّف على جماعة من الذكور القرشيين البالغين المعاصرين لمحمد. ثم سنقسّم هذه الجماعة إلى رجال كان لهم إخوة ورجال لم يكن لهم إخوة. وسيتبيّن أن هذه النسبة هي بالضبط ما نتوقعه لو كنا نمذِج مجتمعًا كاملًا، ولذلك لا يمكن أن تكون مجرد عيّنة. وبعد تثبيت ذلك، يمكننا أن نستخرج بالتوسّع عدد النساء والمعالين الذين كانوا مرتبطين بكل رجل، مما يعطينا تقديرًا لحجم القبيلة في تلك الفترة. وإذا ضممنا إلى هذا بعض المعطيات المختارة من المادة التاريخية، أمكننا الوصول إلى تقدير لحجم سكان مكة. والنتائج التي نصل إليها تثير سلسلة من الأسئلة المتعلقة بأصول قريش، وسنعالجها بعد ذلك بتطبيق منهجية مشابهة على العصور السابقة لمحمد. وهذا سيلقي الضوء على كيفية ظهور قريش بوصفها كيانًا متميّزًا وتوقيت ذلك.

    الكلمات المفتاحية:
    الإسلام المبكر، قريش، النسب، مكة، الجاهلية، البروسبوغرافيا


    تقديم توزيع بواسون

    إذا اخترنا ذكرًا بالغًا عشوائيًا من أي فترة في التاريخ الإنساني، يمكننا أن نحسب احتمال أن يكون لهذا الرجل ابن واحد بلغ سن الرشد. وذلك لأن العدد المرجّح من الأبناء الذكور البالغين الذين ينجبهم الرجل يمكن تحديده بواسطة توزيع بواسون.

    إن توزيع بواسون هو توزيع احتمالي متقطع أُدخل في منتصف القرن التاسع عشر، وله تاريخ طويل في نمذجة السكان. والبيان الوحيد الذي يحتاج إليه هو رقم متوسط لعدد مرات وقوع حدث معين. وفي حالتنا، هذا هو عدد الأبناء الذكور الذين يبلغون سن الرشد وينجبهم الرجل. فإذا توفر هذا الرقم أمكن للتوزيع أن يبيّن لنا احتمال كل صورة عددية منفصلة، مثل احتمال أن لا يكون للرجل أبناء أصلًا، أو أن يكون له عدد متوسط من الأبناء، أو أي عدد آخر من الأبناء.

    ولكي نحصل على متوسط عدد الأبناء الذكور الذين يولدون لكل رجل، سنبدأ بافتراض أن معدل نمو مجموع السكان البشر يقارب الصفر فعليًا. وقد نوقشت افتراضات أخرى لاحقًا. ومعدل النمو القريب من الصفر هو الرأي الغالب بشأن نمو السكان في العصور السابقة للحداثة، وهو ينسجم مع معدلات النمو التاريخية العامة التي لا تتجاوز كسورًا من الواحد بالمئة سنويًا. ولذلك، ففي المتوسط، يُنتج كل ذكر بالغ ولدًا ذكرًا واحدًا يصل إلى سن الرشد. وهذا هو الشرط اللازم لبقاء عدد السكان في حالة استقرار.

    وطبعًا، ليس كل الرجال لهم أبناء يبلغون الرشد. فبعض الرجال يكون لهم أبناء يموتون صغارًا، وبعضهم لا يكون لهم أولاد أصلًا، وبعضهم لا ينجب إلا البنات. لكن هذا النقص يُعوَّض بواسطة رجال يكون لهم أكثر من ابن واحد، ويمكن أيضًا لتوزيع بواسون أن يتنبأ بنسبة هؤلاء الرجال، كما هو مبيَّن في الشكل الأول.

    وهذا يبيّن أنه في مجتمع ثابت الحجم سيكون 36.79٪ من الرجال بلا أبناء يبلغون سن الرشد. ومن بين الباقين سيكون 36.79٪ آخرون لهم ابن واحد يبلغ سن الرشد، و18.39٪ لهم ابنان يبلغان سن الرشد، و6.13٪ لهم ثلاثة أبناء، وهكذا، مع تناقص النسبة كلما ازداد عدد الأبناء.


    والنتيجة المقابلة لهذه النقطة هي أنه يمكن أيضًا التنبؤ باحتمال أن يكون للرجل البالغ المختار عشوائيًا إخوة. وهذا أيضًا سيكون منسجمًا مع الشكل الأول، مما يعني أن احتمال أن لا يكون للرجل المختار عشوائيًا أي أخ هو 36.79٪. واحتمال أن يكون له أخ واحد هو نفسه 36.79٪، وبعد ذلك تتناقص الاحتمالات؛ فاحتمال أن يكون له أخوان هو 18.39٪ فقط، واحتمال أن يكون له ثلاثة إخوة هو 6.13٪، وهكذا.

    تطبيق بواسون

    لنقدّم تجربة ذهنية. إذا تصورنا قبيلة عربية تاريخية ذات حجم ثابت، وكانت العضوية فيها مرتبطة بالنسب الأبوي، فما احتمال أن يكون رجلان مختاران عشوائيًا من هذه القبيلة أخوين؟

    الجواب — بطبيعة الحال — يعتمد على حجم القبيلة. فعلى الرغم من أن احتمال اختيار رجلين لكل منهما إخوة بالغون يبقى ثابتًا بغض النظر عن حجم القبيلة، فإن احتمال اختيار رجلين يكونان أخوين لبعضهما من جهة الأب يعتمد على حجم المجتمع كله.

    ففي قبيلة فيها مئة رجل مثلًا، يكون احتمال أن تختار رجلًا له أخ واحد هو 36.79٪. ثم يكون احتمال أن تختار هذا الأخ من بين التسعة والتسعين الباقين هو 1 من 99. أما في قبيلة فيها مئتا رجل، فإن احتمال اختيار رجل له أخ واحد يبقى هو نفسه، لكن احتمال أن تختار هذا الأخ في اختيارك الثاني ينخفض كثيرًا إلى 1 من 199.

    وبغض النظر عن حجم المجتمع، يمكننا تحسين فرصنا بزيادة عدد مرات الاختيار. فلنتصور مرة أخرى قبيلة فيها مئة فرد. احتمال اختيار رجل له أخ واحد يبقى 36.79٪، واحتمال اختيار هذا الأخ في الاختيار الثاني هو 1/99. فإذا سُمح لنا باختيار ثالث، فإن احتمال العثور على الأخ يرتفع إلى 1/98، ثم 1/97 في الاختيار الرابع، وهكذا. وإذا سُمح لنا بتسعة وتسعين اختيارًا، فسنكون قد ضمنّا العثور عليه، إلى جانب كل مجموعات الإخوة الأخرى في القبيلة.

    وهنا تظهر الفائدة المتعلقة باكتشاف الإخوة في تحليلنا للمصادر العربية التاريخية. فإذا استخرجنا من هذه المصادر كل الأسماء المحفوظة للرجال البالغين في قبيلة مجهولة الحجم، فإن افتراضنا الأول سيكون أن هذه الأسماء تمثل عينة من المجتمع الأصلي. وذلك لأننا نتوقع أن المؤرخين الذين حفظوا هذه المادة لم يحتفظوا إلا بالأسماء التي كانت لها أهمية روائية ما، ولم تكن لديهم الرغبة ولا الوسائل اللازمة لإنشاء إحصاء كامل شامل.

    ومع ذلك، فإن عدد الإخوة داخل هذه العينة قد يعطينا مؤشرًا على حجم المجتمع الأصلي. فإذا كانت العينة معقولة الحجم، لكنها لا تلتقط أي إخوة، أمكننا أن نستنتج أن المجتمع كان أكبر بكثير من العينة. أما إذا التقطت بعض الإخوة، أمكننا أن نقول إن المجتمع كان أكبر من العينة ولكن بفارق أقل. وكلما اقترب حجم العينة من حجم المجتمع، التقطنا مجموعات إخوة أكثر. فإذا وجدنا أن العينة تحتوي على التوزيع نفسه للرجال الذين لهم إخوة مقارنة بمن لا إخوة لهم كما يتنبأ به بواسون، عرفنا أننا لم نعد أمام عينة، بل أمام مجتمع كامل.

    تقديم البيانات

    بعد هذا التمهيد النظري، يمكننا الآن أن ننتقل إلى البيانات المحفوظة في التراث. ومصدرنا الرئيس هنا هو نسب قريش للزبيري. وقد ثبت في بحوث سابقة أن بعض فئات البيانات في هذا المصدر تبلغ من الجودة حدًا يجعل تحليلها الإحصائي ذا معنى.

    ولكي نضمن أننا لا ننظر إلا إلى ذكور بالغين، فسنقتصر على أسماء الرجال القرشيين الذين ذُكر أنهم عقدوا زواجًا واحدًا على الأقل أو أنجبوا ولدًا واحدًا على الأقل من سرية. ومن حيث التعرف على الإخوة، فذلك سهل جدًا بفضل تقاليد التسمية العربية التي تأتي في صورة سلاسل أبوية. وهذه السلاسل نفسها تتيح لنا أيضًا أن ننظم الأنساب بحسب الأجيال، وبذلك لا نخلط بين رجال عاشوا في عصور مختلفة.

    وبحسب أكثر النسابين، فإن القرشي هو كل من يمتد نسبه الأبوي إلى رجل اسمه فهر. فإذا استخرجنا الذكور من نسل فهر من كتاب نسب قريش حصلنا على 1063 رجلًا إما تزوجوا وإما أنجبوا ولدًا واحدًا على الأقل من أمة. ويمكن تنظيم هذه البيانات زمنيًا بترتيبها بحسب الأجيال. فجعلنا الجيل صفر هو جيل قصي، الذي يقال إنه هو الذي أقام قريشًا في مكة، وبذلك يكون محمد في الجيل الخامس، ويكون فهر في الجيل ناقص ستة.

    لنبدأ بجيل محمد، الذي يتألف من 131 رجلًا بالغًا. وكما ذكرنا من قبل، لو كانت هذه عينة من مجتمع أكبر بكثير، لتوقعنا أن يكون عدد الإخوة الذين تلتقطهم قليلًا جدًا، وأن يكون العدد الكلي للآباء الذين أنجبوا هذه العينة قريبًا جدًا من حجم العينة نفسها. لكن هذا ليس ما نجده. فمن بين هؤلاء الرجال الـ131 يوجد 80 رجلًا لهم أخ واحد على الأقل، وهؤلاء الـ131 رجلًا قد أنجبهم 82 أبًا فقط.

    وهذا يدل على أن حجم العينة قريب جدًا من حجم المجتمع كله. بل يمكننا أن نذهب أبعد من ذلك: فإذا كان الجيل الذي أنجب جيل محمد يحتوي هو نفسه على 131 رجلًا بالغًا — كما ينبغي أن يكون لو كان المجتمع ثابت الحجم على المدى الطويل — فإن توزيع بواسون يتنبأ بأن 36.79٪ منهم لن ينجبوا ابنًا. و36.79٪ من 131 = 48، أي إن 83 فقط من هؤلاء الرجال ينبغي أن يظهروا في السلاسل الأبوية لرجال جيل محمد. وهذا يقترب اقترابًا مدهشًا من الرقم الذي نجده فعلًا في السلاسل النسبية كما حفظها نسب قريش، وهو 82 أبًا.

    هل نحن أمام مجتمع ثابت الحجم أم مجتمع آخذ في التوسع؟

    يفترض هذا الاستدلال أن عدد السكان الكلي لم يكن في حالة نمو. وعلى المدى الطويل، وعبر سكان العالم عمومًا، فإن هذا الافتراض معقول؛ فالسكان كانوا ينمون ببطء شديد جدًا، بمعدل لا يتجاوز كسورًا من الواحد بالمئة سنويًا. لكننا لا نستطيع أن نتيقن من أن هذا النمو البطيء كان سمة للمجتمعات على المستوى الصغير. فقد يكون من الممكن أن جماعات صغيرة مثل قريش كانت تمر بدورات من ازدهار وانهيار، أي من نمو سكاني سريع يعقبه انهيار.

    وهذه النقطة مهمة لأنها تغيّر أحد افتراضات توزيع بواسون. فإذا كان عدد السكان يتضاعف في كل جيل — وهو تقريبًا أسرع معدل ممكن لنمو مجتمع بشري — فهذا يعني أن الرجال القرشيين كانوا في المتوسط يُنتجون ابنين يصلان إلى سن الرشد. وبذلك سيحتوي مجتمعنا الأصلي على عدد كبير من الإخوة، ويصبح التقاط هؤلاء الإخوة في عيّنة ما أكثر احتمالًا. وفي هذه الحال، فإن توزيع 82 أبًا على 131 رجلًا من جيل محمد كما يسجله نسب قريش لا يكون سجلًا كاملًا لمجتمع ثابت، بل عينة من مجتمع ينمو بسرعة كبيرة.

    لكن يمكن استبعاد هذا التصور، لأننا نجد نِسَبًا مشابهة من الأبناء إلى الآباء في الأجيال المحيطة بجيل محمد. فلو كان المجتمع يتضاعف كل جيل، لكان ينبغي أن يتناقص عدد الإخوة الذين تلتقطهم مصادرنا تبعًا لذلك، وأن يزداد عدد الآباء المسجلين المنتجين لكل جيل بما ينسجم مع هذا التوسع. غير أن هذا لا يحدث، كما هو موضح في الجدول الأول في المقالة.

    والارتباط بين تقديرات بواسون والأرقام المسجلة فعليًا قريب جدًا، والأهم من ذلك أن المصادر تسجل عددًا أقل من الآباء مما يتوقعه بواسون، وهذا ليس ما كنا سنجده لو كان المجتمع يتوسع بسرعة.

    وبصياغة أخرى: لو كانت سجلات الجيل الرابع عندنا مجرد عينة تمثل نصف مجتمع يتضاعف كل جيل، لكان المجتمع الكلي قد بلغ بحلول الجيل السابع نحو ألفي رجل. لكن على الرغم من بقاء حجم عيّنتنا المفترضة في الجيل السابع قريبًا من حجمها في الجيل الرابع، فإنها ما تزال تلتقط الإخوة بمعدل قريب جدًا من المعدل السابق.

    والتفسير الأبسط لكل ذلك هو التفسير المدهش نفسه:
    أن كتاب نسب قريش للزبيري يحتوي على سجل كامل لجميع الرجال القرشيين في الأجيال 4 و5 و6.
    وبعبارة أخرى، فهو يضم مجموع الذكور القرشيين البالغين الذين تزامنت حياتهم مع بلوغ محمد سن الرشد. ولو كان هؤلاء مجرد مجموعة ذات أهمية روائية من مجتمع أكبر، لما وُجد تفسير بسيط يشرح كيف يمكن أن تتوزع روابطهم الأبوية على نحو يطابق توزيع بواسون. والواضح أن ذريتهم تذكرت أسماءهم جميعًا، وتذكرت على الأقل زواجًا واحدًا لكل واحد منهم، ثم حفظت ذلك طويلًا حتى حوّله الزبيري إلى الصورة التي نراها في مخطوطاتنا الموجودة اليوم.


    تقدير عدد سكان مكة في زمن محمد

    سنقترح الآن طريقة لتحويل هذه الأرقام إلى تقدير لحجم قريش كله، وبالتالي إلى تقدير لحجم سكان مكة. والمنهجية التي ستأتي تحتاج إلى بعض الافتراضات قبل الوصول إلى العدد النهائي، لكن سيظهر في النهاية أن هذه الافتراضات لا تغيّر الخلاصة الأساسية.

    سنبدأ بمعلومة صلبة:
    نسب قريش يسجل 131 رجلًا من جيل محمد، وقد جادلنا أعلاه بأن هذا الرقم يمثل العدد الكامل للذكور في هذا الجيل الذين تزوجوا وبالتالي بلغوا سن الرشد. وهذه المعلومة تتيح لنا أن نُدخل في الحساب مجموعات سكانية أخرى أفضل توثيقًا، تحتوي على نسب توزيع بين الرجال البالغين والنساء والأطفال.

    والتوزيع المستخدم هنا هو التوزيع الذي وُجد في البيانات الخاصة بديموغرافية بدو جنوب سيناء. وقد وجدت هذه البيانات — التي جُمعت في سبعينيات القرن العشرين — أن 31.1٪ من السكان كانوا رجالًا بالغين.

    وقد يعترض معترض بأن هناك تباينًا كبيرًا محتملًا بين البنية السكانية لقريش في مكة والبنية السكانية لبدو سيناء في القرن العشرين. لكن إذا رجعنا إلى مصادر أخرى وجدنا أن المعامل الناتج قريب من التقدير المطلوب. ففي دراسته السكانية لمصر اليونانية الرومانية استخدم Rathbone معاملًا يساوي 3.1 لتحويل الرجال البالغين إلى مجموع السكان. أما المعامل المستخرج من بيانات بدو سيناء فهو 3.21. وهذا يكفي جدًا لغرضنا، كما أنه يسمح بدرجة أفضل من التفصيل في مناقشة البيانات السكانية.

    وباستخدام بيانات بدو جنوب سيناء نجد أن 131 رجلًا من جيل محمد يمثلون جزءًا من مجموع كلي يبلغ 421 فردًا من القبيلة. ومن هؤلاء:

    • 184 طفلًا دون الخامسة عشرة
    • 17 من الرجال والنساء الشيوخ فوق الستين

    وقبيلة حجمها 421 فردًا تقع ضمن الأحجام المعروفة في دراسات البدو في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، إذ تتراوح تلك القبائل بين 261 و785 فردًا.

    أما تقدير عدد سكان مكة فيقتضي إضافة عوامل أخرى. فرغم أن مصادرنا لا تذكر وجود جماعات غير قرشية كبيرة مقيمة في مكة في زمن محمد، إلا أنه لا بد من وجود عدد كبير من غير القرشيين موزعين داخل البيوت، وأهمهم:

    • نساء غير قرشيات دخلن بالزواج
    • عبيد وإماء من الجنسين

    وفيما يتعلق بالزوجات، يفترض الكاتب أنه لكل زوجة غير قرشية دخلت مكة، خرجت امرأة قرشية بالزواج إلى خارج القبيلة، وبذلك لا يكون هناك صافي تغير سكاني من هذه الجهة. أما من جهة العبيد، فإنه يتخذ بيت محمد قبل الهجرة نموذجًا، ويفترض أن لكل رجل بالغ عبدًا واحدًا. وهذا يضيف 131 رقيقًا، على فرض أن كل رجل بالغ يشكل نواة بيت واحد. فينتج عن ذلك رقم نهائي هو 552 فردًا يعيشون في مكة في زمن محمد.

    ولا يمكن أن يكون عدد سكان مكة أقل كثيرًا من هذا الرقم. فحتى لو افترضنا افتراضًا بدائيًا مجردًا بوجود عدد متساوٍ من النساء والرجال مع عدد محدود من الأطفال، فسنظل أمام مجتمع يقارب 300 شخص. أما الحد الأعلى فمفتوح لقدر من التفاوت، إذ يمكن أن تكشف قراءة أقرب للمصادر أن كل رجل قرشي كان عنده من العبيد والزوجات أكثر مما فُرض هنا، أو أن تُظهر دراسات ديموغرافية أخرى مجتمعات فيها نسبة رجال بالغين أقل من النسبة المعتمدة، أو أن تكشف نماذج رياضية أفضل أن تداخل الأجيال عامل ينبغي إدخاله في الحساب.

    لكن حتى لو أخذنا أقصى تقدير ممكن في كل هذه المراجعات، فإننا سنظل نتحدث عن عدد في المئات لا في الآلاف. وهذه هي النتيجة الحاسمة، لأنها تؤكد شيئًا كان المؤرخون يشتبهون فيه منذ زمن طويل:
    مكة كانت صغيرة.
    بل إننا الآن نعرف تقريبًا كم كانت صغيرة. فقبل هذا التحليل، لم يكن أمام المؤرخين إلا أن يصفوا مكة بأنها “بلدة” أو “مستوطنة”، وهي أوصاف واسعة الدلالة. أما قولنا: “بضعة مئات من الناس”، فمعناه محدد لا يحتمل التوسع.

    ورغم أن الافتراضات والاختصارات السابقة قد تبدو خشنة في نظر المتخصص في الديموغرافيا الحديثة، فإن النتائج دقيقة بالقدر الكافي تمامًا لحاجة مؤرخ الإسلام المبكر. فهذه التقديرات النهائية تجعل صغر مكة واضحًا، وتتيح لنا أن ننتقل إلى المشكلة التالية:
    كيف استطاع مجتمع صغير إلى هذا الحد أن يمارس تأثيرًا ضخمًا؟


    قريش وأصول الإسلام

    إن تصور جماعة صغيرة ذات قوة كبيرة ليس في ذاته أمرًا عسير الفهم؛ فهذا هو تعريف النخبة في الأساس. فبعد الفتوحات الإسلامية، كانت قريش بالفعل أقلية صغيرة جدًا تحكم ملايين الرعايا، ومن الواضح عند قراءة المدونات التاريخية التقليدية أن مكانة قريش بعد الإسلام بوصفها قبيلة نبيلة ذات أهمية عابرة للقارات قد أُسقطت باستمرار على ماضيها السابق للإسلام.

    لكن من الصعب جدًا أن نرى قريش الجاهلية بوصفها خلافة أولية أو نواة دولة قبلية عظمى. فالخلفاء كانت لديهم إيرادات مستقرة تعتمد أساسًا على الفائض الزراعي، وكانوا يوزعون هذا المال على أدوات الإكراه والحماية، فيحمون بذلك النظام السياسي والاقتصادي. أما وضع قريش قبل الإسلام فلم يكن كذلك إطلاقًا. فالوادي الذي أقاموا فيه في مكة لا ينتج زراعة، ولذلك كانت قريش معتمدة اعتمادًا كاملًا على جيرانها، وإلا ماتت جوعًا أو أُخرجت من موضعها. والعلاقة بين قريش والبدو لم تكن شبيهة بعلاقة الجِنتري بالفلاحين الملازمين للأرض؛ لأن الرعاة البدو كانوا شديدي الحركة، وكانوا يستطيعون بسهولة تغيير ولاءاتهم.

    ولا نحتاج إلى توزيع بواسون لنعرف أن هنا مشكلة. فهذه المشكلة المتعلقة بضعف قريش قبل الإسلام أعمق من مجرد المصطلحات، بل يمكن أن تصل إلى التشكيك في أصل الفرضية نفسها، أي في وجود قريش في مكة قبل الإسلام بالصورة التي تصفها المصادر. فمنذ أكثر من ثلاثين عامًا استخدمت Patricia Crone هذا التناقض نفسه ضمن محاولتها تقويض الرواية الإسلامية التقليدية بأكملها، فسألت: كيف أمكن لمحمد و”عصابة السلب” الخاصة به أن يهزموا قريشًا “النخبوية” التي يُفترض أنها كانت تعيش على بعد مئتي ميل؟ وبلغ بها الأمر من شدة شعورها بضعف الرواية التقليدية أن اقترحت أن الصلة بين الإسلام ومكة قد تكون من صنع الفترة اللاحقة بعد النبي.

    لكن كرون نفسها تعرض تفسيرًا بديلًا أقل تطرفًا، فتقترح أن دور مكة في الحجاز لا بد أنه كان أقل بكثير مما افترضته الروايات اللاحقة. وهذا التفسير يشترك فيه باحثون آخرون. فمثلًا يرى Aziz al-Azmeh أن قريش لا بد أنها اعتمدت على الأحلاف في إسقاط القوة العسكرية، لأنها لم تكن كثيرة العدد ولا ذات بأس عسكري كبير، بل استثمرت قوتها الدينية التجارية المرتبطة بالحرم نحو أغراض دبلوماسية. ويذهب Fred Donner إلى اتجاه قريب حين يناقش تموين مكة الغذائي، إذ يرى أن طبيعة الوادي فرضت على قريش اعتمادًا على شبكة من التحالفات المتبادلة من أجل إبقاء الطرق مفتوحة، لكي تتمكن من مبادلة فوائضها المحلية غير الغذائية بحبوب الشام. وهذا الفهم لمكة وقريش باعتبارهما فاعلين ثانويين ينعكس كذلك في غيابهما شبه التام من الشعر الجاهلي، ومن التواريخ غير الإسلامية، ومن الأدلة الأثرية.

    لكن مع أن نموذج “مكة الدنيا” أو “مكة المحدودة” يفسر كيف استطاع محمد أن يهزم قريشًا، فإنه يثير مشكلة أخرى:
    إذا كانت قريش ضعيفة إلى هذا الحد، فكيف استطاعت أن تحافظ على سيطرتها على مكة من زمن قصي إلى زمن محمد، أي خمسة أجيال — أو نحو 150 سنة — فيما تقول به الرواية التقليدية؟

    بعض العلماء يقترحون أن لقريش مكانة خاصة في جزيرة العرب كانت تضمن لها الأمان. فـ al-Azmeh يرى أن قريش كانت لَقاحًا، مثل بني حنيفة في اليمامة، أي جماعة ذات أنساب لا تقوم على كثرة العدد ولا على البأس العسكري، لكنها مع ذلك مستقلة وغير خاضعة للجباية. ويذكر Kister معنى قريبًا حين يشير إلى الجاحظ، الذي يؤكد أن قريش بقيت لَقاحًا، أي مستقلة.

    لكن حين نأتي إلى السؤال عن ما الذي كان يَضبط هذا النظام ويحرسه، نجد أن التفسيرات لا تفي بالغرض. فـ Kister يرى أن مكانة قريش كانت ناتجة من الشبكات التجارية التي كانت تبنيها منذ زمن هاشم. إلا أن تفسيره متجذر بعمق في الروايات التقليدية، ولا يقدّم ردًا على الاعتراض القائل إن هذه الأخبار نفسها قد تكون إسقاطات لاحقة من فترات متأخرة.

    أما al-Azmeh فيرى أن منزلة قريش ارتبطت بانسحاب جيش أبرهة بعد محاولته هدم مكة. وهذا — عنده — أكسب الحرم وحُرّاسه معًا نوعًا من الحرمة احترمته القبائل المحيطة وصانته. وهنا نملك بالفعل بعض الشواهد الخارجية؛ فغزو أبرهة مذكور في نقوش جنوب الجزيرة العربية. بل إن Christian Robin ذهب إلى أن حملة أبرهة على مكة تاريخية على الأرجح، لأنها تقدّم تفسيرًا مقبولًا لسيادة قريش في العقود الأخيرة من القرن السادس، مع أن هذه القبيلة — على حد قوله — كانت مستقرة في بيئة غير صالحة، ومعروفة بقلة عددها وفقرها. كما يلاحظ Robin أن الروايات العربية التقليدية تزعم أنه بعد هذه الحملة أقامت قريش سوق عكاظ وأحلاف الحُمس، وربما دل ذلك على دفعة في مكانتها اكتسبتها بسبب الدفاع عن مكة.

    لكن نظرية أبرهة هذه تواجه مشكلات.
    أولها أنها لا تفسر مكانة قريش قبل منتصف القرن السادس؛ فبحسب الرواية التقليدية، كانت القبيلة مستقرة في مكة منذ جيلين على الأقل قبل ذلك. والمشكلة الثانية أنه لا يوجد دليل خارجي يربط قريش مباشرة بصدّ الأحباش؛ فمع أن النقوش الجنوبية تسمي قبائل عربية وتذكر يثرب في سياق الحملات، فإنها لا تشير إلى مكة ولا إلى قريش. وفوق ذلك، فإن الدراسات الأنثروبولوجية والمصادر التاريخية نفسها تؤكد أن العرب — كسائر الناس — مرنون في ولاءاتهم ومعتقداتهم حين يعيشون خارج سلطة مؤسسية ملزمة.

    ويرى الكاتب أن الحل الأكثر إقناعًا لهذه المعضلة موجود داخل السجلات النسبية نفسها.
    فالتحليل الإحصائي للأجيال التي سبقت أبا النبي سيكشف أن كثيرًا مما تخبرنا به الرواية التقليدية عن قريش الأولى غير صحيح؛ أي إن قريش لم تكن قبيلة قديمة ذات مكانة رفيعة راسخة، ولم تكن مقيمة في مكة منذ زمن بعيد قبل مولد محمد. بل إن ظهورها بالشكل الذي نعرفه اليوم يتزامن مع أحداث منتصف القرن السادس، وربما تم عبر حلف جماعي لقبائل من الحجاز الأوسط. وقبل ذلك الزمن لم يكونوا معروفين باسم “قريش”، ولم يكونوا سكانًا مستقرين في مكة.

    قريش الأولى

    لقد أظهر التحليل الإحصائي للسلاسل الأبوية في الأجيال 4–7 أن سجلات نسب قريش في هذه الفترة تمثل مجتمعًا كاملًا ذا حجم شبه ثابت. وينعكس هذا في البيانات النسبية نفسها؛ إذ تمثل هذه الأجيال هضبة مستقرة في عدد السجلات المحفوظة في عدة فئات من البيانات. ويُرى ذلك في الشكل الثاني من المقالة، الذي يوضح عدد الرجال القرشيين المتزوجين في كل جيل.

    لكن ما يعنينا الآن هو الصعود الذي يسبق هذه الهضبة، وبخاصة الأجيال الممتدة من قصي (الجيل 0) إلى جيل جد النبي (الجيل 3). وكما ذُكر آنفًا، فمن المرجح أن حجم القبيلة كان ثابتًا على المدى الطويل؛ ولذلك ينبغي أن يكون جيل قصي في حجمه مماثلًا لجيل محمد. لكن كونه أصغر بكثير يكاد يدل على أن عددًا من الناس مفقود من السجل.

    والافتراض الأول هنا هو أن الأسماء المبكرة المتبقية تمثل بقايا عملية تصفية ماتت فيها بعض السلاسل الأبوية، فلم يبق محفوظًا إلا ما استمر منها حتى الجيل الرابع. وهذا الأثر — الذي يمكن نمذجته بعملية Galton-Watson المشار إليها في المقال — يجعل المجتمع يبدو لنا وكأنه مجتمع ينمو في تلك الأجيال المبكرة.

    لكن حين نتأمل هذه الأجيال المبكرة عن قرب، نصطدم بمشكلة خطيرة في بياناتنا. فالرجال في هذه المرحلة ينجبون عددًا من الأبناء الذكور البالغين أعلى بكثير مما يتوقعه توزيع بواسون، وأعلى أيضًا مما سينجبه أحفادهم في الأجيال التالية.

    وسيعالج الكاتب هذين الانحرافين على حدة، مبتدئًا بالانحراف عن توزيع بواسون. فكما رأينا سابقًا، يخبرنا بواسون باحتمال أن يُنجب الأب عددًا معينًا من الأبناء الذكور الذين يصلون إلى سن الرشد. وأكثر عدد شيوعًا أن يُنجب الرجل ابنًا واحدًا، ثم تتناقص الاحتمالات كلما ازداد العدد. وحين نصل إلى الأرقام الكبيرة تصبح الاحتمالات ضئيلة للغاية. فمثلًا احتمال أن يُنجب الرجل سبعة أبناء يبلغون سن الرشد هو 0.0073٪ فقط؛ أي إننا نتوقع حدوث ذلك مرة واحدة تقريبًا في مجتمع فيه 13,700 رجل بالغ. ومع ذلك، نجد في الجيل الثالث — جيل جد النبي — ثلاث حالات لأب واحد أنجب سبعة أبناء بلغوا سن الرشد، مما يوحي بمجتمع ذكوري بالغ يقارب 40,000 رجل، وبمجموع سكاني يتجاوز 100,000. كما نجد حالة واحدة لأب له ستة أبناء، وحالتين لأب له أربعة أبناء، و12 حالة لأب له ثلاثة أبناء.

    أما إذا قارنّا هذه الأجيال اللاحقة بما بعدها، وجدنا أن الأرقام في الجيلين 0 و1 معقولة؛ ففوق ثلث رجال هذين الجيلين بقليل ليس لهم إخوة، وهي النسبة نفسها تقريبًا التي نجدها عند معاصري محمد. لكن ما إن نصل إلى الجيلين 2 و3 حتى ينهار هذا الانسجام؛ إذ يظهر عدد كبير جدًا من الإخوة. والمشكلة أكثر وضوحًا في الجيل 2، حيث نجد 18 رجلًا لهم أخ واحد، في حين أن 9 رجال فقط ليس لهم إخوة، بينما كان ينبغي — لو وافقنا بواسون — أن يكون الرقمان متقاربين. ولسبب ما، فإن الآباء في هذه الفترة يربّون إلى سن الرشد عددًا من الأبناء أكثر بكثير مما استطاعوا أن يفعلوا قبلها أو بعدها. ومع فقر قريش النسبي في الفترة السابقة للإسلام، فهذا ليس مما نتوقعه إطلاقًا.

    والسجلات النسبية — على هذا — تحاول أن تقنعنا بأن قريش في الجاهلية، حين لم تكن تملك أكثر من مزار أو حرم، كانت تُنتج من الأبناء أكثر مما كانت تُنتجه في عصر الخلافة، حين كانت تتحكم في إمبراطورية. وهذا في نظر الكاتب غير معقول تمامًا، ولا يفسَّر إلا بتفسير واحد:
    أن هذه العلاقات المبكرة ليست حقيقة بيولوجية، بل تاريخ متخيَّل مُعاد بناؤه. والتفسير الأقرب هو أن مجموعات من الرجال ذوي أصول مختلفة أعادت عقلنة ماضيها داخل شجرة عائلة واحدة مشتركة، لكي تدّعي انحدارًا واحدًا. والأعداد الكبيرة من الإخوة والأبناء في الجيلين 2 و3 ليست إلا آثارًا لعملية تركيب هذه الشجرة؛ فهؤلاء الآباء المفرطو الخصوبة هم نقاط التقاء رُكبت عندها سلاسل أبوية كثيرة في أصل واحد.

    ويضيف الكاتب أن الأدلة السردية نفسها تشير إلى أن هذا النوع من التلاعب الجينيالوجي كان ممارسة مألوفة. فنراه على المستوى الفردي في الأخبار المتكررة عن العثور على قريب ضائع قد نسي نسبه أو أهمله، وهي الطريقة التي تروي بها المصادر دخول شخصيات كبيرة مثل قصي وعبد المطلب إلى القبيلة. وهي نفسها الطريقة التي أُدخل بها زيد — مولى النبي السابق — في القبيلة، إذ عُرف زمنًا باسم زيد بن محمد. وفي مواضع أخرى أُدمجت جماعات كاملة وجلبت معها أنسابًا طويلة رُبطت بالماضي البعيد. ويذكر الكاتب هنا قريش الظواهر خاصة، وهم “قريش الخارجية”، الذين لُصقوا بالنسب عند مستوى فهر وأحفاده. وأبرز مثال على ذلك فرع الحارث بن فهر، وهو فرع غامض من قريش يظهر فيه اضطراب واضح في تزامن الأجيال بالنسبة للأحداث والزيجات التي دخل فيها.

    فالعدد غير المحتمل إحصائيًا من الإخوة في الجيلين 2 و3 هو دليل على أن عملية التبنّي النَسَبي هذه كانت تحدث على نطاق واسع جدًا. بل يوجد ما هو أكثر من ذلك. فعندما ننظر إلى بيانات الزواج على نحو أدق، نجد أنها تحتفظ بآثار من الانتماءات القبلية السابقة للرجال الذين صاروا فيما بعد يُعرفون باسم قريش. وهذا الأثر محفوظ في أسماء النساء اللواتي تزوجهن هؤلاء الرجال.

    قرابة كنانة

    بحسب الأدب النسبي والتاريخي، كان أقرب أقارب قريش هم كنانة، وهي قبيلة كبيرة مجاورة انفصلت عنها قريش لكنها حافظت معها على صلات وثيقة. غير أن الكيفية التي وقع بها هذا الانفصال غامضة على نحو مثير للريبة؛ فحين يصل قصي إلى الحجاز — بعد أن يُقال إنه نشأ في الشام — يقوم ببساطة بجمع قريش من بين كنانة، رغم أن قريش لم تكن قبل ذلك قد أظهرت هوية جماعية موحّدة.

    ولو كانت هذه القصة صحيحة، أي لو كانت قريش بالفعل قد انفصلت من كنانة، لوجب أن تظهر آثار ذلك في أقدم سجلات الزواج القرشي. فبيانات الزواج في الأجيال اللاحقة تُظهر أن الشريك الأكثر احتمالًا لأي فرد هو ابن العم أو بنت العم. لكن من بين 200 زواج قرشي عقده رجال يسبقون الجيل الثالث، لا نجد إلا ست حالات لزواج رجال قرشيين من نساء كنانيات، وأربع من هذه الزيجات تعود إلى رجال من الفروع البعيدة: عامر بن لؤي والحارث بن فهر.

    والمفاجأة أن القبيلة التي تزاوجت معها قريش بأكثر تكرار لم تكن كنانة، بل قبيلة أبعد نسبًا، هي خزاعة. فهناك 21 زواجًا مسجلًا بين قريش وخزاعة، والرجال القرشيون الذين عقدوا هذه الزيجات ينتمون إلى بطون مركزية مثل:

    • سهم
    • جمح
    • عدي بن كعب
    • تيم بن مرة
    • مخزوم
    • وذرية قصي نفسها

    وفقط في الجيل الثالث يبدأ هذا النمط في التغيّر، إذ تظهر زيادة مفاجئة في الزيجات الكنانية، ولا تتفوق الزيجات الكنانية على الخزاعية إلا في الجيل الرابع. ويعرض الشكل الثالث في المقالة هذا التحول بوضوح.

    ولهذا نتيجتان كبيرتان.
    الأولى تتعلق بثبات بيانات الزواج نفسها. فلو كانت علاقات الزواج هذه اختلاقًا من أواخر الجاهلية أو أوائل الإسلام، لتوقعنا أن يكون هذا الاختلاق موافقًا للصورة المتفق عليها آنذاك، وهي أن قريش قريبة النسب من كنانة. أما أن تُخترع زيجات قديمة بين أسلاف قريش وخزاعة — مع أن الناس في تلك العصور كانوا يعتقدون أن الروابط الجينية والسياسية بينهما محدودة — فهذا لا معنى له. وبالتالي، فإن هذه الزيجات القديمة بقايا تاريخية حقيقية، وليست صناعة متأخرة؛ إنها آثار من زمن كانت فيه خزاعة أقرب بكثير إلى ما صار لاحقًا يُعرف باسم قريش — أو بدقة أكبر: أقرب إلى الأسلاف البيولوجيين للذين سيُعرفون فيما بعد باسم قريش.

    أما النتيجة الثانية فهي أن هذا التحول يمثل انقطاعًا كبيرًا آخر في النمط الجينيالوجي، وقع في جيل جد النبي. فقد رأينا بالفعل أن رجال الجيل الثالث يصدرون عن عدد من الآباء لا يقبله الاحتمال الإحصائي. والآن نلاحظ أن هؤلاء الرجال أنفسهم — وأبناءهم أيضًا — هم أول من تزوج نساء كنانيات بكثرة. وإذا أخذنا بالجدية والثبات اللذين تتسم بهما بيانات الأجيال اللاحقة، فيلزمنا أن نقول إن فكرة أن قريش كيان قبلي متماسك شديد القرب من كنانة هي نتاج جيل جد النبي، وليست سابقة له ولا لاحقة عليه.

    وإذا جعلنا منتصف حياة محمد البالغة هو سنة 610م، ورجعنا جيلين إلى الوراء، فهذا يعني أن نشوء قريش يرجع إلى منتصف القرن السادس الميلادي. ومن منظور جيوسياسي، يبدو هذا معقولًا؛ إذ يتزامن مع:

    • طاعون جستنيان
    • وسياق غزو أبرهة للحجاز

    ويقترح الكاتب أنه في وسط هذا الاضطراب رأت مجموعة متفرقة من بضعة مئات من أبناء القبائل فرصة لإنشاء مشروع ديني-تجاري، أعادوا فيه صياغة روابطهم النسبية القائمة داخل كيان قبلي شبه جديد.

    وجعلوا من الاستقرار في مكة رمزًا لهذا المشروع؛ فوعورة المكان كانت في ذاتها بيانًا عامًا على نجاحهم، وأطلقوا على أنفسهم اسم “قريش”، وهو اسم يرتبط بمعنى “التجمّع”. وفي هذا الموضع من التاريخ تخبرنا المصادر أنهم أقاموا سوق عكاظ وحلف الحُمس. وربما أسهمت أحداث السبعينيات والثمانينيات من القرن السادس أيضًا في ترجيح كفتهم، مثل:

    • انهيار حِمْير
    • وانسحاب الدعم الروماني عن الجفنيين في الشام
      فقد سقطت بذلك شبكات التحالف التي كانت تلك الدول تمثلها، ونتج عن ذلك فراغ قوة في شمال غرب الجزيرة.

    وهذا الفهم الجديد لماضي قريش يفسّر أشياء كثيرة كان من المتعذر فهمها داخل السرد التقليدي. فعندما نفهم قريش على أنها قبيلة صغيرة تعتمد مكانتها على رضا جيران أقوى منها، يمكننا أن نفهم بسهولة كيف استطاع محمد وأتباعه أن يغلبوها. وحين نفهم قريش على أنها اختراع حديث نسبيًا، لا نعود بحاجة إلى تفسير كيف نجا هذا البناء الهش قرنين كاملين في بيئة مضطربة. وحين نفهم نشأة القبيلة على أنها تجمّع مادي فعلي أكثر من كونها حقيقة نسبية قديمة، أمكننا أن نفسر اسمها نفسه؛ فهو — بخلاف معظم أسماء القبائل — لا يرجع إلى جد فرد. وحين ندرك سيولة العلاقات الأبوية، نفهم أن الأمر القرآني في آية “ادعوهم لآبائهم” هو قول سياسي عميق، لا مجرد حكم فقهي في الزواج؛ إنه محاولة لمنع المسلمين الأوائل من إنشاء أحلاف خارج جماعتهم.

    فبخروج محمد والمؤمنين معه من وادي مكة، لم يعودوا جزءًا من “التجمع”؛ لقد خرجوا من قريش، وصاروا مهاجرين، وكانوا يؤسسون شيئًا آخر: جماعة المؤمنين.

    الآثار المترتبة الأخرى

    في خاتمة كتابها Meccan Trade and the Rise of Islam أنهت Patricia Crone هدمها النقدي للرواية التاريخية الإسلامية بقولها إن القليل قد تعلّمناه والكثير قد أُزيل مما كنا نظنه علمًا. وبعد جيل من الزمن، وباتباع المنهجيات نفسها التي دعت إليها كرون، يمكننا أن نقول العكس: إن التحليل الإحصائي لبيانات الزواج القرشية قد أخرج لنا ثروة محرجة في كثرتها من المعطيات المتعلقة بالديناميات الاجتماعية في جزيرة العرب المتأخرة العهد القديم وبنشأة الإسلام.

    وعليه، فالدراسة السابقة ليست خاتمة، بل بداية. فبعد أن ثبتت صلاحية هذا المسلك المنهجي، أصبح الميدان مهيأ لدراسات مستقبلية عن الديناميات الاجتماعية العربية في أواخر العصور القديمة. ويقترح الكاتب أربع جهات أو خمسة مجالات يمكن متابعة البحث فيها:

    1) هل كان كثير من القرشيين قد خرجوا أصلًا من خزاعة؟

    هناك عدد مدهش من الإشارات في السجل النسبي يوحي بأن هذا هو الحال. فإضافة إلى الزيجات، نجد عدة أسماء شخصية متشابهة على نحو مثير للريبة في أنساب المجموعتين معًا. وأكثر من ذلك، نجد في اسمي القبيلتين أنفسهما ما يستحق النظر؛ فخلافًا لمعظم القبائل، لا يرجع اسماهما إلى جدّ فرد. واسم “قريش” بمعنى “التجمع” يمكن أن يُرى على أنه ضدّ الجذر الذي يُشتق منه اسم “خزاعة” بمعنى “التفرّق” أو “التشتت”.

    غير أن هذا يثير أسئلة أخرى. فإذا كانت قريش قد خرجت من خزاعة لتنضم إلى كنانة، فإن ذلك كان سيحتاج إلى قبول الكنانيين، وكان سيحتاج أيضًا إلى أن “يتبرع” بعض الكنانيين بوصلة في السلسلة الأبوية، مما يعني أنه قد يكون داخل قريش بعض من هم كنانيون حقيقيون. وتبقى أيضًا مسألة الاسم: فمن السهل أن نفهم لماذا تختار قريش لنفسها اسمًا يشير إلى الخروج والتجمع، لكن من الأصعب أن نفهم لماذا تتبنى خزاعة اسمًا يبرز تفرقها وعدم تماسكها. ومن ثم قد يكون “خزاعة” اسمًا أطلقه الآخرون عليهم ثم تكرس لاحقًا بعد أن ثبتت قريش نفسها بوصفها حارسة الأرثوذكسية النسبية.

    2) هل النسب صورة مبكرة من صور الأدب العربي؟

    إن كون النسب شكلًا مبكرًا من أشكال الأدب العربي أمر واضح بما يكفي من خلال تواريخ وفاة أصحاب أقدم الأعمال الباقية في هذا الفن:

    • الزبيري توفي سنة 848/851م
    • ابن الكلبي توفي سنة 819/821م
    • السدوسي، صاحب كتاب حذف من نسب قريش، توفي سنة 815/816م

    ويلاحظ الكاتب أيضًا الطبيعة الصيغية لتأليف هذه المصنفات؛ فجميعها تستعمل عبارة “وولد” لافتتاح كثير من الفروع، ويستعمل المتأخران منها عبارة “وهؤلاء” لختم كثير من الأقسام. ويرى أن هذه الصيغ مستمدة على الأرجح من الكتاب المقدس السرياني، الذي يستخدم ما يقابلها من صيغ لافتتاح وختم الأقسام العائلية في المقاطع النسبية من العهد القديم. وهذه المشابهة بين المؤلفين الثلاثة — مع أنهم ليست بينهم روابط أسرية أو جغرافية أو علمية كبيرة — قد تدل على أنهم كانوا يستقون من تقليد مشترك أقدم بكثير.

    ثم يضيف الكاتب إلى الحجج الأدبية والتاريخية الدالة على قدم تشكل هذا الفن حجة أخرى جديدة، هي الاتساق المدهش للمعلومات النسبية نفسها. فمن غير المتصور أن معلومات بهذا القدر من التعقيد والحساسية تكون قد مرت عبر عملية النقل نفسها التي مرت بها مادة الأخبار التقليدية ثم بقيت سليمة على هذه الدرجة. وهذا يقتضي — في رأيه — أن نبدأ في تصور سردية جديدة لأصول أدب النسب، سردية تجعل بدايته في أولى عقود التاريخ الإسلامي، لا بوصفه فرعًا متأخرًا خرج من التاريخ العام.

    بل يرى أن هذا يقتضي إعادة تصور أصول أدب النسب بوصفه نتاج عملية أقرب إلى العملية التي حفظت القرآن المكتوب؛ فكما أن القرآن نص طويل ومعقد ومع ذلك استقر مبكرًا، فكذلك قد يكون النسب استقر مبكرًا لأن استقراره كان يهم المجتمع المبكر. ومن ثم فإن ما نراه في نسب قريش هو طبقات رسوبية من الماضي: ميثاق نسبي ديناميكي يعود إلى جيل جدّ النبي، ثم يتصلب ببطء ليصير ماضيًا أسطوريًا ثابتًا، ثم تضاف فوقه طبقات مستقرة من سجلات الزواج. ودراسة هذا التطور المتشابك بين الشفاهية والذاكرة والكتابة ستعيننا على فهم نشأة الكتابة التاريخية في صدر الإسلام فهمًا أعمق.

    ويختم هذه النقطة بملحوظة أخيرة: يذكر الطبري في تاريخه خبرًا طريفًا مفاده أن ابن الكلبي رجع إلى كنائس الحيرة ليحصل منها على معلومات عن نسب اللخميين. وقد يبدو من السهل ردّ هذا الخبر، لأن الرجوع إلى سجلات ما قبل الإسلام عند علماء العصر العباسي كثيرًا ما يكون مجرد مجاز روائي. لكن الكاتب يرى أنه بعد ما عرفناه الآن من اتساق مادة النسب ومن روابطها اللغوية بالكتاب السرياني، ربما كان من اللازم إعادة النظر في هذا كله.

    3) تقدير سكان مكة يحتاج إلى مزيد من الإدماج المنهجي للمصادر

    إن تقدير سكان مكة الذي قدمته الدراسة قائم على قراءة إجمالية للمصادر الروائية التقليدية، لكن المادة الموجودة فيها أغزر من ذلك، وتحتاج إلى إدماج منهجي أشمل. فقد يكون الزبيري قد فاته بعض القرشيين — وإن كان من المستبعد أن يكونوا كثيرين — لكن الأرجح أن الغياب الأهم يقع في غير القرشيين الذين تنسجهم الروايات المبكرة داخل المشهد. ومن أهم هؤلاء الأحلاف، وهو مصطلح يُترجم عادة بـ “الحلفاء” أو “الملتحقين”، ويشير إلى رجال غير قرشيين يبدو أنهم كانوا مرتبطين بأشخاص أو فروع من قريش. ويسأل الكاتب:
    هل هناك نمط في توزيع هؤلاء الأحلاف؟
    وهل يرتبطون بالأصول القبلية القديمة لأولئك القرشيين أو الفروع القرشية التي ارتبطوا بها؟
    وهل يمكن أن يكونوا مفتاحًا لفهم الكيفية التي كانت تعمل بها العلاقة الدينية-التجارية بين قريش والقبائل المحيطة؟

    4) يجب أن نكون أكثر نقدًا في استخدام ألفاظ مثل “نخبة” و“مدينة”

    تثبت النتائج السابقة شيئًا كان يُشتبه فيه منذ زمن: قريش ومكة كانتا فاعلين صغارًا في الإطار الإقليمي. وهذا يعني أن علينا أن نكون أكثر نقدًا حين نستعمل ألفاظًا مثل “النبل” و**“النخبة”** في وصف قريش، وكذلك حين نصف مكة بأنها مدينة أو بلدة.

    وفي هذا السياق يشير الكاتب إلى عمل حديث لـ Hagemann وآخرين اقترح إطارًا مفاهيميًا يميز بين صور التعبير المختلفة عن التفوق الاجتماعي. وضمن هذا الإطار قد تكون قريش أقرب ما تكون إلى ما يسمى “نخبة غير حاكمة”؛ فهي لا تملك جيشًا خاصًا ولا كثرة رجال تستطيع أن تستدعيهم، وبالتالي كانت قدرتها على فرض إرادتها بالعنف محدودة. وعوضًا عن ذلك، كان لا بد لها أن تمارس قوتها عبر التفاوض وعبر رضا القبائل الأكبر المحيطة بها.

    أما مكة نفسها، فإن تقدير عدد سكانها بـ 552 يعني — في رأيه — أنه ينبغي أن نتوقف عن تسميتها “مدينة” أو “بلدة” بلا تدقيق. فربما كان من الأنسب أن نستفيد من نقاشات لغوية مفصلة — مثل ما قدمته Hagit Nol عن ألفاظ أنماط الاستيطان في المشرق — أو من اصطلاحات جباة الضرائب، مثل مسح النابلسي لفيوم مصر في القرن الثالث عشر، حيث إن مستوطنة بحجم مكة المقدَّر كانت ستقع على الحد الفاصل بين قرية صغيرة وقرية متوسطة.

    ويقترح الكاتب أيضًا إطارًا أكثر طموحًا، مستلهمًا من ناصر رباط، وهو النظر إلى كلمة “مدينة” لا من زاوية الحجم فقط، بل من زاوية اقترانها الاشتقاقي والدلالي بـ الدين والديّان، مع ملاحظة أن القرآن يستعمل أحيانًا “مدينة” و**“قرية”** على نحو متداخل. وفي هذا الفهم تكون مكة قرية اكتسبت وظائف مدينة من حيث إدارة النزاع، والتجارة، والإشراف الديني.

    وفي هذا النموذج لا تكون قريش نخبة بالمعنى الإمبراطوري، ولا طبقة كهنوتية، بل جماعة صنعت لنفسها دورًا خاصًا في الحجاز الأوسط، وهو دور اتصل بالتجارة والوساطة وحراسة بعض الشعائر، وكان له قدر محدود من المكانة المحلية، لكنه ظل في النهاية مشدودًا إلى مصالح الشعوب والقبائل المحيطة أكثر من كونه تعبيرًا عن قوة ذاتية مستقلة.

    5) هل بقيت بعض الجماعات متمسكة بنظام التبنّي القديم؟

    يرى الكاتب أن بعض الجماعات لم تكن متحمسة مثل غيرها لتطبيق الحظر على التبني الذي قرره القرآن. ويضرب مثالًا بمحاولة معاوية أن يُلحق زيادًا به أخًا من جهة الأب، مع أن زيادًا كان في الحقيقة ابن بغيّ ثقفية وأب مجهول. ومثل هذا السلوك — كما يقول — لم يكن ليستغرب في جيل أقدم، لكن في منتصف القرن السابع أثار من السخط ما اضطر الخليفة إلى التراجع. ويبدو أن قريش المدينة كانت أكثر الجماعات استثمارًا في حماية هذا النظام وضبطه، وليس عبثًا أن يكون نسب قريش نفسه نتاجًا مدينيًا، وقد أُلّف في سياق مضاد للشعوبية.

    لكن هل كان الأمويون وحدهم هم الذين احتفظوا بموقف جاهلي من التبني؟
    يقول الكاتب إن البيانات تكشف أن هناك عددًا من الأفراد في الفترات المتأخرة لهم عدد غير محتمل من الأبناء، وخاصة في الفروع الهاشمية. وأشدهم في هذا الباب علي بن عبد الله بن عباس، أحد أسلاف العباسيين، إذ يذكر له نسب قريش 33 ولدًا، وهو عدد يخبرنا بواسون بأنه استثنائي الاستبعاد. فهل يمكن أن يكون الهاشميون عامة، والعباسيون خاصة، قد استعملوا نظام التبني الجاهلي لتوسيع شبكتهم؟ ويلفت الكاتب النظر هنا إلى أن لفظ الدعوة العباسية قريب من الألفاظ المستعملة في الدعيّ والتبنّي، وأن العباسيين هم الذين فتحوا الإسلام أمام اعتناق غير العرب من غير قيد نظام الموالي القديم، بل إن جنود الجيش الفاتح سُمّوا أبناء الدولة. ويتساءل ساخرًا: هل هذا أكثر من مجرد مجاز؟


    الخاتمة

    يتوقع الكاتب أن تزعج النتائج المقترحة هنا مؤرخي الإسلام، سواء كانوا من المدرسة غير الشكية أو من المدرسة الشكّية. فبالنسبة إلى أنصار الرواية التقليدية، تبدو فكرة مكة القرشية بوصفها اختراعًا حديثًا نسبيًا عسيرة الهضم؛ لأنها تعاكس كل ما في السرد التاريخي، كما أن التشكيك في نسب محمد نفسه عند مستوى عبد المطلب وقصي يبدو قريبًا من إثارة الجدل المتعمد. أما بالنسبة إلى الشكاك، فإن استعمال مصدر من القرن التاسع لصياغة رواية تاريخية إيجابية عن القرن السادس يبدو من نوع الدراسات التي يعرفون أنفسهم بمخالفتها.

    لكن الكاتب يرى أنه إذا هُضمت هذه النتائج بهدوء، فسيرى الطرفان معًا أن فيها إطارًا للتوفيق.
    فبالنسبة إلى غير الشكاك، تُظهر الدراسة أن المدونات التقليدية — كما كانوا يقولون دائمًا — تحتوي بالفعل على قدر كبير من المعلومات التي تمثل الماضي تمثيلًا أمينًا. بل إن النتائج المتعلقة بمكانة قريش تساعد على حل التناقضات المتعلقة بأصول الإسلام، وهي التناقضات التي استخدمها الشكّاك لإبطال التراث الروائي برمته. أما فيما يخص نسب محمد نفسه، فليس المقصود أن يقال إنه لم يكن قرشيًا، بل المقصود أن قريش نفسها ليست “قرشية” بالكيفية التي تريدنا الرواية أن نفهمها؛ أي إن قريش — مع فخرها بنسبها — لم يمنعها ذلك من استعمال النسب عملةً لجذب الرجال الموهوبين إلى جماعتها.

    ويذهب الكاتب إلى أن عبقرية الإسلام كانت في قلب هذه الرسالة رأسًا على عقب، حين ضخّ فيها المساواتية التوحيدية؛ فأنشأ “تجمعًا” جديدًا مفتوحًا للفقراء والنساء وغير العرب والعبيد، بدل أن يكون محصورًا في رجال قادرين على تقديم منفعة مادية لأعضاء الجماعة القديمة. وعندما يأمر القرآن في الآية 33:5 بأن يُدعَى الناس لآبائهم، وألا يُتوقف عند جهل الآباء، فإن في هذا — عنده — إعلانًا توحيديًا بالغ الأهمية: أثرًا من آثار القطيعة بين النموذج القرشي القديم الذي كان يقوّم الشخص بحسب ما يقدمه للجماعة من حفظ المكانة، وبين عقيدة جديدة تدعو كل مؤمن — مهما كان أصله أو غناه أو قدرته — إلى علاقة مباشرة بالله لا تعبأ بمعايير النجاح الدنيوي.

    أما للباحث الشكّي، فيؤكد الكاتب أن هذه الدراسة لا تقوم على الحدس أو التخمين في قلبها، بل على تقرير واقعة إحصائية بسيطة. فـ نسب قريش للزبيري يحتوي أسماء 131 رجلًا من جيل محمد، وتكشف السلاسل الأبوية لهؤلاء أنهم وُلدوا من 82 أبًا. وهذا قريب جدًا مما نتوقعه إذا افترضنا أن البيانات تمثل مجتمعًا كاملًا ثابت الحجم، وهو افتراض تؤيده دراسة الأجيال المحيطة. ومن ثم فإن النموذج “المِدراشي” الذي يحكم كثيرًا من البحث الحديث في التاريخ الإسلامي — أي فكرة أن الرواية تتكون من نواة صلبة غير معروفة المقدار أحاطت بها طبقات ضخمة من الاختلاق — لم يعد صالحًا في حالة سجلات النسب. فما نراه هنا هو كمية هائلة من المعلومات العالية الجودة التي تمثل العلاقات كما كانت بالفعل، بل وحتى حيث يوجد اختلاق، فلدينا الآن أدوات للتعرف عليه.

    ويرى الكاتب أن اتساع هذه المعلومات وعمقها — في الأنساب الأبوية وفي الزيجات معًا — يدعوان إلى إعادة قراءة واسعة لموادنا المتعلقة بتاريخ ما قبل الإسلام وصدر الإسلام. فلدينا الآن إطار يمكننا بواسطته أن نقرأ أنساب ابن الكلبي غير القرشية، التي تضم عشرات الآلاف من الأسماء الممتدة عبر الجزيرة العربية. ويمكننا أن نفكك التحالفات والعلاقات الأقدم باستعمال بيانات الزواج وأنماط التسمية، وأن نحدد عبر ذلك الولاءات الأصلية للبطون القرشية. ويمكننا أن نعيد قراءة المدونات التاريخية ونلتقط منها طبقات خفية من المعنى تنسجم مع هذه الاكتشافات، بما يؤثر في فهمنا لكيف تطورت هذه التواريخ، وفي فهمنا للماضي نفسه.

    لكن الأهم من ذلك كله أن النتائج السابقة تعيد العالم الجاهلي والإسلامي المبكر إلى الحياة. فحين نرى الشبكات المحفوظة في أدب النسب بوصفها صورة متحجرة من ميثاق اجتماعي كان حيًا يومًا ما، نستطيع أن نضع أنفسنا داخل ذلك المزيج الدوّار من السياسة والمال والدين الذي يملأ كثيرًا من المدونات التقليدية والقرآن. وبذلك نفهم بوضوح أكبر ما الذي جاءت به قريش إلى المشروع الإسلامي:
    وهو معرفة واسعة وعميقة بكيفية موازنة المطالب المتنافسة للمجموعات القوية، من موضع ضعف نسبي. وكانت هذه البراغماتية المنفتحة هي التي سمحت للإسلام أن يبقى وينمو بعد وفاة مؤسسه، وهي التي زودت أفراد هذه القبيلة الصغيرة بالمهارات التي مكنتهم من قيادة دول متعددة الأعراق والأديان قرونًا متطاولة.